النداء الأخير

مسرح «سارة كين»: الموت دائمًا خلفك

«سارة كين» - الصورة: Getty/ullstein bild

الوقت الآن الرابعة وثماني وأربعون دقيقة، تستيقظ «سارة كين» من نومها، وتفكر: «في الـ4:48، حين يزورني اليأس، سأشنق نفسي»، تحوِّل هذه الكلمات إلى مسرحية بعنوان «ذهان 4:48»، رسالة وداع أخيرة أو وصية. برغم نشأتها مسيحيةً متدينة، تخلت سارة عن الدين في وقت مبكر من عمرها، ودرست المسرح في جامعتي برستل وبرمنغهام. وكتبت خمس مسرحيات فقط قبل أن تتوفى عن 28 عامًا.

عالج مسرح سارة كين عددًا من القضايا، مثل الجنس والحب والاكتئاب والوحدة والقتل. لذلك كان غريبًا على المجتمع أن تناقش فتاة في عمرها، هذه القضايا بهذه الجرأة والقسوة في نفس الوقت. بجانب كتابة أعمالها الإبداعية، أخرجت بعضًا منها وأدت أدوارًا أيضًا في بعض العروض كبديل لإحدى الممثلات.

شخصيات كين متقلبة المزاج ومكتئبة طوال الوقت ومشرفة على الموت دائمًا، تشبه بشكل كبير شخصيات «دوستويفسكي». الموت حاضر في مسرحها كحدث وطقس عام، شخصية حاضرة لها وجود، أو يمكن أن نراه بطلًا أساسيًّا في العمل. يحتوي مسرحها على مشاهد جنس وقتل وتعذيب، كلها من الصعب تقبلها أو تقديمها على المسرح، ما شكل تحديًا لمخرجيها.

«مدمَّرون»

في هذه المسرحية تهرب كين من العالم، تختزله في غرفة فندق، في شخصين: «إيان» صحفي في العقد الرابع من عمره، ويعاني من أمراض الدنيا كلها، لذلك نجده شخصًا ذا ميول انتحارية، لا يتوقف عن التدخين والسكْر، ورفيقته «كايت» في بداية عقدها الثاني. رجل وامرأة، تمثل كين بهما لتحولات إنسانية كثيرة تحتاج أعوامًا، تختصرها في يومين. تقدم نموذج الرجل الأربعيني العنصري الذي يرى المرأة أداةً في يده أو مجرد تسلية جنسية، رغم اعترافه بأنه يحبها. وتقدم نموذج المرأة الضعيفة التي تدرك جيدًا مدى الأذى الذي يوقعه الرجل عليها، بل تعترف له بذلك بكل صراحة، لكنها مرتبطة به ارتباط ابن بأمه.

تناقش الكاتبة قضية الحرب ومدى جدواها. فنرى تأثيرها في الجندي. وتحوله إلى آلة لا تفكر إلا في القتل وممارسة الجنس.

تقديم «القتل» هنا بدأ بالتدريج على عكس مسرحياتها التالية، ويمكن فهم ذلك لأن هذه المسرحية أول أعمالها. يحضر القتل أو الموت كفكرة، جملة على لسان كايت: «هل أطلقت النار على أحد من قبل؟»، تسأل «إيان»: «هل يمكن أن تطلق النار عليَّ؟».

تقلبات مزاجية حادة طوال المسرحية، بين القوة والضعف والحب والكراهية. فإيان الذي يدَّعي القوة وعدم الخوف من الموت، لا يتمالك نفسه حين تحاول كايت قتله، وهي التي تتعامل مع العالم مثل قط وديع، تتحول إلى جثة دون مشاعر في النهاية.

بدايةً من المشهد الثاني، تتسم الأحداث بطابع أكثر سوداوية وقتامة. هناك ريبة في الخارج، ولا ندري ماذا يحدث، أشبه بطابع أبوكاليبسي (نهاية العالم). قضية أخرى تناقشها الكاتبة في المسرحية، وهي «الحرب» ومدى جدواها. فهناك جندي يظهر، ونرى تأثير الحرب فيه. فهو جَدٌّ فقد عقله تمامًا، وتحول إلى آلة لا تفكر إلا في القتل وممارسة الجنس.

في المسرحية، تتخفى جميع الشخصيات بغطاء مزيف من القوة، بينما هم ضعفاء ويتسمون بالهشاشة. حتى الجندي الذي قابل كثيرًا من الأهوال، أصبح هشًّا وضعيفًا. تظل «المرأة» فقط هي القوية، بينما جميعهم قتلى حولها، وهي تعتني بهم. هذه هي المرة الوحيدة التي ظهرت فيها المرأة بهذه القوة في مسرح سارة كين.

اقرأ أيضًا: تجربة شخصية: أستطيع أن أفهم «فيرجينيا وولف»

«تطهير» (Cleansed)

«سارة كين» - الصورة: Gobonobo

كل شيء في هذه المسرحية بارد وله رائحة الموت، وتبدو جميع الشخصيات كأنها حيوانات ميتة، أو تلفظ أنفاسها الأخيرة.

المسرحية الثالثة في مسيرة كين. هنا تتخذ الكاتبة مسارًا أكثر حدة وجرأة. تظهر سمات أخرى لدى الكاتبة نفسها، فنرى بطلة المسرحية «غريس» ترتدي ملابس الرجال، وهو أمر تحبه الكاتبة، بل تقص شعرها مثلهم. تتخذ المسرحية من مدرسة مهجورة مكانًا لها، هناك زعيم في هذه المدرسة يشرف على كل شيء، وهو «تينكر»، بينما باقي الطلاب خدم/أصدقاء لديه.

علاقة «تينكر» بباقي شخوص المسرحية أشبه بعلاقة إله مع عباده، فهو يأمر وينهي ويقتل. تحاول كين عرض أفكارها عن الدين والإله، ولماذا تخلت عن كل هذا، لذلك لا نتعجب حين نلاحظ أن عنوان المسرحية هو «تطهير».

كل شيء في هذه المسرحية بارد وله رائحة الموت، حتى مشاعر الأحباء ميتة: إما حب في نهايته، وإما حب تقولب في الجنس فقط، ثم يتسم هذا الجنس بطابع تسليعي يفقد أي معنى، فتبدو جميع الشخصيات كأنها حيوانات ميتة، أو تلفظ أنفاسها الأخيرة.

الحب يوضع في إطار من الانتهازية والتعذيب. برغم الحب الواضح بين «كارل» و«رود» مثلًا، فإنهما يعذبان بعضهما طوال المسرحية، بل ينظران إلى الحب متمثلًا فقط في «خاتم». وبرغم حب «تينكر» لـ«غريس»، فإنه يبحث عنها في عاهرة لا يحبها، يحاول أن يجعلها «غريس» جديدة حتى تفقد هويتها تمامًا.

تمتلئ المسرحية بكثير من الصور القاسية الدموية، من قتل وتعذيب وشنق، ما يجعلنا ننظر إلى المسرحية باعتبارها وجهة نظر كين عن الحياة والحب، وعن أنهما وجهان لعملة واحدة لا تعرف إلا التعذيب والموت.

«ذهان 4:48»

كين جديدة تخرج في الأنفاس الأخيرة، تحاول أن تتمسك بأي أمل للنجاة، حتى لو كان العودة إلى الأفكار الدينية التي نبذتها.

«عند الساعة 4:48، عندما يزورني الاكتئاب، سأشنق نفسي، على صوت أنفاس حبيبي، لا أريد أن أموت».
رغم اعتبارها مسرحية، فإن «ذهان 4:48» تختلف بشكل كبير عن المسرح: لا شخصيات ظاهرة ولا أسماء أو أحداث، لا توجيهات مسرحية. هي هلوسات ورسائل، أو بالأحرى تداعي أفكار على الورق دون ترتيب. بعد انتهائها من هذا النص ببضعة أيام، نجحت كين في محاولتها الثانية للانتحار، مخلفة لنا هذا النص كرسالة وداع.

«كانت لديَّ القدرة على البكاء. أما الآن، فقد تجاوزت مرحلة الدموع». النص أشبه بيوميات أو هلوسات كتبتها كين في المستشفى، تعبر فيها عن ما يحدث داخل المستشفى وفي عقلها. تجربة ذاتية بقدر كبير نلمس فيها أحلامنا المتهالكة وأمراضنا وحياتنا الضائعة.

في النَص تعلن كين صراحةً رغبتها في الانتحار أكثر من مرة، دون استخدام رمزيات أو استعارات. وبالنسبة إليها، فإن الخلاص الوحيد يكمن في الحب، فهو عنصر مهم تكرر في عدة مواضع في المسرحية، أحيانًا كأنها ملجأ: «اقطعوا لساني، مزقوا شعري، اقطعوا أطرافي، لكن أتركوا حبي لي، أُفضِّل أن أخسر قدمي، أنزع أسناني، أقتلع عيني، على أن أخسر حبي»، وأحيانًا مثل كابوس: «يبقيني الحب عبدًا في قفص من الدموع». «حبي، حبي، لماذا تخليت عني؟».

تُدخل كين على النص تقريرًا طبيًّا مُتخيلًا عن حالتها، واصفة نفسها بأنها لا تريد أن تأكل وتشرب وتنام وتمارس الجنس وتتحدث إلى أحد، ثم تسرد أسماء الأدوية التي تناولتها، مع أعراضها الجانبية التي أصابتها مع عدم فعالية هذه الأدوية، جزء مؤلم لك أن تتخيل كيف كانت حالتها وهي تكتبه بهذا الأسلوب الجاف على لسان الطبيب. ثم بعد هذا تصف لنا آثار هذه الأدوية بصوتها: «يلمع، يومض، يشرط، يحرق، يلوي، يضغط، يربت، يشرط»، مكررة هذه الأبيات مرات كثيرة. ثم قرب نهاية المسرحية، تكتب كين أبياتًا تشبه الترانيم الدينية.

كين جديدة تخرج في هذه الأنفاس الأخيرة، تطلب منا أن نخاف الرب ونتماسك: «اشبكوا أنفسكم: لأنكم لا بد من أن تنكسروا»، تحاول أن تتمسك بأي أمل للنجاة، حتى لو كان العودة إلى الأفكار الدينية التي نبذتها: «توجد الصحة العقلية في الجبل الذي عليه بيت الإله».

في المشاهد التي تصف فيها مقابلاتها مع الطبيب، تخبرنا دائمًا بأن الإضاءة خافتة والغرفة واسعة، ثم تقدم لنا الحوار الذي يدور بينهما بشكل أشبه بالاستجواب، ورغم عدم ردها على معظم الأسئلة، فإنك ترى ردها بالكيفية التي كتبت بها سؤال الطبيب. هناك هذه الجملة التي تكررها دائمًا على مدار المسرحية: «أعرف ذاتي، أرى ذاتي»، لتخبرنا بأنها واعية تمامًا لما يحدث، ولحالتها، مدركة أن النهاية قريبة، وأنه لا علاج، عندما يكون الإنسان في أكثر حالاته هشاشة يرى نفسه حقًّا.

قد يهمك أيضًا: هل يعزز الفن أعراض الاكتئاب؟

لا يوجد ما هو أكثر ألمًا من النهاية، وتُشبِّهها كين بالاختفاء والرحيل. لم تستخدم لفظة الموت صراحة مثلما فعلت في البداية. في الخاتمة تودع شخصيات مجهولة، لذلك تودعنا: «راقبني وأنا أختفي، راقبني، راقبني، أختفي، راقب»، واصفة هذا الاختفاء بأنه مقابلة لذاتها الحقيقية «إنها ذاتي التي لم أقابلها قط»، ثم الكلمة الأخيرة في المسرح التي عادة ما تكون «ستار» إعلانًا لإغلاق الستائر وانتهاء المسرحية، تغيرها كين إلى «افتح الستائر من فضلك».

عام 1999، تأخذ سارة كين جرعة زائدة من المنوم الخاص بها أملًا في الانتحار، لكنها تفشل، وتدخل مستشفى الكلية الملكية بلندن، لتشنق نفسها بعدها ببضعة أيام في الحمام، مستخدمةً أربطة حذائها.