الشاشة

أبطال «La Casa De Papel»: لصوص أم يساريون شجعان؟

لقطة من مسلسل «La Casa De Papel» - الصورة: Netflix

ملحوظة: يحتوي هذا الموضوع على حرق لأحداث مسلسل «La Casa De Papel».


مرتدين أقنعة «سلفادور دالي»، منتحلين أسماء مدن مختلفة في دول العالم، متسلحين بخطة سرقة مثالية، اقتحم ثمانية لصوص دار سَك النقود الملكية الإسبانية بتوجيه من قائدهم المعروف بـ«البروفيسور»، لا لسرقة المال مثلما عهدنا في أفلام السرقات النموذجية ومسلسلاتها، بل لطباعة أموالهم الخاصة.

لعبتهم تدور حول الزمن: إضاعة كثير من الوقت حتى يتسنى لهم تنفيذ مخططهم والهرب. هذا باختصار مسلسل «لا كاسا دي بابل»، أو «البيت الورقي» بالعربية و«Money Hiest» بالإنجليزية.

تتسارع الأحداث بوتيرة جنونية لا ينقصها عنصر التشويق والإثارة، لتصنع من المسلسل الإسباني قصة سرقة مثالية لاقت نجاحًا لافتًا عالميًّا.

لا كاسا دي بابل: النجاح أن تجعلني أتعاطف مع لص

يجبرك المسلسل على التعاطف مع الجناة بإبراز هشاشتهم: العلاقات التي تربطهم، الحب، الصداقة، الأبوة، تجبرنا على الوقوف في صفهم دون قصد.

تصدَّر المسلسل عناوين محركات البحث لأشهر، وحظي بمتابعة كبيرة، بخاصة من الجمهور العربي. عناصر عديدة اجتمعت لتحقق هذا النجاح، أبرزها سيناريو قوي محبوك جيدًا، فكاتبا السيناريو «ألكس بينا» و«إنريكي آرسي» لم يتركا أي شيء للصدفة، ونجحا في الذهاب بقصتهم إلى المنحى الذي رسماه.

اختيار الممثلين كان موفقًا إلى حد بعيد، فبالرغم من أنهم ليسوا مشهورين إلا في إسبانيا، فقد تمكنوا من إبهار المُشاهدين بأداء تمثيلي مقنع. كل الشخصيات أبطال، وكل شخصية تركت بصمة مختلفة في المسلسل: أدهشنا ذكاء «البروفيسور»، وفطنة «راكيل»، وتهور «طوكيو» و«ريو»، وبرود «برلين»، وقوة «نيروبي»، أحببنا علاقة «دنفر» بأبيه، وصداقة «هلنسكي» مع «أوسلو».

لعل أهم أسباب نجاح المسلسل هو الظرفية الزمنية التي ساد فيها جو مفعم بالكآبة، وانسداد الأفق، وضبابية المستقبل، وغياب العدالة الاجتماعية، والطبقية المقيتة، والشعوب المضطهدة الساخطة على أنظمتها، فكان مسلسل «La Casa De Papel» طلقة نارية أصابت الهدف، وألهبت حماس المشاهدين، وجعلتهم يرون أنفسهم في أبطال العمل، فتعاطفوا معهم.

هذا أكثر ما يثير الاستغراب، فلأن المسلسل صوَّر الجناة شخصيات مجروحة من الداخل تحيط بها مشكلات كمشكلاتنا، وضحايا أجبرتهم ظروفهم على خوض هذه العملية، وجد المُشاهِد نفسه متعاطفًا معهم رغمًا عنه. إصرار البروفيسور على معاملة الرهائن بإنسانية وعدم اللجوء إلى العنف كان أيضًا عاملًا أيَّد موقف اللصوص أكثر.

يتواصل التعاطف مع الجناة عن طريق التركيز على تبرير أفعالهم وإبراز هشاشتهم من العلاقات التي تربطهم: الحب، الصداقة، الأبوة، فيض من المشاعر والدموع المنهمرة تجبرنا على الوقوف في صفهم دون قصد.

قد يهمك أيضًا: عالم «نتفليكس»: نهاية المسلسلات التلفزيونية كما نعرفها

Money Heist: إرث يساري إسباني

لم يكن اختيار قناع سلفادور دالي عشوائيًّا، فحين يرتدونه، ينتقل الخاطفون من دول الأخيار إلى المخبولين، ربما لأنه يرمز إلى اليمين الخائن.

عدد من المواقف المعلنة وغيرها تخفَّت وراء قناع سلفادور دالي وبين مَشاهد المسلسل، دفعتنا إلى التوقف والتفكير مَليًّا.

«يقضي الناس أعوامًا في الدراسة ليكسبوا راتبًا، حتى في أفضل السيناريوهات يكون سيئًا، ما الأزمة إذًا في أن تقضي خمسة أشهر من دون راتب (فترة التدريب على السرقة) إذا كنت لن تُجبَر بعدها على العمل مجددًا، لا أنت ولا أولادك؟».

هكذا يبرر البروفيسور طوال فترة التحضير للعملية. جملة بسيطة تجعلنا ندرك ما نعانيه من استعباد واستغلال على يد النظام العالمي. حياة نقضيها في سباق: ادرس، اعمل من أجل كسب المال، وعندما تنجح في امتلاك القليل، تصيبك الشيخوخة أو الموت.

في مشهد آخر، يدفعنا البروفيسور إلى مراجعة مفهومي الخير والشر حين يؤكد للمحققة أن ما يفعلونه ليس سرقة، وأن ما يفعله البنك المركزي الأوروبي ورؤوس الأموال العالمية هو السرقة الحقيقية، بعدها يمزق ورقة نقدية قائلًا: «إنها لا شيء، مجرد ورقة». ورقة تندلع من أجلها حروب، ويموت بسببها أبرياء.

يبدو هنا أن الإسبان لم ينجحوا في التخلص نهائيًّا من إرثهم اليساري، وهذا ما يتجلى في المسلسل.

استوقفني تعليق شخص يساري شاهد المسلسل، فقال إنه أحس بنفسه يقرأ كتابًا لكارل ماركس: «ليست سرقة حتمًا، فالسرقة أخذ ما هو مملوك لشخص ما، بل سيطرة على الملكية الخاصة، وتغيير جذري في قوى الإنتاج وعلاقاته. هاته المرة لم يكن اللصوص يسعون وراء فائض القيمة كغيرهم، بل أرادوا السيطرة على وسائل الإنتاج، وطبع المبلغ الذي يريدون. غير أن من ثأر للنظام الاقتصادي لم يكن العمال، كما توقع ماركس، بل اللصوص».

ربما لم يكن اختيار قناع سلفادور دالي عشوائيًّا أيضًا، ففي الانتقال من لعب دور الخاطفين الأخيار إلى الخاطفين المخبولين، يرتدي اللصوص قناع دالي. لماذا دالي؟ ربما لأنه يرمز إلى اليمين الخائن، فالفنان المكروه من الإسبان لمساندته جرائم «فرانكو» ما زال نموذجًا مثاليًّا لمثقف السلطة. كذلك هي المدن والعواصم التي تحصن الأبطال خلف أسمائها، إذ جاءت حاملة دلالات مبطنة، فهي أمكنة عانت ويلات الفاشية وحروبًا طبقية.

أخيرًا أغنية «Bella Ciao»، التي ارتبطت في أذهان المشاهدين بمسلسل «La Casa De Papel»، هي أغنية المقاومة الإيطالية ضد فاشية «موسوليني»، وتُعرَف بأنها النشيد الرسمي للثوار والمتمردين.

أغنية «Bella Ciao» الأصلية

من جملة النقد الموجه إلى المسلسل عدم توسعه في طرح أفكاره، فلو كانت الحلقات أطول، والحوار مفصلًا بدرجة أكبر، لكان أفضل.

على كل حال، يبقى «La Casa De Papel» ظاهرة تلفزيونية جديرة بالاهتمام، ومسلسلًا مستفزًّا يثير في الأذهان عددًا من التساؤلات، فما المهم أكثر: حياتنا وحياة أحبائنا، أم حفنة من الأوراق النقدية؟

, , , , , , , ,