إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

الغموض مستمر: لماذا يخفق الذكاء الصناعي في توقع نتيجة كأس العالم؟

الصورة: Getty/K M Asad

قبيل كل مباراة، اعتدنا على وجود محللين كرويين يتخيلون سيناريوهات اللقاء الكروي وأحداثه، بهدف تَوقُّع النتيجة التي تنتهي عندها المباراة. وفي أيامنا، خصوصًا تلك المتعلقة بمباريات كأس العالم، جعلتنا شركات الدعاية والإعلان نعتاد على الظهور الإعلامي والتسويقي لنوع من الحيوانات يتوقع بطريقة سحرية وعجيبة نتائج مباريات كأس العالم عن طريق الإشارة إلى المنتخب الفائز بكل مباراة.

لكن ماذا عن التوقعات من خارج المملكة الحيوانية والمحللين الرياضيين؟ توقعات كالتي من الممكن أن يصل إليها الذكاء الصناعي مثلًا؟ بسبب نجاحاته المذهلة الناتجة عن تطبيقاته في كل شيء تقريبًا، والمثيرة للمشكلات الفلسفية والتقنية من داخل المجال نفسه، بدت التجربة مغرية بالنسبة إلى الباحثين.

محاكاة مباريات كأس العالم

طور علماء الذكاء الصناعي، في الجامعات والمعاهد البحثية، برامج تستطيع محاكاة مباريات كأس العالم 2018 بغية توقع المنتخب الحامل للكأس هذا العام. وقد استعان الباحثون ببرامج ذكاء صناعي لحساب احتمالات فوز كل منتخب في كل مباراة، وبالتالي توقُّع المنتخبات المتأهلة واحتمالات الفوز باللقب.

اعتمدت برامج الذكاء الصناعي والمحاكاة تلك على معطيات كروية كسجلات «فيفا» وتصنيفاته، والإصابات بين صفوف اللاعبين، إضافة إلى عوامل اقتصادية: الناتج المحلي الإجمالي لكل بلد مشارك، وتوقعات شركات المراهنة الكبيرة التي تستعين بإحصائيين محترفين لفحص كمية هائلة من البيانات وتحليلها لتوقع احتمالات الفوز، وكذلك عوامل أقل تأثيرًا، كتعداد السكان للبلدان المشاركين، وعدد اللاعبين في المنتخب، والذين قد يكونوا يلعبون في نفس النادي، ومتوسط أعمار اللاعبين في كل منتخب، والبطولات السابقة، وجنسية المدرب.

اختلفت النتائج في ما بينها اختلافًا بيِّنًا. لكن كان هنالك شبه إجماع حول وصول ألمانيا والبرازيل وإنجلترا وإسبانيا، على الأقل، إلى الدور ربع النهائي، غير أن عددًا من برامج المحاكاة أكدت أن إسبانيا الأكثر حظًّا في الفوز بهذا المونديال، تليها ألمانيا.

في حين أن هذه التوقعات تناقضت تناقضًا صارخًا مع ما حدث بالفعل. فإسبانيا خرجت أمام روسيا من دور الـ16، الأمر الذي كان بمثابة الصدمة لعشاق كرة القدم ومطوري برامج الذكاء الصناعي على قدم المساواة. بينما لم تستطع ألمانيا حتى التأهل لدور الـ16، فخرجت من دور المجموعات أمام كوريا الجنوبية.

كل ذلك يحيلنا في النهاية إلى سؤال واحد: لماذا أخفق الذكاء الصناعي في توقع ما سيحدث في كأس العالم 2018؟ فرغم نجاحاته الباهرة في دقتها داخل عدد من المجالات الاقتصادية والطبية والبحثية منها، فإنه قد فشل فشلًا ذريعًا في توقع نتيجة مباراة كرة قدم.

اقرأ أيضًا: ذكاء اصطناعي لم نعد نفهمه: لهذا يجب علينا أن نخشى التكنولوجيا

لماذا أخفق الذكاء الصناعي؟

تعود أسباب فشل الذكاء الصناعي في توقع نتائج مباريات كرة القدم بدقة، إلى الطريقة التي يعمل بها. فأنظمة الذكاء الصناعي وبرامج المحاكاة كلها قائمة على الحساب (Computation) الذي هو سر قوة صَرْح الذكاء الصناعي، مثلما هو نقطة ضعفه في الآن نفسه.

يخفق الذكاء الصناعي في توقع ما يمكن أن تفعله النفس الإنسانية كجزء من كل.

نعلم أن الذكاء الصناعي يعمل على هيئة مُدخَلات ومُخرَجات، بشكل رياضي منطقي بالكامل. لكن في حالة كرة القدم، بخلاف كل العوامل الفيزيائية، فإن هناك عوامل يصعب تكميمها، أي تحويلها إلى مدخلات رياضية، وإجراء العمليات الحسابية عليها. هذه العوامل من قبيل الحالات النفسية والعقلية والعصبية، وربما البدنية، لـ26 رجلًا داخل الملعب: 22 لاعبًا، وأربعة حكام.

إضافة إلى هؤلاء، هناك عوامل أخرى، كالعلاقات والروابط الاجتماعية التي تربطهم داخل المباراة أو خارجها. والأكثر أهمية وخصوصية هنا تلك الحالة «السوسيولوجية» المتولدة عنهم كمجموع، والتي ربما يسميها بعض الناس «روح الجماعة»، أي الحالة النفسية والشعورية التي تنتج عن تجمع كل هؤلاء داخل المبارة، إما باعتبارها محصلة للأجزاء، أي الحالة النفسية لكل لاعب، وإما باعتبارها كلًّا أكبر من مجموع أجزائه، إذ ينتج عن اجتماعهم حالة نفسية جديدة مختلفة تمامًا عن حالة كل منهم على حدة.

في حالة كرة القدم ستكون المباراة بأكملها تعبيرًا عن روح الجماعة. حينها نرى الذكاء الصناعي يخفق في توقع ما يمكن أن تفعله النفس الإنسانية كجزء من كل، هو الجماعة.

نحن نعلم أن العالم الفيزيائي بموضوعاته يقبل التكميم، أي إنه يمكن إقامة معايير كمية تناظره، وكذلك يمكن «ترييضه» (إجراء العمليات الرياضية والإحصائية عليه) نظرًا للتجانس بين عناصره وبساطتها. وهذا ما يحدث في الفيزياء، مع أننا في العالم الفيزيائي لا يمكننا أحيانًا وضع تنبؤات على درجة هائلة من الدقة بخصوص بعض الظواهر الفيزيائية، مثلما يحدث في عالم ميكانيكا الكم، أو في حياتنا اليومية كتوقع الطقس مثلًا. يشتد هذا التعقيد، أو ربما يبلغ ذروته، حينما نحاول إجراء مثل هذه العمليات في حدود منظومة اجتماعية «بين-ذاتية» (Intersubjective)، كلعبة كرة القدم.

لذلك يعجز الذكاء الصناعي عن وضع توقعات حاسمة تنبئ بما هو مستقبلي يخص مباراة كرة قدم. فذلك يرجع إلى السمة الأساسية للعبة كرة القدم، ألا وهي الطابع الجماعي للعبة، والذي لا يمكن، على الأقل في وقتنا الحالي، أن يحتويه أي نظام ذكاء صناعي في شكل كمي بحت.

قد يهمك أيضًا: لماذا لا يفهمنا الذكاء الصناعي؟

هل يرسم كأس العالم حدود الذكاء الصناعي؟

ربما يستطيع الذكاء الصناعي التوقع، وربما التفوق على الإنسان في لعبة مثل الشطرنج، كما حدث مع «كاسباروف» وجهاز «Deep Blue». فقبل أي شيء الشطرنج لعبة فردية، أي محدودة العوامل والمتغيرات، فيمكن تكميمها وحسابها في صورة احتمالات. فحركة البيادق مثلًا مرهونة بما يوجد فقط في ذهن اللاعب، أي الاحتمالات المتاحة أمامه، والتي يمكن حصرها مهما يكن عددها هائلًا.

ولا يمكن مماثلة لاعبي الشطرنج مثلًا في مباراة، باثنين من مدربي كرة القدم. فالمدربان ليسا العوامل الأساسية، ولا الوحيدة، المتحكمة في مجريات المباراة. فمهمة المدرب تكون وضع الإطار الصوري الذي ينبغي أن تسير عليه المباراة، أي الخطة. واللاعبان ليسا بيادق، فلا ينهار بيدق مثلًا على طاولة الشطرنج لأنه أصيب بشد عضلي، أو لأنه يمر بأزمة عاطفية إثر رحيل حبيبته عنه قبل أن تبدأ المباراة. كل هذه الاحتمالات قائمة في مباراة كرة قدم، فهل يمكن للذكاء الصناعي حساب ذلك؟

في النهاية لم تستطع آلة ذكاء صناعي حتى التوقع بأن «جولين لوبيتيغي»، مدرب إسبانيا، سيرحل عشية المباراة الافتتاحية لكأس العالم، وقبل لقاء إسبانيا والبرتغال بيومين فقط، الأمر الذي أثار حالة من البلبلة داخل البلد نفسه، وبالطبع داخل تشكيلة المنتخب والأوساط الكروية عمومًا.