الثورة والثوار

أكثر من مجرد فيلم: 4 مخرجين بمثابة مدارس سينمائية مستقلة

مشهد من فيلم (A Pigeon Sat on a Branch Reflecting on Existence) - الصورة: Roy Andersson Filmproduktion AB

هذا الموضوع ضمن ملف «الثورة والثوار». لقراءة موضوعات أخرى في الملف اضغط هنا.


في هذا العالَم نوعان من صانعي الأفلام؛ مخرجون لديهم المَلَكة، وآخرون ليس لديهم فكرة عمَّا يفعلونه. تعُجُّ سينمات العالَم بمئات الأفلام لمئات المخرجين من كلتا الفئتين، أما أن يظهر صانع أفلام لا يعرف فحسب كيف يسرد الحكاية، بل يسردها كما لم يفعل أحد من قبل، فهذا هو ما يستحق الاحتفاء.

نعرض هنا تناولًا أوَّليًّا لأربعة من أكثر مخرجي العالَم اختلافًا، بما يجعل منهم مدارس سينمائية مستقلَّة، تناوُلًا لا يستفيض في عالَم كلٍّ منهم السينمائي، بل يفتح الباب بما يسمح باستكشاف أهمِّ مظاهر هذا العالَم.

لارس فون ترير: كُلْ ما يصعب ابتلاعه

المخرج الدنماركي لارس فون ترير
الصورة: Target Presse Agentur Gmbh

ليس مُهِمًّا ما سترويه، بل كيف سترويه. قد يكون هذا بالتحديد هو التعريف الأدقُّ لأفلام «لارس فون ترير» (Lars von Trier) السينمائية، فمن الصعب حشرِهِ داخل إطار فني أو مدرسة سينمائية بعينها، خصوصًا مع تحرُّره من كل القوالب النمطية لسرد الحكاية، في مقابل انحيازه إلى لغة الصورة وقوَّتها في نقل المشاعر الإنسانية.

«ﻻرس فون ترير» يعرف جيدًا أن كل حكاية تختلف عن الأخرى، فلا تجده يعتمد حركة كاميرا مميزة في كل أعماله كما في أفلام «بول توماس أندرسون» (Paul Thomas Anderson)، أو يعتمد ألوانًا مشبَّعة وصورة سيمترية كما في أفلام «ويس أندرسون» (Wes Anderson). في المقابل، يتحرر من كل الثيمات ويلجأ إلى استفزازك كبصمة مميزة له.

يلجأ «فون ترير» إلى حركة الكاميرا لسرد فجاجة اصطدامنا بالواقع.

يستخدم أنسب طريقة لسرد الفيلم في كل مرة، فتخرج كل حكاية بإيقاع ولغة بصرية ونمط مميز لها وحدها، ومختلف عن سابقاتها. فمثلًا في فيلم (Nymphomaniac)، الذي يدور في الأساس حول الشبق الجنسي، يقدِّم لك «فون ترير» فيلمًا أقرب في طبيعته السردية إلى أفلام «ناشيونال جيوغرافيك» الوثائقية عن عالَم الحيوان.

يقسم لك المخرج الشاشة بين حكاية البطلة ومشاهد حقيقية لمطاردات الفرائس في الأدغال، كما لو أنه يشرح مقارنة عملية بين الحياتين، لأنه يتعرض للغريزة الأقرب لطبيعتنا الحيوانية، مِن ثَمَّ فلا بد من تقديم فيلم يشبهها، حيواني، غريزي بحت، توثيقي بقدر ما، دون حاجة إلى أي تجميل أو أَنْسَنة.

في أفلامه، لا يتوقف الأمر عند تَمكُّنه من التعبير عن إحساسنا بالعالَم، لكن يجيد أيضًا إيضاح أن العالَم الحقيقي لا يشبه بالضرورة فكرتنا عنه. ينقل هذا بفجاجة، دون أي رحمة بشخصياته، أو بنا كمشاهدين. مثلًا في فيلمه (Dancer in the Dark)، يحكي عن «سيلما» المهاجرة التشيكية التي تطرق أبواب أمريكا متوقعة منها حياة برَّاقة كالتي تراها في أفلام هوليوود، إلا أنها تكتشف أن الواقع أكثر قبحًا.

يلجأ «فون ترير» إلى حركة الكاميرا لسرد فجاجة اصطدامنا بالواقع، فتتنوع مشاهد الفيلم بين حركة كاميرا مهتزة مضطربة، أقرب لآلية التصوير المنزلي المرتبك في بعض المشاهد، يسرد لنا فون ترير من خلالها الشكل القبيح للحياة التي تُضطرُّ «سيلما» إلى معايشتها في أمريكا، وحركة كاميرا أكثر ثباتًا وثقة في مشاهد أخرى، نرى فيها الشكل البرَّاق للحياة التي تَمنَّت «سيلما» أن تجدها في مدينتها الجديدة.

مشهد من فيلم (Dogville)

يبرع «لارس» في تصوير المشاعر الإنسانية، فلمَّا أحبَّ تناول شعور «العُزلة» من خلال التعرض لحياة سكان قرية صغيرة في فيلم (Dogville)، لم يفكر في بناء قرية ريفية يصوِّر فيها أحداث فيلمه، بل أجَّر استوديو خاوٍيًا تمامًا، وباستخدام الطباشير رسم قريته على الأرض، بحدودها ومعالَمها وشوارعها، ووضع أبطال فيلمه/سكان قريته، كلٌّ في مساحته المتخيلة دون وجود جدران أو أشجار تفصل بينهم، كما لو أنهم مجموعة فئران في صندوق تجارب، جمعهم «فون ترير» في موقع تصوير واحد ليسرد حكايته عن قريته المتخيَّلة وسكانها.

يجعلك المخرج ترى كلًّا منهم في عُزلة عن غيره رغم أن لا أحد منهم بمفرده تمامًا، كلهم متقاربون، وكلهم في وحدة تامَّة في نفس الوقت. فعل كل هذا دون أن يخشى أن يتخذ الفيلم طابعًا مسرحيًّا، لأنه يفضِّل التجريبي على السهل، ويحب تحدِّي العالَم من خلال تحدِّيه لنفسه.

قال له أحد معجبيه ذات مرة: «أحيانًا أشعر أنك تتلاعب بالمشاهدين، فما شعورك تجاه ذلك؟»، أجابه «فون ترير»: «شعور رائع». إجابته تلك ربما تلخِّص طبيعة أفلامه الاستفزازية التي تتعمَّد إثارة غيظ المشاهد.

لا يطمح «فون ترير» في تقديم فيلم يثير إعجابك، بل يحب تقديم أفلام تثير حفيظتك. أفلامه أقرب إلى قالب طوب أسفل وسادتك، مزعجة تمامًا ومشاهدتها ليست أفضل ما تقدِّمه لنفسك، فهو لا يسعى لتقديم وجبة شهية تمتعك، بل يقدِّم لك في كل مرة وجبة حارقة يصعب ابتلاعها وهضمها، ربما لأنه يعرف أن الحياة نفسها صعبة الهضم.

اقرأ أيضًا: الزمن الذي يهزم «سبيلبرغ».. الزمن الذي يقاومه «كورسيزي»

رُوي أندرسون: لا شيء أصعب من أن تكون إنسانًا

المخرج روي أندرسون
الصورة: Magnus Fröderberg

تكوينات بصرية مستوحاة من لوحات «بروغيل الأكبر» (Pieter Bruegel the Elder)، مشاهد طويلة تحاول منح كل شخصية مساحة متساوية من الانتباه، وجوه شاحبة دومًا مستوحاة من المسرح الياباني.

الصفات الثلاث السابقة هي أهمُّ ما يميز سينما المخرج السويدي «روي أندرسون» (Roy Andersson)، الذي يصنِّفه النقاد كأكثر أصوات السينما السويدية استقلالًا وتميُّزًا، ليس فقط على مستوى الأصالة، ولكن على مستوى التنفيذ التقني أيضًا، إذ يبني مواقع تصوير أفلامه من الصفر، مشهدًا تلو آخَر، ربما لهذا لم يُنتج في حياته أكثر من خمسة أفلام، لأن كل مشهد يستغرق في بنائه أسابيع، وأحيانًا أشهُرًا.

يصنع «روي أندرسون» سينما عمَّا يكره وجوده، الإذلال والعنف وسخرية الوجود الإنساني الهش، يقاوم ما يكرهه بإبرازه. ثلاثيته عن الحياة التي بدأت عام 2000 تُسائل معنى أن تكون إنسانًا، ماهية الوجود البشري، ومدى صعوبته.

يقدِّم مَشاهِدَ مكثَّفة كاملة تُسائل الواقع بشكل مجرَّد، ويلجأ إلى طمس ملامح شخصياته بإكسابها هالةً شاحبة تأثُّرًا بالمسرح الياباني، ربما لاعتقاده أن الممثِّل يتوقف عن التمثيل لحظة احتجابه عن الجمهور. لسبب مثل هذا أيضًا لا يخشى الاعتماد على ممثلين غير محترفين في أفلامه؛ معظم ممثلي فيلمه الأخير (A Pigeon Sat on a Branch Reflecting on Existence)، الذي استوحاه بأكلمه من لوحة فنية رسمها «بروغيل الابن»، كانوا يجرِّبون الوقوف أمام الكاميرا للمرة الأولى، فالانهزام لا يحتاج إلى دروس تمثيل احترافية لتجسيده.

في أفلام «روي أندرسون» لا توجد حبكة، فهو لا يحاول أن يقصَّ عليك قصة واضحة. في المقابل، توجد فكرة وسيناريو غير مكتمل، وحكاية تؤسِّس لظهورها خلال عملية التصوير نفسها. يستلهم أحداث أفلامه من اللوحات والتاريخ والأدب وذكرياته الشخصية، ثم ينثر كل هذا في هيئة مشاهد فنية طويلة متتالية، كل مشهد حكاية بلا بداية ولا نهاية، وتأكله الغيرة من الفنانين التشكيليين لعجزه عن الرسم، فيحاول محاكاتهم من خلال أفلامه.

مشهد من فيلم (A Pigeon Sat on a Branch Reflecting on Existence)

في أفلام «روي أندرسون» يُصاب الشعراء بالجنون، ويُلقِي القساوسة فتاة من فوق الجبل لوقف تدهُور الاقتصاد العالمي.

يعتمد «روي أندرسون» الكاميرا الثابتة في التصوير، لا تتحرك أبدًا، ويصوِّر كل مشاهده من نفس الزاوية دون أي تغيير، لا يريد منك التورُّط في مَشَاهده، يريد منك فقط تأمُّلها من الخارج، كأنه يريد أن يخلق لوحة فنية يتسمَّر أمامها المُشاهِد ساعات، مثلما يفعلون مع اللوحات المرسومة التي لا تسمح لك بالتحرك داخلها. لذا فأفلامه أقرب إلى لوحة فنية منها إلى السينما، عدا أنها ثلاثية الأبعاد ويتمتع أبطالها بالحركة.

في أحد المشاهد في فيلم «حمامة تقف على فرع شجرة تتأمل الوجود»، يسقط رجل على أرضية المطعم دون حراك. يستمَّر الأمر لفترة حتى يدرك النادل موته، يصمت الجميع، فيسأل النادل: «هل يريد أي منكم وجبته؟»، يصمت الجميع مرة أخرى، ثم ترتفع يد أحدهم تطالب بالوجبة المدفوع حسابها. هكذا هي الحياة من وجهة نظر «أندرسون»، وهكذا ينقلها لنا عبر مجموعة من المَشَاهد المبعثَرة، لأشخاص عديدين لا تجمعهم أيُّ علاقة واضحة في الفيلم، غير أنهم جميعًا يتعرضون لنفس السخرية اللاذعة تحت وطأة العيش.

في أفلامه يُصاب الشعراء بالجنون، يُلقِي القساوسة بفتاة من فوق الجبل من أجل وقف تدهُور الاقتصاد في العالَم، يُقتاد العُمَّال إلى المحاكم بتهمة تكسير الأطباق لأنها صينية أصلية، يُلقِي البائع الذي لم يشترِ أحد بضاعته بتمثال للمسيح خارج متجره صائحًا: «لقد راهنت بكل شيء على شخص فاشل»، ويكوِّمه في القمامة، ويموت الأزواج على أرضية المطبخ والزوجاتُ منسجماتٌ مع النغمات الصادرة من الراديو.

مع ذلك، تُصَنَّف أفلام «روي أندرسون» من النوع الكوميدي، فهو يحب النبرة الساخرة، ليست السخرية التي تثير ضحكك، بل السخرية المُرَّة، التي تَعلَق داخل حلقك طويلًا بشكل يصعب معه ابتلاعها، أو حتى لفظها إلى الخارج.

يتحول الألم في أفلامه إلى نكتة مضحكة، ويتحول الشقاء إلى مجموعة من الاسكتشات، كل منها يحكي عن شخص جديد تهزمه الحياة بشكل أو بآخر، وهو ما يفسر غياب البطولة الرئيسية عن أفلامه، فعندما يتعلق الأمر بالهزيمة، كلنا حقًّا نصبح أبطالًا، لأن الخسارة هي الحِرفة الوحيدة التي نجيدها جميعًا، ولأن الحياة في قسوة أن لا يشكِّل موتك شيئًا للعالَم سوى وجبة مجَّانية تخصُّك، سينتهز أحدهم الفرصة ليطالب بها.

ديفيد لينش: هل استمعت من قبل إلى صوت أحلامك؟

المخرج ديفيد لينش
الصورة: Parzanka

هل سبق لك أن مررت بيوم شاق مُفعَم بالتفاصيل، وما إن ذهبت إلى فراشك حتى عشت اليوم مجدَّدًا في الحلم ولكن بشكل أكثر تداخُل وعشوائية، كما لو أن أحدهم استعمل مقصَّ الأظافر لفصل الأحداث وإعادة ترتيبها بعشوائية؟ هذا هو بالتحديد ما يحدث داخل أفلام المخرج الأمريكي «ديفيد لينش» (David Lynch).

يقول المخرج الإيطالي «فريدريكو فيلليني» (Federico Fellini) إن الأحلام هي الحقيقة الوحيدة، و«لينش» يعي ذلك جيدًا، أفلامه أقرب إلى سقوطك داخل حلم أحدهم، حلمك أنت، تشعر معها بالألفة، إلا أنها أُلفة لا تخلو من غرابة. تعرف المَشاهِد والمشاعر التي تنقلها إليك ولا تكاد تميزها، نوع من «الاغتراب المألوف» إذا جاز التعبير.

يغترف «لينش» أحلامه من اللا وعي، ولا يعبأ بالسياق، فهو يريد الحفاظ على الطبيعة المضطربة للا وعي، المصدر الذي يلهمه أفلامه. لذا، لا تحتفظ أفلامه بخَطٍّ سردي منتظم للأحداث، بل يعتمد أسلوب السرد الروائي غير المنتظم (Nonlinear Narrative)؛ لأنه يصنع عوالم حالمة، لا بالتعريف الرقيق للكلمة، بل بالمعنى الصاخب المرتبك الذي يصيبك بالدوار.

ولعه باللا وعي وما يمكن للأحلام أن تكشفه عن النفس البشرية يمتزج مع شغفه بالصوت وإدراكه أهمِّيته في سرد الحكاية (وهو مؤلِّف موسيقى قبل أن يكون صانع أفلام)، فيرسم بورتريهات النفوس البشرية وتخبُّطها بوضوح، وبشكل يخاطب المشاهد ويعود به إلى المشاعر الأساسية، دومًا المشاعر الأساسية؛ السعادة، الحزن، الغضب، الخوف...

مشهد المصنع من فيلم (Eraserhead)

يهتمُّ «لينش» بالصوت لا الموسيقى، لأن الصوت بالنسبة إليه أكثر اتساعًا من الموسيقى والألحان، فيشمل الضجيج أيضًا. في أفلامه دائمًا ستسمع هذا الضجيج طوال الوقت، حتى في المشاهد الصامتة كلِّيًّا، فهو يحب استخدام صوت أماكن مزعجًا في مشاهده لإضافة خشونة تليق بضوضاء الأحلام.

يَبرُز هذا في فيلمه الأول على الإطلاق (Eraserhead) عام 1977. ففي فيلم يدور في الأساس عن العُزلة ومدى قابليتها لدفعنا نحو حافة الجنون، من خلال التعرُّض لحياة «هنري» المحاصَر بالأصوات؛ آلات المصانع وجدال صديقته وصراخ طفله حديث الولادة، والمحاوِل عبثًا الإفلات منها، يصمِّم «لينش» شريطًا صوتيًّا معبَّأً بالضجة، عن طريق الاستخدام المكثَّف لأصوات آلات المصانع، وبتداخُل نجح في خلق سحابة صوتية مزعجة تحيط بـ«هنري» طوال أحداث الفيلم تقريبًا، كأنه مُحاصَر داخل فقاعة صوتيَّة تعزله وتدفعه إلى الجنون.

أي مخرج آخر كان سيلجأ إلى المباشَرة لسرد حكايته، ولكن «ديفيد لينش» يستخدم الصوت، أكثر الأحاسيس أُلفة للإنسان، ليخلق حِسَّ الاغتراب.

ليس ما يجذبه الأبيض أو الأسود، بل الرماديات، لذا يصوِّر شخصياته دومًا في منتصف شكل من أشكال الأضطراب النفسي، غالبًا يتركهم في حالة من الارتباك والعزلة. أفلام مثل (Lost Highway) و(Inland Empire) (Blue Velvet) تقدم شخصيات رمادية عالقة في مرحلة من عدم اليقين العام، يعرفون قطعة البازل الناقصة ولكن لا يعرفون كيف يجدونها.

يتركهم «لينش» ولا يحاول مساعدتهم، فلا تنتهي أفلامه نهايات سعيدة؛ بل تكون أشبه بالاستيقاظ من حلم طويل شديد التعقيد يصعِّب مهمة سرده على رفاقك، تمامًا مثلما يصعِّب تصنيف أفلام «ديفيد لينش» نفسه رغم سهولة التعرُّف عليها، مِمَّا أدَّى إلى أن يصير هو نفسه مدرسة سينمائية مكتملة الأركان، يدعونها «اللينشية».

قد يعجبك أيضًا: «يواكيم تريه»: ما الذي سيبقى بعد نهاية كل هذا؟

رأفت الميهي: الهزل لإضفاء جديَّة على الواقع

المخرج رأفت الميهي

هنا لا توجد سينما مميزة بصريًّا ولا توظيف لشريط صوت أو بناء لمواقع تصوير من الصفر، يوجد فقط كاتب سيناريو، وشخصيات تخرج من الصفحات لتكتسب بعدًا ثالثًا. فهو، حسب تصريحه مرارًا في لقاءات صحفية مختلفة، لا يُخرِج أفلامًا بل يكتب السيناريو ثم يصوِّره. يصنع حكايات مصرية تمامًا من قلب المجتمع، ولكنها خارجة عن النمط السائد، كما لو أنها تكتسب أجنحة وتحلِّق بعيدًا إلى مناطق أخرى.

صحيح أن كثيرين سبقوه إليها، إلا أن أيًّا منهم لم يفكر في ارتيادها بنفس الكيفية التي فعلها بها الميهي، من خلال اعتماده على التجريب والفانتازيا والهزل.

لا يحاول الميهي الاشتباك مع الكبار، وإن اشتبكوا هم معه ووجَّهوا له تهمة مثل إهانة القضاء.

لا تتَّسم أفلامه بالطابع الإصلاحي؛ بل بالتفكيك، تعتمد الهزل والسخرية لتفكيك المجتمع وإعادة ترتيبه، إلى منطقته ربما. فالميهي، مثل «حسن سبانخ» بطل فيلمه «الأفوكاتو»، يرى أن «الحياة مُقرِفة، ولو رفضتها علشان مُقرِفة هتبقى مُقرِفة أكتر». يحاول تفكيك المجتمع وفهمه، لا لإيجاد حل لمشكلاته بل لقبولها، فلا يتطرق إلى التابوهات بهدف «فضح» المجتمع، وانما لتعريته، والتعرية لا تعني بالضرورة أن ما سيُكشف عنه شائن أو يستدعي الفضيحة.

مشهد من فيلم «الأفوكاتو»

منهج الميهي هو التجريب، بدءًا من تجرِبة تصوير أفلامه بنفسه، وصولًا إلى طبيعة تلك الأفلام. يعامِل المجتمع كحقل اختبار، يبدِّل هذا مكان ذاك وينتظر ليرى النتيجة. يبدِّل بالرجل المرأة في فيلم «سيداتي آنساتي»، عندما تقرر الزوجة إجراء عملية تحويل جنس، لنصبح أمام أسرة مكوَّنة من زوجين من الآباء، ويبدِّلها مرة أخرى في فيلم «السادة الرجال»، فيجتمع الطليق والزوج في معيشة مشتركة تحت سقف واحد.

يفكِّك منظومة الزواج بشكلها الاجتماعي في فيلم «تفاحة»، ويستدعي مشهد سحل «محمد أبو سويلم» من فيلم «الأرض»، ويعيد تقديمه بشكل لا يتماشى مع السياق الكوميدي للفيلم.

يتحول إلى عالِم أنثروبولوجي في فيلم «ميت فل»، عندما يقرر تفكيك الإنسان نفسه ونزعاته إلى التمرُّد على النظام الأبوي في مقابل خضوعه للمادة، عن طريق حكاية «سُرَّ من رأى» وزوجها «ميت فل» (لا يقلُّ اسماهما غرابةً عن اسم عدوِّهما في الفيلم «خيبتك يا...»)، اللذين يتبنَّاهما «الأب الثري» (كناية عن النظام الأبوي)، فيتماهيان تحت نطاق سلطته لدرجة اقتناعهما أن علاقتهما الزوجية أصبحت محرَّمة.

مشهد من فيلم «سمك لبن تمر هندي»

في فيلم «سمك لبن تمر هندي»، يقرِّر رأفت الميهي تفكيك الدولة بحكاية عبثية تبدأ بشاب وفتاة يريدان الزواج، وتنتهي بمراقبة الإنتربول للشاب للاشتباه في كونه جاسوسًا، لمجرد انصياع الدولة في الفيلم وراء مجموعة من المصادفات وتفسيرها بشكل مغلوط. أما في فيلم «الأفوكاتو» فيقرر تفكيك مفهوم المعايشة من خلال «حسن سبانخ» الذي يواجه العبث بالعبث.

لا يحاول الميهي الاشتباك مع الكبار، وإن اشتبك الكبار معه ووجهوا إليه تهمة جادَّة مثل إهانة القضاء في «الأفوكاتو»، فقط لأن شخصية «حسن سبانخ» كانت تشتغل بالمحاماة. يصدر ضده حكم بالحبس لمدة عام، فلا يتبادر إلى أذهان الجميع إلا مشهد «سبانخ» في الفيلم، مسترخيًا في حوض استحمام داخل زنزانة انفرادية في السجن.

«الحياة دي يبقى شكلها إيه من غير هزار؟»، يقولها «سبانخ» ويؤمِّن الميهي على كلامه. لا يدَّعي الرجل الجدية في أفلامه، لأنه مثل أبطاله لم يعُد مهتمًّا بتغيير الواقع، بل بفهمه، ثم الاستمتاع بفجاجته.