النداء الأخير

تجربة شخصية: أستطيع أن أفهم «فيرجينيا وولف»

مصدر الصورة: Wikipedia

إذا كنت تفكر في اﻻنتحار، توجَّه إلى شخص مُقرَّب واطلب منه المساعدة، أو يمكنك زيارة هذا الموقع.


ملاحظة: أُخفيَ الاسم الحقيقي لصاحبة التجربة محافظةً على خصوصيتها.

«لا أستطيع أن أقاوم أكثر من ذلك»، هذا ما كتبته «فيرجينيا وولف» في رسالتها لزوجها، قبل أن تُثقل ثوبها بالحجارة وترمي نفسها في النهر عام 1941. واليوم، بعد 75 عامًا من كلماتها، تقول سارة (30 عامًا) من الكويت: «أستطيع أن أفهم فيرجينيا وولف».

تعتبر «وولف» إحدى أهم الكاتبات والروائيات الإنجليزيات في الأدب النسوي، وواحدة من الرموز الأدبية في القرن العشرين. عاشت عدة صدمات نفسية؛ ابتداءً بوفاة والدتها وأختها، ووالدها بعد ذلك، مرورًا بالحرب العالمية التي عاصرتها، واغتصاب أخيها غير الشقيق لها في طفولتها، وهو ما أدى إلى دخولها في حالة نفسية سيئة ونوع مختلف من الاكتئاب، جعلها تقدم على الانتحار مرات عديدة.

كنت أعتقد أنه لا يمكن لشخصين أن يكونا أكثر سعادة مما كنا، حتى جاء ذلك المرض المريع.

ورغم نشاطها النسوي والعمالي والأدبي، فإن صحتها النفسية لم تكن مستقرة، حتى بعد زواجها من الكاتب الشاب «ليونارد وولف»، الذي أحبها وحرص على مراعاتها ومساندتها في عملها، وحتى بعد أن أنجبت وكوَّنت أسرة، الأمر الذي كان يفترض معه أن تكون سعيدة، لكن حالتها النفسية لم تتحسن.

كتبت «فيرجينيا» ما كان يُطلَق عليه تيار الوعي في الأدب، الذي وضعها في مصاف العظماء من أدباء التاريخ، وأشهر ما كتبت رواية «السيدة دالاوي» و«أورلندو»، وكذلك «الأمواج»، التي صورت فيها انتحار بطلتها بإلقاء نفسها في البحر، كما فعلت هي نفسها بعد ذلك. 

رسالة انتحار فيرجينيا وولف
رسالة «فيرجينيا وولف» لزوجها قبل الانتحار - الصورة: Wikimedia

في رسالة انتحارها كتبت لزوجها:

«حبيبي..

إني على يقين من أنني عدت لجنوني من جديد، أشعر أننا لا يمكن أن نمرُّ بفترة أخرى من هذه الأوقات الرهيبة، وأنا لن أتعافى هذه المرة. بدأت أسمع أصواتًا وفقدت تركيزي؛ لذلك سأفعل ما يبدو أنه أفضل ما يمكن القيام به.

لقد مَنَحتَني أكبر قدر ممكن من السعادة، وكنتَ في كل شيء كل ما يمكن أن يكونه شخص. كنت أعتقد أنه لا يمكن لشخصين أن يكونا أكثر سعادة مما كنا، حتى جاء ذلك المرض المريع. لا أستطيع أن أقاوم أكثر من ذلك، وأنا أعلم أنني أفسد حياتك، وأنك دون وجودي يمكن أن تعمل، أنا واثقة من ذلك، أترى؟ إنني لا أستطيع حتى كتابة هذه الرسالة بشكل صحيح، كما أنني لم أستطع حتى القراءة.

ما أريد قوله هو أني مدينة لك بكل السعادة في حياتي، لقد كنت صبورًا جدًّّا معي، وجيدًا بشكل لا يصدق، أود أن أقول لك ذلك والجميع يعرفه، إذا كان من الممكن أن ينقذني أحد فسيكون أنت، كل شيء ضاع مني إلا يقيني بالخير الذي تحمله. لا أستطيع أن أفسد حياتك أكثر بعد الآن، لا أعتقد أن شخصين كانا من الممكن أن يكونا أكثر سعادة مما كنا نحن».

ليست «فيرجينيا» وحدها، فأنا أيضًا كنت أسمع أصواتًا في رأسي.

هذه الحالة النفسية التي يصل إليها المرء قد لا يعيها كثيرون، ويعتبر الاكتئاب بأنواعه من أكثر أمراض العصر انتشارًا، ومن أشدها فتكًا بالنفس البشرية وتدميرًا للحياة الاجتماعية.

«بدأت أسمع أصواتًا وأفقد تركيزي»

الاكتئاب
الصورة: ryan melaugh

 تحكي سارة تجربتها التي تراها شبيهة بتجربة «فيرجينيا وولف». تقول: «طالما كنت هكذا منذ صغري، لم أدرك أنه مرض إلا حين كبرت وبدأت القراءة بشأن ما أشعر به. ليست فيرجينيا وحدها، فأنا أيضًا كنت أسمع أصواتًا في رأسي منذ الطفولة، كنت أستمع إليها توجهني، تدفعني لأفعال معينة، تحبط من عزمي وتدمر ثقتي بنفسي، تحبني في أحيان كثيرة وتكرهني في أحيان أكثر، إنها أشبه بالحياة داخل ملعب كرة قدم».

تحاول سارة أن تنجو من هذا كله بالتماهي معه؛ فتنظم الفوضى في رأسها، وتحاول أن تحد من قدرة الأصوات على التحكم بقراراتها، والدفع بها لإيذاء نفسها.

لكن المشكلة الكبرى التي تواجهها تكمن في القدرة الضئيلة لديها على التفرقة بين الوهم والحقيقة، وتبين ذلك من خلال موقف تعرضت له. تقول: «آخذ وقتًا طويلًا لإدراك أن أمرًا ما قد حدث في الواقع لا في رأسي. تعرضت مرة لحادث سيارة، وظننت أنها إحدى المرات التي أتخيل فيها الموت بهذه الطريقة. نزلت من المركبة أنظر إلى الرجل الذي صدمني، ظننتني أتخيله، لم أفرِّق بين كونه حقيقيًّا أم خياليًّا إلا بعد وقت».

تستطرد سارة: «قد يظن الآخرون أنها مصيبة، إلا أن للأمر جانبًا حسنًا؛ فإقناع نفسي بأن الألم ليس سوى وهم لا واقع يكون أسهل؛ لأني أكون أبطأ في استيعابه فأتجاوزه بسرعة، أو هكذا أظن».

كانت «فيرجينيا وولف» قد ذكرت سماعها أصواتًا في رأسها وفقدانها التركيز، وهو ما كتبت عنه في رسالتها الأخيرة، كما أنها عانت نوبات حادة من الاكتئاب وصفتها بالجنون، حين قالت في مطلع رسالتها: «إنني عدت لجنوني من جديد»، بالتزامن مع كتابتها الكثير من أعمالها.

اقرأ أيضًا: الطريق إلى الغيمة: كاتب مصري يحكي عن محاولته الانتحار

«لا يمكن لشخصين أن يكونا أكثر سعادة مما كنا»

الاكتئاب
الصورة: Gratisography

«فيرجينيا وولف» التي كان بين يديها جميع أسباب السعادة، التي تملك رجلًا يحبها وكوَّنت عائلة لطيفة ونجاحًا أدبيًّا، كانت تتقلب وجعًا إثر نوبات الاكتئاب الحادة التي تباغتها، وهو ما يؤكد لنا أن أسباب السعادة المتوافرة في محيطك ليست كافية لمقاومة الاكتئاب.

ترى سارة أنها لم تكن استثناء، فلديها أيضًا، كما أخبرتني، عائلة لطيفة وأصدقاء طيبون، وعمل طالما حلمت بالوصول إليه، وشهادات دراسية كما كانت تتمنى، كما لم تواجه مشاكل مالية، لكن هذا لم يكن كافيًا. القلق يكمن في مكان آخر، فأن تكون لك مشكلات وأعداء فهذا يمكن الانتصار عليه، لكن أن تكون أنت مشكلتك وأنت عدوك، هذا ما يصعب أن تتغلب عليه.

إنه السد الذي يقف عنده المرء ويشعر بحد اللاعودة، حين يفقد قدرته على عمل الأشياء التي طالما كان شغوفًا بها.

يظن الكثيرون أن الاكتئاب هو أن تشعر بالحزن، وهذا غير دقيق؛ بل هو مركَّبات من المشاعر السيئة والمحبطة والجامدة. تقول سارة: «في كثير من المرات أظن أن لدي ثقبًا في صدري يمر فيه الهواء ويوجعني، فأسده بيدي وأتكور لتغطيته، وأرغب أن أقضي عمري هكذا لا أتحرك».

وفي جوابها عن سؤال ما إذا كانت نوبات الاكتئاب تواتيها على فترات أم بشكل دائم، تقول إن «الحالة متواصلة بطبيعة الحال، إلا أني أصل الحضيض بين فترة وأخرى. أحرص على ألا أظهر للآخرين ما أبطنه من الصراعات التي تتنامى داخلي، لكنها تظهر في كثير من الأحيان على هيئة غضب وسخط غير مفهوم.أثَّر هذا على علاقاتي الاجتماعية بشكل سيء، صرت أكثر انطواءً، لا أحد سيفهم، لا أحد يملك الحل، أنا في مواجهة هذا وحيدة وسأظل كذلك».

«لم أستطع القراءة»

لماذا لا نستطيع التحدث عن الاكتئاب؟

تقول «فيرجينيا وولف»، الأديبة الكاتبة العظيمة والقارئة النهمة، التي كان لها تقييم خاص لبعض أدباء عصرها وإنتاجاتهم الأدبية، في رسالة انتحارها: «إنني لا أستطيع حتى كتابة هذه الرسالة بشكل صحيح، كما أنني لم أستطع حتى القراءة». إنه الحضيض الذي وصفته سارة بأنه سد يقف عنده المرء ويشعر بحد اللاعودة، حين يفقد قدرته على عمل الأشياء التي لطالما كان شغوفًا بها.

لحظات البهجة كانت مخيفة، والفقد يمتد ليبقر بطني ويمضغ كبدي حية.

يقول اختصاصي علم النفس «أندرو سولومون» إن «عكس الاكتئاب ليس السعادة بل الحيوية، وعندما يكون الشخص مصابًا باكتئاب حاد فإن ما يفقده هو الحيوية، الرغبة في العيش، الطاقة لفعل الأشياء ، ما يفقده هو القدرة على الانخراط في مشاغل الحياة، وليس مجرد شعوره بالحزن الشديد، ذلك الحزن الذي يمر به الشخص جراء الفقد والكمد».

يضيف «سولومون»: «توجد علاقة معقدة بين المرض والشخصية؛ فهناك أشخاص يعانون من اكتئاب حاد لكنهم يستطيعون بطريقة ما الاحتفاظ بمظهر أفضل، في حين أن آخرين لا يستطيعون أن يفعلوا، لكن حقيقة أن الشخص فعَّال في أثناء الاكتئاب لا تعني أن اكتئابه غير حاد».

قد يعجبك أيضًا: حكايات الاضطراب الوجداني ثنائي القطب

«كل شيء ضاع مني»

خبر موت فيرجينيا وولف
خبر موت «فيرجينيا وولف» - الصورة: papermemoriesplus

دوامة الضياع التي وصفتها «وولف» لم تكن بعيدة عن سارة، التي تقول: «إحساس التيه الملازم لي أفقدني الشعور بالأشياء التي كانت في يوم ما تسرني، أفتقد الدهشة كثيرًا، أفتقد اللذة والمتعة واستطعام الأشياء. إن أقصى ما أستطيع الوصول إليه هو لحظات قليلة من البهجة المؤقتة».

في كثير من الأحيان تشعر الفتاة الكويتية بأنها لا تعرف ما تريد ولا حتى ما يحدث. تضيف: «مررت بأزمات عاطفية أصابتني بالشلل، كانت القشة التي قصمتني، ظننت أن الارتباط العاطفي قد يساعدني على مساعدة نفسي، إلا أنه أدخلني في دوامة أخرى من الخوف والقلق والوجع، حتى لحظات البهجة كانت مخيفة، والفقد يمتد ليبقر بطني ويمضغ كبدي حية».

لم تتوجه سارة لأي معالج نفسي لمساعدتها على تجاوز حالتها، رغم مرورها بنوبات دفعتها لحافة الانتحار، تضيف: «حاولت الذهاب وتوقفت بسبب بعض الظروف، كلما نويت تراجعت، لا أدري لماذا، لدي صعوبة كبيرة في اتخاذ قرار حاسم، حتى في الانتحار لم أتمكن من اتخاذ هذا القرار».

تقول سارة إن «فيرجينيا» شعرت بأنها لا يمكنها أن تكمل حين قالت: «لا يمكن أن أقاوم أكثر»، أما هي فلديها خوف من الفشل بقدر كل الخوف الموجود في العالم، كما أن عدم مواجهة نفسها هو فشل لا تطيقه: «ما زلت بوعي كافٍ كي أكمل هذه الحياة، أظن أنه ما زال هناك متسع لي هنا».

أثقلت الكاتبة الإنجليزية الراحلة جيوبها بالحجارة لترمي نفسها في النهر، لكن سارة روحها مثقلة و«الحجارة تضغط على قفصي الصدري مذ جئت إلى هذه الدنيا؛ لهذا أستطيع أن أفهم فيرجينيا وولف».

تذكر الإحصاءات أن الاكتئاب يصيب 121 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. إذا ما كنتَ واحدًا منهم؛ تذكر دائمًا أن الحلول موجودة وأنك لست وحدك. لا تتردد في طلب المساعدة ولا تخشى أحكام الآخرين، وتأكد من أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

هذا الموضوع جزء من ملف منشور عن الانتحار، لقراءة موضوعات أخرى في الملف، اضغط هنا.

, , , ,