اعرف نفسك

هاتشو.. يرحمكم الله: ما ﻻ تعرفه عن تحكم الجهاز المناعي في سلوكك الاجتماعي

الصورة: Vimeo - Lee Health

ظلَّ العلماء فترة طويلة يعتقدون أن المخ عضو منفصل ومعزول بشكل خاص عن الجهاز المناعي، وأنه ليس ثمة علاقة بين الدماغ والمناعة، لكن مقالًا لأستاذ علم البيولوجيا الجزئية، «ناثان لينتس» (Nathan H. Lents)، يشرح كيف فاجأنا الواقع بتعقيده، كما يحدث عادةً مع العلم؛ فقد اكتشفنا علاقات لم نكن نعرف عنها شيئًا بين الجهازين العصبي والمناعي.

بقاؤك في السرير ليس مصادفة

في فراش المرض

يقول «لينتس» إنه كان علينا توقُّع وجود هذه العلاقة؛ فالحُمَّى مثلًا، وهي أحد جوانب الدفاع المناعي الأساسية، تؤثر بوضوح في المزاج والسلوك، وهي أشياء يقع مركزها في المخ.

عندما تكون مصابًا بالحمى يكون مزاجك مختلفًا، وتفقد الشهية والطاقة والحماس للأشياء التي تستمتع بها عادةً في حالتك الطبيعية. وهذا الشعور البشع، الذي يعرفه كل مصاب بالإنفلونزا، لا يحدث عن طريق المصادفة، ولا يمكن إرجاعه لارتفاع الحرارة المصاحب للحمى وحسب.

إن ممارسة بعض التمارين المجهِدة في يوم حار، قد ترفع حرارة الجسم بأكثر مما قد تسببه الحمى، لكن هذه الحرارة لا تؤدي إلى حالة من البلادة.

الهزال المصاحب للحمى يدفعنا لتقليل تفاعلنا مع الآخرين، وهي خطوة ذكية حال كانت الإصابة معدية.

ورغم أننا لا نرى الأمر بهذه الطريقة عادةً، فإن الشعور المرتبط بالحمى هو مجموعة من الأعراض النفسية، حسب ما يقول الكاتب؛ فما يتغير فعلًا هو مزاجنا وشعورنا الداخلي، بالإضافة إلى سلوكنا كذلك، فنصبح أقل رغبة في مغادرة المنزل أو ممارسة أي عمل، أو حتى الانخراط في أي نشاط اجتماعي، ولا نطمح إلا للرقاد في السرير والاسترخاء.

ولا تبدو القيمة التطورية وراء هذا السلوك غامضة؛ فالجهاز المناعي يسعى لحفظ مقدار ثمين من الطاقة التي سيحتاجها في عمله لمكافحة الفيروس، بدفعه الجسم للاسترخاء. إذا كان الأمر كذلك، فلا بدَّ أن الأعراض النفسية للحمى قد تسببت في إنقاذ عدد هائل من الأرواح البشرية والحيوانية.

ربما تكون مندهشًا من قدرة الجهاز المناعي على التحكم في سلوكك لحمايتك، لكن لا يزال هناك ما يدعو للانبهار، فهو لا يحميك وحدك، وإنما يدافع أيضًا عن أحبائك.

فبالعودة إلى الحمى، نرى أنه من الممكن أن يكون لها بعد اجتماعي أيضًا؛ فـالهزال المصاحب لها يدفعنا لتقليل تفاعلنا مع الآخرين، وهي خطوة ذكية حال كانت الإصابة معدية ؛ إذ سيؤدي هذا إلى تخفيض انتشارها بين أفراد المجموعة التي ينتمي إليها المريض.

وعلينا هنا ألا ننسى أن أقرباءنا البيولوجيين يكونون عادة ضمن هؤلاء الذين نتواصل معهم معظم الوقت، وهم أيضًا الذين يزوروننا عندما نمرض.

جندي مجهول يحميك وأحبَّاءك

إنترفيرون جاما
رسم توضيحي لجزيء إنترفيرون جاما - الصورة: Wikimedia

يشير الكاتب إلى الدعم الذي تتلقاه حديثًا فرضية قدرة النشاط المناعي على تغيير سلوكنا؛ إذ اكتشف فريق من الباحثين من جامعة فرجينيا أن لأحد الجزيئات المناعية المهمة تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا في السلوك الاجتماعي للفئران، وهذا هو الإنترفيرون جاما.

إنترفيرون جاما يؤثر بشكل أساسي على الرغبة في قضاء الوقت مع الآخرين.

يعدُّ إنترفيرون جاما (IFN-γ) واحدًا من أشهر جزيئات الجهاز المناعي، وهو بروتين قوي مضاد للفيروسات، يمكن أن تكون له تأثيرات واضحة على كل خلية في الجسم تقريبًا، ويعمل أساسًا جرس إنذار لتحذير الخلايا من اختمار عدوى ما في الجسم، كما يعمل مُنظِّمًا عامًّا للاستجابة المناعية في الآن نفسه، وتفرزه أنواع متعددة من خلايا الدم البيضاء كلما اكتُشفت إصابة.

أما الطريقة التي يعمل بها الإنترفيرون فهي كالتالي: يُجبر الخلية التي يتصل بها على وقف دفاعاتها الخاصة، والانخراط في مجموعة كبيرة من الأنشطة الدفاعية المصممة لإيقاف الجراثيم ومقاومتها وتدميرها.

الباحثون وجدوا أيضًا أن إنترفيرون جاما يؤثر بشكل أساسي على الرغبة في قضاء الوقت مع الآخرين، ويوجد داخل شبكة إشارات في المخ تعمل خصيصًا على وصل النشاط المناعي بالسلوك الاجتماعي. وتؤدي هذه الاكتشافات إلى نقض أي مفهوم عن حاجز يعزل المخ عن الجهاز المناعي.

هل تستسلم الفيروسات؟

يرى «لينتس» أن الفرضية القائلة بعمل إنترفيرون جاما على تخفيض الرغبة في التفاعل مع الآخرين عندما يكونون مصابين بعدوى ما، فرضية مقنعة عمومًا.

وهذه المسألة أبعد كثيرًا من مجرد العلاقة البسيطة بين العدوى والحمى الناتجة عنها؛ فمن الخصائص الأساسية للمناعة أنها قد تلجأ لآليات تتداخل أحيانًا لتحقيق الأهداف المتشابهة، لأن جهازنا المناعي قد تطور في صراع مدته ملايين السنين مع الفيروسات والبكتيريا، التي كانت في تطور مستمر بدورها.

وحال ثبوت هذه الفرضية، يتوقع الكاتب أن يبدأ علماء الفيروسات البحث لاكتشاف الطرق التي تسعى بها الفيروسات لتعطيل نشاط إنترفيرون جاما؛ لدعم التفاعل الاجتماعي بين حاملي الفيروس، وبالتالي تسهيل نقل العدوى.

إلى أين يمكن أن تقودنا هذه الاكتشافات؟

طفل مصاب بالتوحد
يتجه العلم للاعتقاد بأن التوحد نمط من أنماط الشخصية - الصورة: Wikimedia

نظريًّا، يمكن أن تقودنا النتائج السابقة لمزيد من الاكتشافات. فبحسب الكاتب، لهذه الفرضية دلالة مهمة كذلك فيما يتعلق بدراسة أنماط الشخصية الاجتماعية، كما تسهم في دعم المفهوم المسمى بالتعددية العصبونية (Neurodiversity).

لقد أدت الدراسة المتأنية للأفراد المشخصين طبيًّا بالتوحد إلى حدوث نقلة في التفكير بشأنه؛ فـانتقلنا من النظر للتوحد عبر منظار النموذج الاضطرابي (Disorder Model)، إلى النظر إليه من منظار النموذج التعددي العصبوني (Neurodiversity Model) ؛ فنحن نميل للاعتقاد أكثر من ذي قبل أن طيف المصابين بالتوحد إنما يقع على نهاية متوالية من أنماط الشخصية، تضم الشخصيات «الطبيعية» كذلك.

الحياة لا تكون عادةً بالبساطة نفسها التي تكون عليها أفكارنا وفرضياتنا العلمية.

ويُرجِّح الكاتب أنه إذا كان من الممكن فهم التطور باعتباره آلة لإنتاج التنوع عن طريق الطفر العشوائي، فمن الممكن، بل ومن الراجح، أن كلًّا من الشخصية ووظائف الجهاز العصبي يُشكِّلان جانبًا من هذا التنوع.

تكمن عبقرية البيولوجيا الإنسانية في أننا لم نتطور لنصبح شيئًا واحدًا بعينه، وإنما تكمن قوة نوعنا أساسًا في القدرة على التكيف ، فنحن أقل كائنات الأرض اختصاصية إذا أمكن القول، بالنظر إلى قدرة أمخاخنا القوية على إرشادنا في مختلف السياقات، ولهذا السبب يُعتبر التعدد أمرًا لا غنى عنه.

والآن، مع معرفتنا بالدور الذي يلعبه إنترفيرون جاما في السلوك الاجتماعي، يمكننا البدء في بحث دوره المحتمل فيما يتعلق بأنماط الشخصية والتعددية العصبونية؛ ذلك أنه إذا كان التنوع في مستويات الإنترفيرون جاما مقترنًا بالتنوع في السلوك الاجتماعي؛ فإننا نكون قد وضعنا أيدينا على ارتباط أساسي ذي طبيعة ميكانيكية.

لكن هذه الفكرة تبدو أكثر مثالية من اللازم، خصوصًا بالنظر للقضية التي بدأ بها الكاتب هذا المقال، وهي أن الحياة لا تكون عادةً بالبساطة نفسها التي تكون عليها أفكارنا وفرضياتنا العلمية.

, , , , , ,