الشاشة

ساتوشي كون: 10 سنوات تكفي لتقديم كنوز «الأنيمي» للعالم

مشهد من فيلم «Perfect Blue» - الصورة: Rex Entertainment

قَدَّم «ساتوشي كون»، المخرج المؤمن بالمصادفات، الذي يتبع نهجًا غير صارم في بناء المسار المرئي لأفلامه، لصناعة الأفلام المتحركة اليابانية «الأنيمي» أعمالًا «أصيلة» مغايرة للمتعارف عليه في هذه السوق، واستحضر الإنسان في بيئته المعاصرة مع صخب الحياة المدنية وهدوئها، وأزمة الهوية، والوهم، وانغماس العوالم، ما جعله من الأسماء المميزة في تاريخ الإنتاج الياباني والعالمي لأفلام الرسوم المتحركة.

كون، الذي لم يعش طويلًا في بلد المعمرين (مات عن 47 عامًا)، أضاف إلى سجل مسيرته العملية أربعة أفلام سينمائية، وفيلمًا قصيرًا، ومسلسل «أنيمي» للتلفزيون، غير مشاركته كاتبًا أو محركًا للرسوم في أعمال أخرى، من ضمنها ثلاثية الخيال العلمي «Memories».

منذ عرفت عن ساتوشي كون وأنا أنصح كل من هو مهتم بالأنيمي والأفلام بمتابعة أعماله. تجربتي مع أعماله تجاوزت الاستمتاع في القصة والأفكار المطروحة إلى التمعن في الأسئلة الفلسفية التي تثيرها في داخلك،  والمتعة البصرية الناتجة عن كل إطار، والموسيقى التصويرية المختارة بعناية.

يصف المؤلف «باتريك درازين» أعمال كون بأنها «تضرب التصور بالواقع، والناس بالطريقة التي يبدو عليها الناس، ويستمر الارتداد الناتج عن هذا إلى حد الانفجار»، ثم يأتي ساتوشي كون «ليحول هذا الانفجار إلى فن». يظهر هذا جليًّا في أعمال مثل «Perfect Blue» و«Paprika»، ومسلسل الأنيمي «Paranoia Agent».

يعتمد المخرج الياباني على البناء الواقعي للشخصيات والتصوير السينمائي «السينماتوغرافي» بشكل يؤدي إلى عدم وضوح الحدود بين الواقع والخيال، وتتكرر القفزات بين المَشاهد كطريقة للتنقل بين حالة الشخصية العقلية، ووعيها، وذكرياتها.

Perfect Blue: هل حياتي زرقاء شاحبة؟

يطرح فيلم كون الأول كمخرج وكاتب، «Perfect Blue»، فكرة التضارب في تصورنا ومعرفتنا للواقعشخصية الفيلم «ميما كيريغوي»، وفي منعطف وظيفي مهم في حياتها، تتعرض لحادث يجعلها تفقد زمام الأمور إلى درجة عدم التمييز بين الخيال والواقع.

الفيلم يطرح أيضًا فكرة «الشخصية المشهورة» في المجتمعات الحديثة، وكيفية تعامل الناس معها، وأثر ذلك في تلك الشخصية وقراراتها. كذلك نجد في الفيلم تجسيدًا لأمر ظهور مخاوفنا أمامنا وتأثيرها فينا.

اقرأ أيضًا: «الأنيمي»: لمحات من تاريخ الرسوم المتحركة في اليابان

Paprika: هل أنا في حلم؟

فيلم «Paprika»، الذي عُرض عام 2006، يناقش فلسفيًّا وسايكولوجيًّا الأحلام وعلاقتها باللاوعي، ويحاول عرض جواب سؤالين مهمين: ماذا لو اتحدت أحلام الناس في مكان واحد يمكن للناس الولوج إليه؟»  وماذا لو امتزج الحلم في الواقع وتصادمت العوالم؟ 

رغم أن الفيلم افتقد لعمق الشخصيات الموجود في أعمال كون الأخرى، فإنه تمكَّن من تقديم تحفة بصرية تجريدية نقلت خيالات الفنان وأحلامه إلى المُشاهد.

العمل، الذي اعتمد على رواية «ياسوتاكا تسوتسوي» بنفس الاسم، تجاوز الجوائز التي حصل عليها ومباركة النقاد إلى أن يكون مصدر إلهام «كريستوفر نولان» لصناعة فيلم «Inception»، إلى درجة تطابق بعض المَشاهد.

وبمناسبة الإلهام، يرى كثيرون تشابهًات في القصة والمَشاهد بين فيلم «Perfect Blue» المذكور سابقًا، والفيلم الذي أتى بعده بـ13 سنة «Black Swan».

Tokyo Godfathers: هل أنا سعيد؟

ساتوشي كون بدوره استلهم عمله «Tokyo Godfathers» من فيلم الغرب الأمريكي الذي عُرِضَ عام 1948 «The Three Godfathers»، لكنه تميز بالشخصيات الرئيسية، وبحداثة تاريخ الأحداث ومكان حدوثها، إضافةً إلى التصوير الفني الذي اعتمد على طبقات رسم عديدة وتفاصيل دقيقة للخلفيات لكي يصل إلى ما يريده المخرج.

بينما كانت أعمال ساتوشي المذكورة سابقًا تحت تصنيف أفلام السايكولوجي والإثارة والرعب، يأتي «Tokyo Godfathers» في طابع إنساني درامي، لينقل لنا مشاعر الشخصيات «المشردة» وتفاعلها مع صعوبة العيش، وأزمة الطفل المهجور الذي وجدوه بالصدفة.

وبالرغم من هذا البعد الإنساني الحزين، بحث ساتوشي كون عن الضحكة أيضًا في الفيلم.

Millennium Actress: دراما أيضًا؟

المونتاج في أفلام المخرج «ساتوشي كون»

في الدراما أيضًا، قدم لنا كون فيلم «Millennium Actress».

من ناحية القصة، يبدو هذا العمل الخيالي بسيطًا، إذ إن قصته الرئيسية تدور حول توثيق حياة ممثلة شهيرة معتزلة متخيَّلة هي «شيوكو فغيوارا»، إلا أن العمل من الناحية الإبداعية يَعِد المُشاهد بكثير من المتعة.

فنيًّا، يشار إلى الفيلم كثيرًا في المراجعات المتعلقة بتحرير ساتوشي كون وطريقة إخراجه. وتاريخيًّا، يمتاز بطرح تاريخ مطول لليابان في 87 دقيقة فقط.

كذلك، يُشار دومًا إلى الموسيقى التصويرية للفيلم، التي كانت من إبداع الموسيقي والمغني الياباني «سوسومو هيراساوا»، الذي رافق كون في أعماله الأخرى.  

يستحق هذا الفيلم أن يُطرح كمثال إبداعي للسرد القصصي.

كون والمصادفات

إضافةً إلى إيمانه بالمصادفات، يُقدِّر «كون» كل ورقة يرسمها أو فكرة يدونها، ولا يتخلص من شيء أبدًا، لإيمانه بأنها ستفيده يومًا ما.

يؤمن ساتوشي كون بالمصادفات إلى درجة أنه يجدها عاملًا رئيسيًّا لنجاح الفيلم، وقد يكون هذا نابعًا من عقيدة «الشنتو» التي يدين بها معظم اليابانيين.

خلال مقابلاته القليلة، يذكر كون هذا بشكل أو بآخر. في فيلم وثائقي عن كواليس العمل على «Millennium Actress»، يوضح أنه رسم شخصية مصور الفيديو «كيوجي إيدا»، ثم اكتشف لاحقًا أنها تطابق شكل مصور فيديو فريق عمل الفيلم. هذه المصادفة جعلته «سعيدًا».

المصادفة أيضًا حاضرة في اختيار الممثلة اليابانية «أيا أوكاموتو» لأداء صوت «ميوكي» في فيلم «Tokyo Godfathers»يذكر ساتوشي أنه رآها في فيلم استأجره، وحكم بالحدس أنها المناسبة لأداء الدور، رغم عدم امتلاكها خبرة في تأدية الأصوات آنذاك، وحسم أمر اختيارها بعد أن رآها «صدفةً» على غلاف أحد المجلات.

في مقابلة عن فيلم «Paprika»، يذكر كون أيضًا كيف أنه رغب منذ فترة في عمل فيلم للرواية، ثم «صادف» أن طلب منه كاتب الرواية ذلك بعدها بسنوات قليلة.

وإضافةً إلى إيمانه بالمصادفات، يُقدِّر كون كل ورقة يرسمها أو فكرة يدونها، ولا يتخلص منها لإيمانه بأنها ستفيده بطريقة أو بأخرى، وقد يصل هذا إلى بدئه في الرسم وخلق الرسوم المطلوبة للعمل حتى قبل نهاية النص. 

في أغسطس 2010، وبعد معاناة مع السرطان، توفي ساتوشي كون مخلفًا وراءه إرثًا سينمائيًّا مهمًّا، وعملًا لم يكتمل، ووصيةً نُشِرَت بعد وفاته تخبر العالم بمرضه الذي أخفاه عنهم. هذا المبدع الذي فُقد عن عمر صغير في أمة مُعَمِّرَة يجعلنا نقدِّر أكثر نتاج عمله الدؤوب، الذي تم في عقد من الزمن فقط، ونتساءل عما كان سيقدم لو عاش أكثر، واستغل المصادر والأدوات المستحدثة في صناعة أفلام الرسوم المتحركة.