الشاشة

سينما الأقاليم الهندية: الهروب من «الأفورة»

لقطة من الفيلم الهندي Gunday - الصورة: Yash Raj Films

بوليوود، السينما التي استحوذت على اهتمام العالم، لطرافة الكثير مما تنتجه أولا ولتعبيرها عن ثقافة هائلة متسعة لبلد المليار نسمة ثانيا.

ورغم أن الهند دولة تتحدث مئات اللغات، فقد اعتمدت على  اللغة الأردية في الأفلام خصوصا في البدايات، ولذلك كان من يتحدث بها هو الأكثر مهارة وطلبًا للعمل.

لكن خارج الصورة البراقة لسينما بوليوود باذخة الألوان، هناك تجارب سينمائية تحاول أن تجد لنفسها مكانا ومتنفسا للتجريب، وأيضا خارج الاعتماد على اللغة الأردية كلغة حتمية للفيلم الهندي، لتظهر مراكز صناعة سينما أخرى تسمى «سينما الأقاليم» يُنسب كل مركز فيها إلى المدينة التي خرج منها؛ مثل «كولكاتا» في الشرق، و«شينايّ»، و«حيدر آباد»، و«بانغالور» في الجنوب.

وبمنطق رؤوس الأموال المُستثمرة في الصناعة السينمائية، والتردد على دور السينما، فإنّ هذه المدن تُحقق إيراداتٍ أكثر بكثيرٍ من بوليوود. إذ تُعتبر سينمات الجنوب في مرحلةٍ متقدمة كثيراً بالمُقارنة مع بوليوود، لكنها لم تغزُ - بعد - السوق العالمية لمعرفة تجربتها على النحو الأمثل.

سينما الأقاليم: عدسات مغايرة

حوار مع المخرج الهندي «آدور غوبالا كريشنان »

أصدرت حكومة ولاية تاميل نادو  الهندية أمرا بالإعفاء الضريبي للأفلام ذات الأسماء التاميلية، ثم اشترطت وجود شهادة من الرقابة الهندية.

تنمو سينما الأقاليم في الهند بشكل كبير وتتخذ منهجا جديا في تقديم سينما تعبر عن الواقع، فالهند تتحدث أكثر من 24 لغة محلية.

بدأت السينما الإقليمية في كلكتا في 1916. ثم انتقلت إلى سائر الولايات. يقول الأستاذ عبد الله العلوي في مقال كتبه في الذكرى 103 لتأسيس صناعة السينما الهندية إن هذه الولايات هي التي جعلت السينما الهندية تنتج ما يصل إلى 1000 فيلم روائي في السنة. أما سينما بومباي (بوليوود) فتنتج سنويا ما بين 100 إلى 200 فيلم.

سينما التيلجو على سبيل المثال توفر الصور الأكثر ابتكارا، وخاصة مشاهد القتال التي تهتم بتقنيات الخدع البصرية في أفلامها المعروضة وظهر هذا في فيلم  Neninthe وفيلم الدراما القصير  Aa Gang Repu ولم تغفل المنتج الرومانسي مثل فيلم Ososi Rakasi .

تعد اللغة تحديا أمام سينما الأقاليم التي لا تعرف طريقها إلى القاعات السينمائية على مستوى العالم، إلا عند المهرجانات وفي نطاق محدود مثل فيلم آدور غوبالا كريشنان «مصيدة الجرذ» عن عزلة الفرد ووصف بأنه «الفيلم الأكثر ابتكاراً وخيالاً» من جانب المعهد البريطاني للفيلم الذي منحه جائزته عام 1982.

آدور غوبالا كريشنان الذي يعتبر أبرز صناع السينما باللغة المالايالامية، وفيلمه الأول «سوايام فارام» (1973) الذي تناول أزمة الطبقة الوسطى وخياراتها الاجتماعية في ولاية كيرالا ينظر إليه باعتباره عماد هذه السينما.

يقول كريشنان عن تجربته: أفلامي تعرض هنا في كيرالا، وعلى الصعيد الوطني هي توزع في الهند، ولكن فقط في المدن الكبرى. فاللغة هي الحاجز الأول (المالايالام تحكى فقط في كيرالا). وأفلامي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكيرالا، أما بقية الأفلام فلا ترتبط بأي مكان. ويضيف: مخرجون كثر ينجزون أفلاماً هنا (كيرالا)، البعض منها متطور، لكن لا تمويل ولا توزيع ولا جمهور أيضاً.

ثم هناك السينما بلغة التاميل، وهي مثل المالايالامية والتيلجو مجتمعة، لديها مشاهد من الأفلام التيلجو، جنبا إلى جنب مع الشخصيات والنصوص من الأفلام المالايالامية، مثل فيلم Sivaji The Boss، وعلى رأسه النجم الأشهر «راجينيكانت»، واحدٌ من الأفلام التاميلة المُكلفة، حقق على المستوى العالمي إيراداتٍ غير متوقعة وصُنف من بين الأفلام العشرة الأولى في بريطانيا.

وقد كانت حكومة ولاية تاميل نادو (إحدى ولايات الهند) أصدرت في العام 2006، أمرا بالإعفاء الكامل من ضريبة الترفيه للأفلام ذات الأسماء التاميلية. لكن الحكومة - في عام 2011 - جعلت الوضع أكثر صرامة فلم تكتف بأن يكون اسم الفيلم تاميليا ولكن يجب أيضا أن يحصل على شهادة من الرقابة.

اقرأ أيضًا: السينما الكويتية تكافح ضد محاذير الرقابة

غير أن هذا الدعم الحكومي لم يدم طويًلا وألغي القرار لتطبق ضريبة على الأفلام وصلت إلى 28% مهما كان اسم الفيلم وتنفذ ابتداءً من يوم 1 يوليو 2017. إذ يبدو أن الحكومة قد رأت أنه لا حاجة للإعفاء الضريبي ومنح حرية أكثر لاختيار الأسماء بأي لغة كانت، ما جعل الكثيرين من صناع الأفلام الإقليمية يختارون أسماء باللغة الإنجليزية لمشاريعهم، لجذب الجمهور غير الناطق بلغتهم في جميع أنحاء الهند وخارجها.

سينما أكثر واقعية وبلاتوهات متفائلة

مشهد من الفيلم الهندي «Mr. and Mrs. Iyer» 

بدأ الشباب في عمليات إنتاج موسعة للأفلام وطرحها على الفضاء الإلكتروني غير مقيدين بشروط بوليوود وتمويلها الضخم ومعداتها باهظة الثمن. فيقول أحد أبرز المنتجين الجدد P. Madan «إنه نهاية عصر وبداية عصر جديد، فلم يعد يهمنا الحصول على مزايا ضريبية ودعم حكومي، ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعية، عنوان جيد يعني مزيدا من الأرباح للفيلم».

صناع الأفلام الأصغر سنا عمدوا إلى ربط أكثر مع عنوان أفلام باللغة الإنجليزية، لكسب نطاق أوسع بين الجماهير العالمية. ومن الأمثلة الحديثة على هذا النهج الجديد كان فيلم Lens الذي أُنتج في العام 2015، ولفتت الانتباه في بيئات مختلفة الثقافات.

يرى البعض أن اتجاه بوليوود لمحاكاة هزلية لهوليوود سيجعلهم يخسرون كل شيء.

ما لفت أنظار شركات واستوديوهات كبيرة مثل إيروس وفوكس ستار، فبدأت الدخول في مجال صناعة السينما الإقليمية ذات التكلفة المنخفضة، والبحث عن سبل للإيرادات حيث صناعتها السينمائية تصل إلى شمال الهند وكذلك السوق الدولية.

ولعل من ألمع التجارب التاريخية للسينما الإقليمية في الهند، وتعتبر نموذجا يحتذى به، تجارب المخرج العالمي «ساتياجيت راي - (1921 - 1992)» الذي تمسك بإخراج أفلامه باللغة البنغالية، حيث تتذكره الممثلة الكبيرة ديبا ميهتا  قائلة: «الخبر السار هو أن السينما الهندية البديلة بدأت الآن تزدهر، فنحن نأتي من بلد ساتياجيت راي، الذي أخذ حقا السينما إلى بعد آخر. ففي الآونة الأخيرة كان هناك بعض المخرجين الشباب يستحقون المتابعة والاهتمام وهذا أمر يدعو للتفاؤل».

قد يعجبك أيضًا: 4 مخرجين بمثابة مدارس سينمائية مستقلة

يقول فيرما، وهو كاتب سيناريو شاب: «أرى أشياء مختلفة في المستقبل.. مشكلتي الأكبر التي نشأت مع بوليوود هي مشاهدة الكثير من الأفلام الهندية ذات مواضيع ومواقف لم أكن أجدها في الواقع .. فيلمي دلهي بيلي، عبارة عن خليط من الفكاهة والجريمة.. طموحه كان في عرض شخصيات أكثر واقعية على الشاشة. باعتباره ردة فعل ضد اصطناعية بوليوود. ما اعتبره امتدادا لأفلام راي التي تحفظ الانتماء إلى إيقاع حياة الناس، حيث التعبير عن شعور أعمق بالواقع الهندي».

دخلت السينما الهندية إذًا في مرحلة ملحة لرفع شعار تيار واقعي يستطيع الحفاظ على هوية هندية تقدم نفسها للعالم، حيث يرى البعض أن اتجاه بوليوود لمحاكاة هزلية لهوليوود سيجعلهم يخسرون كل شيء.

على الرغم من الخطوات الواعدة والطموحات الكبيرة، فإن انتقادات وُجهت إلى سينما الأقاليم، مثل ما نشرته الجارديان عن استمرار السينما التاميلية بالاعتماد على فكر المطاردات باعتباره فعلا رومانسيا للفوز بقلب البطلة ونشرت عريضة للناشطة Iswarya V تطلب من المخرجين والجهات الفاعلة المشاركة في صناعة السينما التاميلية الامتناع عن إنتاج أو الظهور في الأفلام التي تصور العنف والمطاردات بأنها «وسيلة مرحة ومقبولة لجذب امرأة».

وترى Iswarya «أن الأمر ثقافي حيث هناك العديد من المناطق في تاميل نادو لا تملك تربية جنسية، وهناك الكثير من القيود حول التفاعل بين الرجال والنساء ولهذا يضطر الأولاد إلى اللجوء إلى وسائل الإعلام الشعبية لمحاولة فهم كيفية التفاعل مع النساء».

وتتولى Iswarya وناشطون آخرون الاتصال بالكليات للمساعدة في تنظيم فصول للتوعية الجنسانية، إذ ترى أن تغيير المواقف القديمة تجاه الرجل والمرأة مهمة كبيرة، بيدَ أن إعادة صياغة فكر بوليوود (السينما التاميلية) المحبوبة هى «أول خطوة لتنشئة طفل فى الاتجاه الصحيح».

قد يهمك أيضًا: «التانترا» الهندية ستغير مفهومنا عن الجنس

مأخذ آخر ذكره المخرج فيروز عباس خان، مُفاده أن «هناك سينما تحتاج إلى إبراز مخاوفها بشأن ما يحدث في المجتمع، إذ يبدو أن هناك بعض القضايا شديدة الأهمية التي تواجهها البلاد فعلا، وهذه القضايا لا تناقش».

إلا أن هذا بدأ يتحقق في العقود الأخيرة بشكل مكثف، مثل فيلم المظلة الزرقاء (2007 ) للمخرج فيشال بهاردواج تناول نقدا مهما وخفيا للنمو الرأسمالي في الهند، وهو فيلم مقتبس عن رواية روسكين بوند. وفيلم بيبلي لايف التي يبرز مشكلات الريف من انتحار الفلاحين من وطأة العمل وتأثير وسائل الإعلام عليهم (2010 ).

وفيلم (2002 Mr. and Mrs. Iyer) الذي يناقش التعايش بين الأديان في الهند وخصوصًا الإسلام والهندوسية. يقول المخرج الشاب ماخيجا: «إذا بدأنا الآن في تصنيع سينما أكثر واقعية وإثارة للاهتمام فإن الأذواق ستتغير».

صراع للأفضل

الناقد الهندي «مايانك شيخار» يشرح أسباب فشل بوليوود في تقديم سينما أكثر واقعية

هناك أسباب تدعو إلى الأمل. حيث بدأ الكل بالتفاؤل حول دعم سينما واعية بديلة في الهند بسبب ازدهار طبقة متوسطة تريد تقديم الواقع الحقيقي وليس مجرد فلكلور، مما وفر بعض سبل التمويل والاهتمام بدور السينما، إلا أن الدعم المالي وتوفير المنتجين لا يزال يشكل تحديا. وهذا ينطبق بالتأكيد على الأفلام غير الخيالية التي تعالج المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الملحة.

من الواضح أنه سيكون هناك صراع للسينمائيين الهنود وهم يحاولون المضي قدما والابتعاد عن نفوذ بوليوود الميلودرامية في السنوات القليلة المقبلة، ولكن النتيجة النهائية ستكون ثراء الشاشة الهندية من أفضل ما أنتجته الهند من قبل.


هذا الموضوع نتاج فكرة اقترحها أحد قرَّاء «منشور»، وعمل مع محرري الموقع على تطويرها، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.

, , ,