إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

الفن العسير: لماذا لا يفهمنا الذكاء الصناعي؟

الصورة: Getty/Pacific Press

موسيقى بيانو، خربشات رسوم قطط، قصص قصيرة، قد لا تبدو كمشروع متجانس أو ذي فكرة واضحة، لكنها كذلك بالنسبة إلى غوغل، ففريق «Google Brain» يعمل بكد لفهم كيفية عمل الشبكات العصبية الصناعية لموسيقى أو اللغة أو الرسوم.

«ماغنيتا» إحدى نتائج هذا العمل المُضني، والممتع في الوقت نفسه، الذي أنشئ على يد فريق Google Brain، واستطاعت تأليف موسيقى بيانو. استمع إلى الأداء اللطيف الذي نفذته ماغنيتا، لكن الأداء ليس كل شيء، الأمر أشبه بالتأليف الموسيقي، نغمة ربعية، النموذج يحدد سرعة العزف، ومدى عُلُوّ النغمة ومتى يُخفِّضها، وهكذا.

ماغنيتا أيضًا تعمل على توليد رسوم في النموذج «Sketch RNN»، إذ يمكنك إمداد النموذج برسم أو حتى خط، وهو سيحوله إلى عدد من الرسوم قريبة الشكل من رسمك.

فنٌّ آخر برع فيه الذكاء الصناعي هو الأدب، وتحديدًا الخيال: الخيال الصناعي، الذي يعمل على تأليف القصص أو الروايات الخيالية. أقدم لكم «Literai»، الاسم مشتق من أول مقطع من كلمة «أدب» باللغة الإنجليزية (literature)، وحرفا «AI» اختصارًا للذكاء الصناعي (Artificial Intelligence).

«ليتراي» منصة يمكن إدخال كلمات أو حروف عليها، وهي ستولِّد قصة خيالية عن طريق ما زودتها به. حاول أن تُدخِلَ إليها إحدى مسرحيات شكسبير على سبيل المثال، وسترى نتائج ليست بالسيئة على الإطلاق، أعني أنها أفضل من بعض الكُتاب في بعض الأحيان.

نجاح ماغنيتا وليتراي مؤشر على النجاح الباهر للذكاء الصناعي، النجاح الذي تلا مراحل كثيرة من الإحباط والانتكاسات، والذي سُمِّيَ بشتاء الذكاء الصناعي. فالتطور الحادث عبر تعلُّمِ الآلة، أو الشبكات العصبية الصناعية، سيؤدي قريبًا إلى انتشار السيارات ذاتية القيادة ويساعدنا في تشخيص الأمراض.

لكن على الرغم من هذا التقدم الكبير، لا يزال هنالك ما يُعد هدفًا صعب المنال: اللغة.

هل اللغة فن عسير الفهم حقًّا؟ 

كيف يتعامل تطبيق «سيري» باللغة العربية؟

تطبيق «سيري» على أجهزة «آبل» يُنفذ أوامر بسيطة للإجابة على أسئلة ليست معقدة، لكن لا يمكنه إجراء محادثة معك، وليس لديه أبسط فهم للكلمات التي يستخدمها لإجابة أسئلتك.

«لا يمكننا الحصول على أنظمة ذكية شبيهة بذكاء البشر من دون أن تحتوي لغة في صميمها، إنها إحدى أكثر الأشياء الواضحة التي تعزل الذكاء البشري». جوش تينيباوم، أستاذ العلوم  المعرفية والكمبيوتر في معهد «MIT»، متحدثًا لمجلة «MIT Tech Review».

قد يهمك أيضًا: من ينتصر في سباق اللغة والتكنولوجيا؟

لم يكن الجميع متفائلًا بمستقبل اللغة في الذكاء الصناعي، فعالم اللغويات «نعوم تشومسكي» أكد أنه قد يُعاني العلماء من محاولة الفهم، ذلك أن آليات عمل اللغات عند البشر غير مفهومة بشكل كامل.

رغم ذلك، هناك محاولات عديدة للفهم، منها «إليزا»، البرنامج الذي يعمل كطبيب نفسي، يردد عليك كلمات من عبارة ما، أو يسأل سؤالًا للتشجيع على إجراء محادثة. على سبيل المثال، إذا قلت لها: «أنا غاضب بسبب أخي»، قد تسألك: «ما الذي يخطر ببالك أيضًا عندما تتذكر أخاك؟». خدعة بسيطة، لكنها نجحت في جعل الناس يحكون أعمق أسرارهم لهذه الآلة.

اقترح بعض العلماء صنع شبكات عصبية صناعية كالخلايا العصبية للبشر، مما أسهم في تطور مجال اللغة.

المحاولة التالية كانت من نصيب العالم الأمريكي «تيري وينوغراد»، الذي كان يريد صنع شيء يفهم اللغة حقًّا، فضيّق مجال المشكلة بإنشاء بيئة افتراضية فيها عدة كائنات عبارة عن كُتل، وأسماها «عالَم من الكُتل»، موضوعة على طاولة افتراضية، ثم أنشأ برنامج «SHRDLU» الذي يُعرِب كل الكلمات التي تشير إلى ذلك العالم الافتراضي المجرد.

هذا البرنامج كان قادرًا على وصف الكائنات في هذه البيئة الافتراضية وذِكر العلاقات بينها، والمذهل أيضًا أنه كان لديه نوع من الذاكرة، بمعنى أنك لو أمرته بالتحرك إلى المكعب الأحمر، ثم أخبرته تاليًا: «عُد إلى المكعب»، سيتذكر المكعب الأحمر، ويضعه في ذاكرته أكثر من أي مكعب بلون آخر، لأنه ذُكر آنفًا.

«SHRLDU» كان علامة على تطور الذكاء الصناعي، لكن هذا كان محض وهم. فعندما حاول وينوغراد تحديث البرنامج وجعله يؤدي مهمّات أكثر تعقيدًا، أصبحت قواعد تفسير الكلمات غير قابلة للإدارة، وازداد التعقيد النحوي.

بعد عدة أعوام تخلى وينوغراد عن البرنامج، وترك مجال الذكاء الصناعي برُمّته. المشكلة تكمن، كما أوضح البروفيسور «هيوبرت دريفوس» في كتابه «What Computers Can't Do»، أن كثيرًا من أفعال البشر يتطلب ذكاءً غريزيًّا لأدائه، وليس مجرد قواعد سريعة ومعقدة. تخيل معي المراحل التي قد يمر بها طفل بدأ من المناغاة حتى الكلام بشكل واضح، عملية طويلة ومعقدة، أليس كذلك؟

ساد جو من الإحباط إلى أن اقترح بعض العلماء صنع شبكات عصبية صناعية تشبه الخلايا العصبية للبشر، لكن الفكرة قوبلت باستهجان في البداية بحجة أنها غير منطقية، ثم وُضعت موضع التنفيذ بعد سنوات، وكانت أحد أهم أسباب تطور مجال اللغة عند الذكاء الصناعي بسرعة كبيرة.

ذكاء صناعي: «ما المغزى من الحياة؟»

غوغل بالفعل تُدَرِّب الآلات على أساسيات اللغة، إذ أطلقت نظام «Parsey Mcparseface» في مايو 2016، وعمله يتلخص في أنه يتفحص الجملة، فيعرف الاسم والفعل وعناصر الكلام الأخرى. ليس من الصعب تخيل حجم القيمة التي سيضيفها الفهم الجيد للغة إلى شركة غوغل .

خوارزمية البحث في غوغل كانت تبحث عن الكلمات المفتاحية، ثم تربط صفحات الويب وتعرضها عليك، أما الآن فتستخدم خوارزمية تسمى «RankBrain»، تقرأ محتوى الصفحات بغرض التوصل إلى معنى، ثم تعرض عليك النتائج، والنتائج تكون أفضل من السابق بالطبع.

لم تتوقف غوغل هنا، بل تعمل على برنامج يجيب الأسئلة المفتوحة، وإجاباته مقبولة إلى حد ما.

غُذِّي البرنامج بحوارات من ما يقرب من 20 ألف فيلم ليستخدمها في النقاشات، وبعض إجاباته يبدو مريبًا. أحد الأسئلة التي طرحها المصممون على البرنامج: «أين أنت الآن؟»، وإجابته كانت: «في قلب اللاشيء». سؤال آخر قال: «ما المغزى من الحياة؟»، فأجاب البرنامج: «خدمة الصالح العام».

شخصيًّا، أرى إجابته مقنعة أكثر من إجابتي، وكذلك يرى مصممو البرنامج.

أريدك أن تتخيل الآن آلة تساعدك على اتخاذ قرار عسكري على سبيل المثال، لكنها لا تفهم ما هو القرار أصلًا.

لكن لا تأتي الرياح دومًا بما تشتهي السفن، المشكلة في هذا البرنامج أنه لا يفهم ما يتحدث عنه، ولو حتى بصورة بسيطة. على سبيل المثال، إذا سألته: «كم قدمًا لدى أبو قردان؟»، سيرد: «ثلاثة». إنه ببساطة لا يدري ما هو أبو قردان.

«اللغة قائمة على معرفتنا الكبيرة بها، لكنها كذلك تعتمد على بإدراكنا الفطري للعالم، وهاتان النقطتان ضروريتان معًا لفهم اللغة». «نواه غودمان»، أستاذ علم النفس في جامعة ستانفورد.

قد يعجبك أيضًا: هكذا سنتحكم في ما حولنا بمجرد التفكير

يرسم، يؤلف الموسيقى، يَحبِك الروايات، لكن لا يمكنه إلقاء نكتة 

غودمان وطلابه في جامعة ستانفورد أسسوا لغة ويب احتمالية أسموها «WebPPL»، واتضح أن استخدامها كان نافعًا للغاية، فإحدى التجارب التي أجروها فهمت التّوْرِية والمبالغات.

المقصود بالمبالغات مثلما تقول: «لقد انتظرتك دهرًا من الزمان». بالطبع لا يمكننا إحصاء سنين الدهر، لكنها مبالغة، فتخيل أن تفهمك الآلة بشكل حرفي وتبدأ في إحصاء «الدهر». حمدًا لله على أنها ليس لديها مشاعر، وإلا لكانت غاضبة للغاية، فمواكبة مثل هذه المبالغات والتوريات مهم: النكات تعتمد عليها، وكذلك التهكم وكثير من البلاغيات اللغوية، لذا سيكون من الصعب أن تجد خوارزمية تمازحك عمّا قريب. النظام بعيد كل البعد عن تسميته «ذكيًّا»، لكن المحاولة قد تفيد في إدراك كيفية تعليم الآلة اللغة.

قد تتساءل: ما أهمية تعليم الآلة اللغة؟ ولِمَ كل هذه المحاولات المضنية؟ أعني أن إجراء محادثات فلسفية عن الوجودية، و«لِمَ نحن هنا يا كابتن مدحت؟»، قد يبدو أمرًا رائعًا، لكن الذكاء الصناعي يُستخدَم في كثير من التطبيقات: الطبية، والعسكرية، وغيرها.

أريدك أن تتخيل الآن آلة تساعدك على اتخاذ قرار عسكري على سبيل المثال، لكنها لا تفهم ما هو القرار أصلًا. اللغة قوة، وهي أقوى الأدوات لفهم العالم المحيط. أعني: تخيل أنك لا تعرف اللغة، هل كنت ستتمكن من قراءة هذا الموضوع ومعرفة أن الآلة لا تفهمك؟