يهمني الإنسان

الإنسان والمرض: من ينتصر في النهاية؟

الصورة: Getty/Sam Edwards

في نعي المغنية الفلسطينية ريم بنَّا، كتبت إحدى الطبيبات على تويتر: «كل مرة يخسر الإنسان معركته مع السرطان، أشعر بالذنب. كيف مع كل هذا التطور الطبي ما زلنا نخذلهم؟ أنا آسفة يا ريم».

الصحة والمرض يخوضان صراعًا مزلزلًا منذ الأزل. في كل مرة نظن أن أحدهما قد انتصر، يعود الآخر ليقلب الموازين، وكأنهما مصارعان ضخمان يتقاتلان من دون أي قواعد أو قوانين. قانون اللعبة الوحيد هو: من ينتصر أولًا؟

المشكلة هنا أن حلبة المصارعة هي جسم الإنسان، الكائن الذي يظن أنه ملك الأرض ومن عليها. هل ينتصر المقاتل الطيب يومًا ويهزم خصمه إلى الأبد؟ أم ستنهار الحلبة دائمًا من شدة الصراع؟

كائن وحيد الخلية يهزم الكائن ذا الـ37 تريليون خلية

كان اكتشاف المضادات الحيوية عام 1928 طفرة طبية شديدة الضخامة، ساعدت على التغلب على أمراض لم تكن يومًا قابلة للشفاء.

في سبتمبر 2016، وفي سابقة مُفجعة للبشرية، توفيت سيدة أمريكية إثر عدوى بكتيرية، إذ تطورت البكتيريا داخل جسدها وقاومت كل المضادات الحيوية المتوفرة في الولايات المتحدة الأمريكية. لم يبقَ شيء بإمكان الطب فعله. وقف الأطباء حولها في عجز تام يراقبون تطور العدوى البكيترية في جسدها، إلى أن رحلت في عناء.

ربحت البكتيريا تلك المعركة، ربحتها بوضوح، بينما وقفنا نحن وسط أدواتنا المتقدمة وأجهزتنا الدقيقة نراقب المشهد الحزين كأننا نراقب مسرحية.

في 2015، نشر موقع هيئة الإذاعة البريطانية «BBC» مقالًا مثيرًا بعنوان «يوم قيامة المضادات الحيوية» يتساءل فيه عن شكل مستقبلنا من دون  مضادات حيوية. بعض النقاط التي أُثيرت في المقال كانت: «جرح بسيط في إصبعك قد يجعلك تصارع من أجل البقاء على قيد الحياة»، «سيلعب الحظ في مستقبلك دورًا أهم من دور الطبيب»، «خضوعك لعملية بسيطة كإزالة الزائدة الدودية قد يصبح مميتًا»، «قد تعود عمليات الولادة لتصبح لحظة مميتة في حياة الأم». مجرد التفكير في كل ذلك سيثير في نفسك الرعب.

في الولايات المتحدة وحدها، يُصاب مليونا شخص سنويًّا بعدوى بكتيرية مقاومة للمضادات الحيوية، من بين هؤلاء يموت على الأقل 23 ألف شخص.

كان اكتشاف المضادات الحيوية على يد العالم «ألكسندر فليمنغ» في عام 1928. ومنذ ذلك الحين شهد الطب طفرة شديدة الضخامة جعلته يتغلب على أمراض لم تكن يومًا قابلة للشفاء.

قد يهمك أيضًا: الوجه القبيح للطب: قصص انتصار النفعية على الأخلاق

حتى الآن، قضينا نحو مئة عام في تطوير المضادات الحيوية، لكن ما فاتنا كان أن البكتيريا أيضًا قضت نفس تلك السنوات تطوِّر من نفسها. منحتها عقاقيرنا القوة بشكل غير مقصود. وعندما تلاقى قطار تطورها مع قطار تطورنا، انتصرت هي بكل جموح. هل تكون حالة السيدة الأمريكية «أول الغيث»؟

سباق السرعة بين الإنسان والفيروسات: من ينفد وقوده أولًا؟

الصورة: kuldeep singh

في كل مرة يظهر وباء الإنفلونزا، يغير جزءًا ما في تركيبه الجزيئي.

الفيروسات كائنات دقيقة تغزو أجسادنا وتسبب لنا الأمراض. معظم المراجع العلمية لا ترى الفيروسات كائنات حية لأنها لا تستطيع أن تعيش أو تتكاثر إلا داخل خلية مضيفة.

في عام 1918 تسبب وباء الإنفلونزا في إبادة 50 مليون شخص من على وجه الأرض. تصفه الكتب بأنه «الوباء الأعنف في تاريخ الإنسان الحديث». كائن دقيق لا نراه حيًّا تَسَبَّبَ لنا في كل تلك المأساة.

اختفى الوباء مع نهاية عام 1919 وتركنا ننعم ببعض الهدوء. لكنه سرعان ما عاود الظهور في صورة أقوى عام 1957، منهيًا هذه المرة حياة مليون شخص من سكان العالم. ثم اختفى بعد ذلك أيضًا لسنوات قليلة وظهر في صورة أجدد أواخر عام 1968، مسببًا وباءً جديدًا راح ضحيته مليون شخص.

آخر عهدنا بأشكال تطور الفيروس كانت في عام 2009، عندما فاجأنا بنسخة أكثر تطورًا من كل أخواتها، استطاعت أن تقفز من الخنزير إلى الإنسان كما تقفز لاعبة الجمباز في العروض الأوليمبية.

قد يعجبك أيضًا: ما ﻻ تعرفه عن تحكم الجهاز المناعي في سلوكك الاجتماعي

في كل مرة يظهر وباء الإنفلونزا يكون قد غيَّر جزءًا ما في تركيبه الجزيئي. بعض الأبحاث تقول إن فصائل فيروس الإنفلونزا يمكنها، بشكل حرفي، أن تتبادل الجينات. ولذلك نرى تشابهًا جزيئيًّا كبيرًا بين بعض الفصائل التي أصابتنا، وفصائل أخرى لم تكن تصيب من قبل سوى الطيور أو الحيوانات.

ابتُكِرَ لقاح الإنفلونزا في أربعينيات القرن العشرين. لكن في كل مرة كنا ننتج بها تلقيحًا كان الفيروس يباغتنا بنسخة أجدد، لأن الفيروسات تتطور مليون مرة ضعف الإنسان. رقم مُفزع. الفترة التي نستغرقها لإنتاج تلقيح جديد مهما تكن بسيطة، فهي كافية للفيروس لإنتاج نسخة جديدة من نفسه يباغتنا بها. حتى عندما نتمكن بالفعل من إبادة فصيلة ما من الفيروسات، تظهر لنا فصيلة مختلفة تمامًا وأكثر شراسة، تسبب لنا مرضًا لم يخطر على بالنا من قبل.

هل ندور نحن والفيروسات إذًا في دائرة مُفرغة؟ هل تنقطع أنفاسنا ونضطر إلى الاستسلام قريبًا؟

ما لم يخبرنا به الطب: لن نكون أصحاء أبدًا

في منتصف القرن العشرين كانت طفرة من أكبر وأشد الطفرات التي ‏شهدها الطب على مدار تاريخه: اكتشاف الخلايا الجذعية.

الخلايا ‏الجذعية شكل من أشكال الخلايا الأولية التي ينشأ منها كل شيء ‏في الجسد البشري. نظريًّا: بعزلك للخلايا الجذعية وإنمائها في ‏المختبر تحت ظروف معينة، يمكنك أن تصنع أي خلية في الجسد ‏البشري.

دوَّت القنبلة، مئات المقالات في أشهر قليلة انطلقت لتخبرنا ب‏أننا أخيرًا تغلَّبنا على المرض. «سنصنع أنسجة سليمة ونستبدلها ب‏الأنسجة المعطوبة». «بعد عقود قليلة من الآن سيختفي المرض من ‏أجسادنا».  

للأسف، بعد فترة قليلة تبيَّن أن الأمر ليس مثاليًّا كما ظننا. الخلايا ‏الجذعية معقدة جدًّا. مثال لما اكتشفناه عن تلك الخلايا هو احتمالية أن تكوِّن ورمًا في جسدك، لأن لها قدرة عالية على الانقسام. وشيء آخر ‏بوغتنا به كان الرفض الشرس لجسدنا لتلك الخلايا عندما تُقدَّم له في ‏حالات معينة.

حتى وقتنا الحالي، في كل مرة يظهر اكتشاف طبي تُنشر المقالات ‏والأخبار التي تخبرنا بأننا سنتغلب على المرض. نظريات ‏وفرضيات لا حصر لها توضع عن قدرة هذا الاكتشاف أو ذاك على ‏منح الصحة الكاملة لأجسادنا، المؤسف أن ما نستنتجه دائمًا من تلك الاكتشافات هو أن فهمنا للجسد ‏البشري ما زال ضئيلًا جدًّا. في كل مرة نطبِّق اكتشافًا حديثًا على ‏مريض يتفاعل الجسد بشكل لم يخطر على بالنا.

في المعمل، تُجري الحسابات الدقيقة وتدرس كل الظروف. يُهيَّأ إلينا ‏أننا اتخذنا كل الاحتياطات، وأن الأمر مثالي، لكن في الجسد البشري ‏تنقلب كل الموازين.

في سجلات هيئات مراقبة الدواء ومنظمات الصحة، ستقابلك مئات ‏التقارير التي نُشِرَت عن أدوية اكتشفوا لها أعراضًا جانبية خطيرة ‏بعد سنوات من تقديمها للمرضى.  

هل جسدنا بهذا التعقيد حقًّا، أم أننا فقط لا نفهمه؟

الأدوية لا يُصرَّح لها بالنزول إلى السوق إلا بعد رقابة شديدة ‏الصرامة: ثلاث أو أربع مراحل من الدراسات السريرية، عشرات ‏السنين من الأبحاث، مئات التقارير تسجل أدق التفاصيل عن ‏الدواء. إذا أثبت الدواء كفاءة في كل ذلك، يُقدَّم إلى المستهلِك.

في ‏النشرة الداخلية لأي دواء تجد معلومات عن الأعراض الجانبية التي ‏قد يُحدثها. معلومات جُمِعَت بالأصل من سنوات البحث والمراقبة ‏الصارمة له. لكن يحدث أحيانًا أن يظهر عرَضٌ غير متوقَّع ‏إطلاقًا، وربما خطير للدرجة التي تضطر الهيئات المراقِبَة إلى سحب ‏الدواء من السوق.

مرة أخرى جسدنا يتفاعل بشكل لا نتوقعه مع ما يُقدَّم إليه. إننا نحمل ‏بداخلنا كثيرًا من المفاجآت. هذا الجسد الذي لا يتجاوز طوله عشرات السنتيمترات يحمل في طيَّاته عالمًا أوسع مما نظن.  

هل جسدنا بهذا التعقيد حقًّا، أم أننا فقط لا نفهمه؟

قد يهمك أيضًا: بلاسيبو: هل تصلح الأدوية الوهمية كعلاج للأمراض؟

بأمر «ألكسيس كاريل»: وصلنا إلى محطة الطب متأخرين

الجراح «ألكسيس كاريل» - الصورة: The Library of Congress

ننظر إلى جسد الإنسان كما ننظر إلى الآلة، ونقسم الطب إلى تخصصات ليتعامل الطبيب مع العضو المختص به بشكل منفصل، ولا يدري عن بقية الجسد إلا معلومات أولية.

«ألكسيس كاريل» كان جرَّاحًا فرنسيًّا وُلِدَ عام 1873. تدرَّج في مناصب مرموقة، وقدم إسهامات طبية متعددة حتى حصل على جائزة نوبل في الطب عام 1912. لكن شيئًا ما كان دائمًا يؤرِّقه، شيئًا أخرجه لنا في كتابه الأول «الإنسان.. ذلك المجهول».

في الكتاب، يقول كاريل إن كل ما نشهده من تأخر في صحتنا يُعزَى بالأساس إلى أننا لم نفكر في الصحة والمرض إلا متأخرين. عندما بدأ الإنسان في العصور الأولى ينقاد وراء غريزة الفضول لديه، أول ما انصرف إليه كان الفضاء وبيئته المحيطة. ربما يكون السبب في ذلك أن المرض حينها لم يكن يسبب لنا معضلة، لم يكن في ذاته ظاهرة. كان جزءًا من نسق الحياة الطبيعية أن تموت، سواءً مريضًا أو مقاتلًا. انصرف الإنسان إلى ما يقبع خارجه، ونسي أن يتأمل ما بداخله.

لكن حتى عندما بدأنا نفكر في أجسادنا، ارتكبنا أخطاءً جسيمة.

يصف كاريل التقدم الذي أحرزناه في الطب بأنه كان «اعتباطيًّا». يقول إننا ظللنا نسجل اكتشافاتنا العشوائية دون إدراك سابق لنتائجها. وزدنا على ذلك أن نظرنا إلى جسد الإنسان كما ننظر إلى الآلة، فتعاملنا معه على أنه كلٌّ يتكوَّن من تركيبات منفصلة. تلك النظرة أوقعتنا في خطأ جسيم، وهو أننا قسمنا الطب إلى تخصصات، الشيء الذي جعل كل طبيب يتعامل مع العضو المختص به على أنه شيء منفصل، ولا يدري عن بقية الجسد إلا بعض المعلومات الأولية.

يخبرنا كاريل في أسف بأننا لو كنا انصرفنا إلى الطب بدلًا من علم الفلك مثلًا، لكان حالنا قد تبدل تمامًا.

هل ما زالت أمامنا الفرصة لإنقاذ أنفسنا، أم سبقَنا المرض إلى نقطة اللاعودة؟ هل سنظل طوال حياتنا نلهث وراء المرض في حلقات لا ندري لها نهاية؟

لا يبدو كاريل متفائلًا جدًّا بهذا الشأن. في ختام الفصل الثالث من كتابه يخبرنا بأسًى واضح: 

«رغم كل هذه الانتصارات الطبية الباهرة، لا تزال مشكلة المرض بعيدة عن الحل، ولا يزال عبئًا اقتصاديًّا ثقيلًا على عاتق الدول والأفراد. ومن المؤسف حقًّا أن الطب لم يستطع حتى الآن أن يقلل من آلام البشرية إلى الحد الذي يريد أن يُدخله في روعنا. صحيح أن الوفيات الناجمة عن الأمراض المعدية نقصت كثيرًا، لكن لا مفر للإنسان من الموت. كثيرون منا يموتون من أمراض الانحلال. وسنوات الحياة التي ظفرنا بها نتيجة القضاء على الدفتيريا والجدري والحمى التيفودية وغيرها، ندفع ثمنها آلامًا مريرة تُسببها الوفيات التي تحلِّق فوق الرؤوس نتيجة الالتهابات المزمنة، وبخاصة السرطان والسكر وأمراض القلب».

لا أخبرك هنا بأن تلقي بكل ما لديك من أدوية في سلة المهملات، فبالأدوية قضينا على كثير من الأمراض التي كانت يومًا قاتلة. وفي الوقت الذي تقرأ فيه هذا الموضوع، هناك مئات الباحثين يقفون في المعمل لدراسة طريقة التغلب على البكتيريا المضادة للمضادات الحيوية، وتوجد هيئات بحثية كاملة وظيفتها الوحيدة رصد أي تغيُّر طفيف في طبيعة فيروسات بعينها، لمنعها من إحداث أوبئة جديدة. إننا نقاوم.

يومًا ما، ستصبح الأمراض التي تغمُّنا الآن شيئًا من الماضي. لكن في كل مرة نتغلب على شيء، سيباغتنا شيءٌ آخر لم يكن في الحسبان. نظرة بسيطة على أرشيفات الطب ستخبرك بأننا قضينا أعمارنا ندور في حلقة مُفرغة مع المرض. ما نبتكره اليوم لعلاجنا، ربما هو ما يجلب إلينا علةً جديدة في المستقبل. ما نقضي عليه اليوم، ربما يأتينا في صورة أشرس غدًا. ما ندرسه في الجسد البشري ونظن أننا فهمنا أدق تفاصيله، يأتي بعد قليل ليقلب أمامنا جميع الموازين.

ربما سنظل ندور في تلك الحلقة إلى ما لا نهاية. هل هذا لأننا، كما قال أكسيس كاريل، تأخرنا في دراسة الطب؟ أم فقط لأن المرض سُنَّة من سنن الحياة التي لن نهرب منها؟ أعتقد أننا لن نعرف أبدًا.