فن وهندسة

البطل الخارق الأصلع «سايتاما»: لكمة واحدة تكفي

شخصية «سايتاما» في مسلسل «وان بنش مان»  الصورة: Madhouse

انشغل الناس لسنوات طويلة بالمنافسة بين «باتمان» و«سوبرمان» وانقسموا بينهما. الرجلان المختلفان تمامًا عن بعضهما، حجزا مكانيهما منذ ظهورهما الأول في مجلات الكوميكس أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، كأشهر وأقوى بطلين خارقين في أمريكا وجميع أنحاء العالم.

ظهرت الشخصيتان بأوجه متعددة مع مرور السنوات واختلاف الكُتاب والمؤلفين وظهور مسلسلات وأفلام عنهما إلى جانب الكوميكس. وإن كان «بروس واين» (باتمان) بشريًّا عاديًّا يستعمل قدراته البدنية العالية وأسلحته التكنولوجية المتطورة، على العكس من «كلارك كنت» (سوبرمان)، المولود في كوكب «كربتون»، والذي يتمتع بقدرات خارقة تفوق قدرات البشر، إلا أنهما يشتركان في سرية حياتهما البطولية ورغبتهما في القضاء على الشر ونصرة الخير.

لوقت طويل شكَّل هذان البطلان الصورة المُثلى للبطل الخارق: الوسامة والذكاء والقوة والإيمان المطلق بانتصار الخير على الشر. طموح كل فتى أن يصير مثلهما، وطموح كل فتاة أن تحظى بحبيب مثلهما. لكن بدءًا من 2009، صار كل ذلك في مهب الريح، مع ظهور بطل جديد لا يعبأ كثيرًا بالخير والشر، ولا يختبئ من الإعلام، ولا يمتلك أسلحة سرية. بطل مختلف كل الاختلاف عن كل من شاهدناهم من قبل، الرجل ذو اللكمة الواحدة، أو «سايتاما».

شخصية «سايتاما» كما رسمها «وان»

لا، ليس هناك خطأ في الرسم. إنه هو برأسه الأصلع تمامًا وعينيه البليدتين وجسده الذي يبدو أكثر من عادي. هكذا رسمه «وان» أول مرة. ربما تسخرون الآن من هيئة البطل الأشبه بالخربشة. قد تقل سخريتكم قليلا إن رأيتموه كما رسمه «يوسوكي موراتا».

شخصية «سايتاما» كما رسمها «يوسوكي موراتا»

قليلًا ربما؟ لكن ذلك لا يخفف من أن هذه الشخصية أقرب إلى المهرجين أكثر من الأبطال؟ ما لا تعرفونه أن لقب «الرجل ذو اللكمة الواحدة»، جاء من قدرته على تدمير أي خصم له بلكمة واحدة. ذلك ليس مجازًا: لكمة واحدة، حرفيًّا. لو كان خصومه على قيد الحياة، لأصبح سؤالهم ممكنًا، من وحوش «بيت التطور»، إلى عصابة «المادة المظلمة» وغيرهم كثير من الأشرار والكائنات الغريبة. كيف يمكن لرجلٍ بهذا الشكل أن يفعل كل ذلك؟ اسألوا «وان» الذي أبدعه على سبيل التسلية.

اقرأ أيضًا: ستوديو «غيبلي»: هل انتهى العصر الذهبي لأحد ممالك الأنمي؟

من هو «وان»؟

لا نعرف اسمه الحقيقي، ولا نعرف أين يعيش، ولا نعرف ما الذي درسه في الجامعة. كل ما نعرفه عنه أنه ولد في ناغويا عام 1986، وعاش في مدينة كونوسو بولاية سايتاما. نعم، إنه اسم بطلنا نفسه، ولا توجد له غير صورة واحدة عند استلامه جائزة أفضل «مانغا» خلال حفل «سوغوي» في اليابان عام 2016. لكن لم يمنعه ذلك من إجراء عدّة مقابلات مكتوبة تتيح لمن يرغب بمعرفة معلومات إضافية عنه.

بهدف تجربة برنامج رسم جديد، أنجز «وان» قصة بعنوان «وان بنش مان»، نالت إعجاب قرَّاء مدونته الذين طالبوا بمزيد من الفصول.

في مقابلة مع مجلة «طوكيو ريمي نوت» يتحدّث وان عن نشأة علاقته بالمانغا: «أردت أن أكون رسام مانغا فكاهيًّا منذ أن كنت في المدرسة الابتدائية. كنت من معجبي كرايون شين-شان، وفي ذلك الوقت رغبت بأن أرسم ذلك النوع من المانغا (...) في المدرسة المتوسطة والمدرسة الثانوية استمتعت باستعمال أوراق دفاتري لرسم مانغا مليء بالحوارات والتفاعل المضحك بين الشخصيات، بدل الوجوه الهادئة والفتيات اللطيفات أو أي شيءٍ كهذا».

على الرغم من ذلك، لم يجرؤ «وان» أن يُطلِع أحدًا على رسوماته، وبخاصة بعد تعرُّضه إلى التقريع والتأنيب بسبب اكتشاف أهله لرسوماته.

هذه الحادثة، إلى جانب خشيته من أن يُنظر إليه كمغفل بين مئات المراهقين المهووسين بكرة القدم وألعاب الفيديو، دفعته إلى إخفاء رسوماته.

استمر الوضع على ما هو عليه حتى الجامعة، حين اكتشف وجود الويب كوميكس، وأن هناك هواةً كثيرين غيره يحبون رسم المانغا ونشره على مدوناتهم الشخصية. دفعه ذلك إلى إطلاق مدونته الخاصة.

في 2009، وكان «وان» قد حقق شيئًا من الانتشار، وبهدف تجربة برنامج رسم جديد، أنجز قصة بعنوان «وان بنش مان»، عن بطل خارق يدعى سايتاما، قادر على قتل الوحوش بلكمة واحدة فقط. هذه التجربة نالت إعجاب قرَّاء المدونة الذين طالبوا بمزيد من الفصول، وهو ما حدث بالفعل.

نشر وان فصولًا جديدة حققت انتشارًا كبيرًا، لكن ذلك لم يستمر، إذ اضطرته ظروف عائلية للحصول على وظيفة والتوقف عن الرسم في فبراير 2010. كان «عامًا من الجحيم»، بحسب وصفه، قضاه بعيدًا عن المانغا، لكنه عمل خلاله على جمع أكبر كمية ممكنة من المال ليعود إلى الرسم في ربيع 2011.

مع هذه العودة، حلَّق «وان بنش مان» عاليًا، وحاز شهرةً واسعة ليتجاوز عدد من قرأه ثمانية ملايين في عام 2012. دفع هذا النجاح رسام المانغا المحترف «يوسوكي موراتا» إلى تقديم عرض لـ«وان» يقضي بإعادة رسم السلسلة ونشرها في موقع مجلة «ويكلي يونغ جامب». بدأ الطرفان تعاونهما المستمر حتى اليوم، وانتقلت السلسلة وبطلها سايتاما إلى مستوى جديد من ناحية جودة الرسم وتقنياته.

مع النجاح الكبير للسلسلة، كان من البديهي أن تتحول إلى أنيمي، وهذا ما حدث في 2015 مع إنتاج استوديو «مادهاوس» الشهير لسلسلة من 12 حلقة مقتبسة بالكامل عن المانغا. نتعرَّف فيها إلى يوميات سايتاما، وكيف يتعامل مع متطلبات حياته البطولية، ولماذا وصل رغم كل هذه القوة، إلى أزمة وجودية مؤلمة وساخرة في الوقت نفسه.

«سايتاما»: من البطالة إلى البطولة

يكتفي صناع العمل بلمحة محدودة عن حياة سايتاما قبل البطولة، ولا يقدمون تفسيرًا لامتلاكه قوَّته.

لم يولد سايتاما بقدرات خارقة، ولم يملك يومًا أي أدوات أو أسلحة خاصة، وبالتأكيد لم يلدغه عنكبوت معدَّل جينيًّا. منذ اللحظة الأولى، يقرر وان تدمير صورة البطل الخارق، إذ تبدأ الحكاية كلها مع ولد يملك ذقنًا بشقٍّ في منتصفها يجعلها شبيهة بالمؤخرة. يصطدم سايتاما الشاب الخارج لتوِّه من مقابلة عمل أخرى فاشلة، بوحشٍ هجين، نصفه الأعلى يشبه سرطان البحر، والنصف السفلي بشري. يلاحق الولد لأنه رسم له حلمتين على صدره. يحاول الشاب، الذي لم يكن قد فقد شعره بعد، تجاهل الموضوع، لكن استمرار الأحداث يدفعه إلى رد فعل لاإرادي يفاجئه هو نفسه، إذ ينقض على الوحش ويخنقه بربطة عنقه.

يهز الحدث سايتاما من الداخل. يبدو كمن وجد معنى لحياته، ويقرر أن يصير بطلًا يحارب الأشرار من أجل المتعة. يُخضِع نفسه لنظام تدريب يومي عادي: مئة تمرين ضغط، مئة تمرين بطن، مئة تمرين قرفصاء، إضافة إلى الجري 10 كيلومترات يوميًّا.

على الرغم من ذلك، يتساقط شعره فجأة، ويصير منذ تلك اللحظة أصلع وبطلًا خارقًا في الوقت نفسه. يبدأ المسلسل بعد ثلاث سنوات من ذلك اليوم، لا يبدو أن الرجل ذا اللكمة الواحدة يحظى بكثير من المتعة. إنه لا يشعر بغير الفراغ الذي يملأ قلبه دون أن يعلم لماذا.

يكتفي صناع العمل بهذه اللمحة المحدودة عن حياة سايتاما ما قبل البطولة، ولا يقدمون تفسيرًا آخر لكيفية امتلاكه قوَّته. لكن كل شيء في وان بنش مان يسير بهذا الشكل. نحن في عالم موازٍ لعالمنا الحقيقي: أسماء المدن أحرف الهجاء (A to Z)، الوحوش الهاربة من المختبرات والخارجة من تحت الأرض والهابطة من السماء، تهاجم المدن كل لحظة وتدمرها، جمعية الأبطال تنظم عمل الأبطال محاربي هذه الوحوش.

كل هذا عادي، على هذا المنوال تسير الحياة. لا شيء استثنائيًّا في أن يمحو عملاقٌ بخطوات أقدامه أحياء سكنية كاملة، وليس غريبًا أن نهجر مدينة كاملةً خوفًا من الفضائيين، فنحن في محاكاةٍ هزلية لعالمنا، أو إن صح القول، لعوالم قصص الأبطال الخارقين.

اقرأ أيضًا: ساتوشي كون: 10 سنوات تكفي لتقديم كنوز «الأنيمي» للعالم

لعنته في قبضة يده

مشاهد لكمات سايتاما في «One Punch Man»

في عالم سوبرمان وباتمان ورفاقهما، تُخلَق صراعات مختلفة، وتوضع عقبات متنوعة أمام البطل. إنه يواجه أشرارًا قد يفوقونه قوة أحيانًا، وفي أحيان أخرى يوضع أمام قرارات أخلاقية قد تؤدي إلى موت الأبرياء، أو سيكون هناك من يهدد عائلته أو حبيبته.

يكافح البطل لإنقاذ العالم والقضاء على الأشرار، وغالبًا ما يصل في النهاية إلى هدفه متخطيًا الخوف والفشل والإحباط بفضل قوّته وذكائه. يهمل «وان» كل ذلك. لا عقبات كهذه في حياة سايتاما. يعيش وحيدًا في مدينة شبه مهجورة، لا تحركه أهداف سامية لقتال أعدائه، ولا يخشى الخطأ، ومع ذلك هو الأقوى في العالم دون منازع، لكمة واحدة بقبضته تكفيه، وفي هذه القبضة يقع أصل بلائه.

يُقدِّر الناس الأبطال الآخرين لأنهم يقدمون صورة البطل المتخيَّلة، أما سايتاما، فيملك صلعة غريبة ويعيش معزولًا، غير قادر على التواصل مع الناس.

تسبب قوة لكمة سايتاما إحساسًا متواصلًا بالملل، يتعايش مع ضجر مقيم يلازمه طوال الوقت، دون أن ينجح، ولو مرة واحدة، في استعادة جزء بسيط من الرضا الذي أحس به بعد قتله الرجل السرطان.

يستيقظ سايتاما كل يوم في الاستوديو المتواضع الذي يسكنه، ويخرج ليقاتل الوحوش أملًا في أن يحظى بعدو قادر على تحمُّل أكثر من لكمة واحدة، ولكن دون جدوى. مع ذلك، لا ينال تقديرًا من أحد سوى تلميذه «السايبورغ جانوس».

يجهل الناس سايتاما على الرغم من إنقاذه البشرية مراتٍ كثيرة. حتى بعد انضمامه إلى جمعية الأبطال، حيث اكتسب شيئًا من الشهرة، يتعامل الناس مع بطولاته بتشكيك تارة، واتهامه بتدمير المدينة تارة أخرى.

من جهة أخرى، يُقدِّر الناس الأبطال الآخرين لأنهم يقدمون الصورة المتخيَّلة للبطل، إما بالاستعراض والمنظر الفاتن، وإما بالشجاعة والتضحية والخطابات. أما سايتاما، فيملك صلعة غريبة تنعكس عليها الأشياء كما في المرآة، ويعيش معزولًا، غير قادر على التواصل مع الناس والتفاعل معهم، كأنه يعيش في فقاعة شفافة تقيم الحواجز بينه وبين الناس. لا يفقد الرجل ذو اللكمة الواحدة الأمل، ويواصل مغامراته مع رفيقه وتلميذه جانوس، الشخص الوحيد الذي يؤمن به، كأنهما صورتان عن «دون كيشوت» و«سانشو بانثا».

قد يهمك أيضًا: «الأنيمي»: لمحات من تاريخ الرسوم المتحركة في اليابان

التواصل البشري كغاية

تبدو ثيمة الاغتراب هاجس «وان» الأساسي، إذ تحضر مرة أخرى في عمله الثاني الأقل شهرة: «موب سايكو 100» (2016). هنا، في محاكاة هزلية أخرى لليابان، يعيش تلميذ الصف الثامن «موب» في حالة من الاغتراب والقلق الدائم. يملك الفتى قوة روحانية مجهولة المصدر تجعله قادرًا على تدمير أي عدو يواجهه، لكنه يعيش في حالة توتر دائم خشية أن يؤذي الآخرين عند استعمالها. يجعل ذلك منه انطوائيًّا وكتومًا، يعيش في عزلة عن الناس، وعاجزًا عن تكوين صداقات مع بقية الأطفال.

يتماهى المُشاهد مع شخصيات «وان» الخارقة لأنهم يشبهونه في ضعفه وخوفه وقلقه، وحتى في المشكلات اليومية التي تواجههم. هم بشر مثلنا يعانون مما نعاني منه، لكن في عوالم غريبة مليئة بالأحداث المشوقة وكثير من السخرية والفكاهة.

المزج بين هذين العنصرين المختلفين هو ما حقق نجاح «وان»، وما دفع استوديو «مادهاوس» للإعلان عن موسم ثانٍ من «وان بنش مان»، يصدر عام 2019. هل سيواجه سايتاما وحشًا قادرًا على تخليصه من الملل، أم أن الوصول إلى غايته سيجعله يسلك دروبًا أخرى؟