ماذا تبقى من الصحوة الإسلامية؟

«الإسلامي» في السينما: صورة واحدة وأفلام عدة

عادل إمام في فيلم «الإرهابي» - الصورة: Pop Art Film

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر سبتمبر حول «ماذا تبقى من الصحوة الإسلامية». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


تُجسد الأعمال السينمائية العربية شخصية «الإسلامي» كشخص يحمل مشروعًا فكريًّا يهدف إلى تغيير المجتمع والوصول إلى السلطة. وقد تنامى وجود الإسلاميين في العقود الأخيرة، وتكررت المواجهات بينهم وبين الدولة في مختلف البلدان العربية، ووقعت عديد من الهجمات الإرهابية، مما وجَّه صناع الأفلام إلى تسليط الضوء على هذه الظاهرة، لمحاولة فهمها وفهم شخصية من ينضم إلى مثل هذه الجماعات، ولتوضيح ما يرونه من تناقضات داخل الشخصية.

السينما التونسية: ملامح شخصية بين الهزل والجد

إعلان الفيلم التونسي «هز يا وز»

منذ تولي بورقيبة الحكم، وإلى اليوم، كانت وما تزال الحركة الإسلامية بمختلف تفريعاتها وفصائلها تثير ضجة وجدلًا لا متناهيين، بسبب طريقة طرحها للأفكار أو موافقها المعادية لكل تجديد.

وبما أن السينما وسيلة لقراءة فنية للواقع، نلاحظ أن السينما التونسية على مر عقود طويلة قدمت الإسلامي بطرق متعددة. الصورة السينمائية غنية سميولوجيًّا (غنية بالعلامات) لأنها الأكثر غزارةً من خلال إنتاج المعنى، وهو ما استغله المخرج نوري بوزيد في فيلمه «ميكنغ أوف» عام 2006، الذي يتحول فيه بطله «بهتة» إلى رمز للشباب التونسي الضائع والمشتت، ومنه يكون المُشاهد أمام مَشاهد من الحياة اليومية لهذا الشاب، الذي يقابل مجموعة من الإسلاميين يحتضنونه ويتحولون إلى سند له.

اقرأ أيضًا: ماذا يخبرنا التاريخ عن الإرهاب؟

في الفيلم إشارة إلى تأثير الجماعات الاسلامية التي تتبع منهجًا دقيقًا في عملية الاستقطاب، وهي عملية ممنهجة يقع فيها بطل الفيلم، ويعيش معه المُشاهد مراحل التحول من شاب باحث عن الخلاص إلى إرهابي مستعد لتفجير نفسه من أجل قضية يتوهم أنها تستحق التضحية.

في الفيلم، يعمد بوزيد إلى رسم ملامح الإسلامي وفكره المتعصب، ويتطرق بطريقة غير مباشرة إلى التهديد الذي يمثله للمجتمع. ما يميز «ميكنغ أوف» هو تلك اللقطات التي أقحمها المخرج، والتي تجمعه ببطل الفيلم لطفي العبدلي، خلال إيقاف الأخير التصوير ورفضه إتمام الفيلم بسبب مبالغة المخرج في التركيز على شخصية الإسلامي وتسليطه الضوء على منهج يحرم كل شيء.

قدمت تونس مجموعة من الأفلام تصور تحول الإسلامي السريع من العربدة إلى الورع، وأكدت أنها «زائفة ومصطنعة».

لم تقتصر صورة الإسلامي في السينما التونسية على هذه النظرة الواقعية، ففي فيلمه «هز يا وز» عام 2013، اختار المخرج إبراهيم اللطيف أن يصور الإسلامي ويضعه في سلسلة من المواقف الطريفة التي تكشف تناقضات فكره. كأن المخرج يأخذنا في رحلة إلى ما وراء الستار، لنكتشف كواليس عالم الإسلامي مثلما يتخيلها اللطيف، ونطَّلع على بواطن هذه الشخصية التي تتلحف بغطاء ديني ظاهري لتحقيق أرباح وأطماع شخصية. ههنا تكون شخصية الإسلامي مكشوفة أمام المشاهد، يزيح عنها المخرج القناع ويعري كل أسرارها.

لا يخلو الفيلم من رمزية، عن طريق التركيز على الرموز الدينية التي يوليها الإسلامي أهميةً كبيرةً، بما أنه يسعى إلى الظهور بمنظر الورع والتقوى. وإذا أردنا أن نتحدث عن الرمزية، فخير مثال على ذلك فيلم المخرج نصر الدين السهيلي «شاق واق»، فهذا الفيلم «الحلال» كما سماه مخرجه يقدم صورة مرحة في قالب هزلي وجريء في آنٍ، فيصور هشاشة الثقافة الدينية للإسلامي واستعداده لارتكاب أشنع الجرائم في سبيل المصلحة الشخصية.

المشروع الفكري والحضاري للإسلامي، مثلما تُصوره السينما التونسية، هو ابتلاع الآخر المختلف. وقد سعى صناع الأفلام في تونس إلى تقديم مجموعة من الأعمال يحاولون بها مقاربة صورة الإسلامي الحقيقية على أرض الواقع، ولعل أبرز هذه الصور، التي نجدها حاضرة في كل الأفلام تقريبًا، ذلك التحول السريع من حالة العربدة والفجور إلى التقوى والورع، التي تراها السينما زائفة ومصطنعة.

السينما العربية: منهج العنف وصراع مع السلطة

إعلان الفيلم المغربي «يا خيل الله»

المتمعِّن في الأعمال السينمائية العربية يلاحظ تجسيدًا لصراع قائم بين فكرين متضادين يناديان ويقترحان مشاريع مجتمعية وسياسية مختلفة.

يُكِن بطل فيلم «الإرهابي» ثقة عمياء للتنظيم وأوامره، وهي نقطة لافتة ومهمة في تحليل شخصية الإسلامي.

في فيلم «يا خيل الله»، الذي أخرجه المغربي نبيل عيوش عام 2013، نتابع مسيرة تكوُّن شخصية الإسلامي وكيفية استقطابه من الأحياء القصديرية إلى الدار البيضاء. الإسلامي إذًا يصوره الفيلم على أنه وليد بيئة مهمشة وفقيرة، ويعاني الخصاصة والحرمان. والجماعة الاسلامية تكرس مجموعة من الوسائل للتأثير والتغرير بالشباب بضمهم إلى صفوفهم. هذه الاستراتيجية تهدف إلى تغييب مَلَكة العقل، لذلك يركز عيوش على هذه النقطة، ويكشف التحولات الدقيقة التي تحصل للشخصية البطلة.

قد يهمك أيضًا: نظرة إلى جذور العنف في منازلنا ومجتمعاتنا

«نحن لا نخاف الموت»، هكذا يردد أحد أعضاء الجماعة مخاطبًا زملاءه. وقد تبدو هذه للكثيرين مجرد لقطة عابرة، لكنها ذات أهمية كبرى في فك شفرات شخصية الإسلامي وصورته في الفيلم، وهي لقطة تلخص منهجه في الحياة، وهو منهج يقاطع الملذات في الظاهر فقط، ويركز على ما يعتقد أنه جهاد في سبيل الإله.

هذه العناصر، أيضًا، يركز عليها المخرج المصري نادر جلال في فيلم «الإرهابي» عام 1992. فالبطل يُكِن ثقة عمياء للتنظيم ويأتمر بأمره. هذه نقطة لافتة ومهمة في تحليل شخصية الإسلامي، ذلك أن تسليط الضوء على الجانب التنظيمي والهيكلة التي تعتمد على الأوامر الفوقية هي ما يجعل الإسلامي القاعدي (مثل بطل الفيلم) العنصر الأكثر فعاليةً، بما أنه منفذ العمليات على أرض الواقع. ههنا تتحول صورة الإسلامي وتُختَزل في عقل مسلوب الإرادة، وآلة مطبقة للأوامر التي تصدر عن إدارة الحركة.

عَمِد جلال إلى الترميز والتركيز على العامل النفسي الذي يلعب دورًا حاسمًا في تشكُّل شخصية البطل، فالتأرجح بين المعتقدات والملذات هو تقريبًا ما يَصِمُ مسيرة الإسلامي في الفيلم، فنراه في أحد المشاهد يحلم بالجسد الأنثوي وينطلق في استيهامات وليدة الكبت.

يواصل المخرج التدقيق في رسم بورتريه الإسلامي بالتعرض لمسألة المظاهر، فالزي واللحية من أهم العلامات المميزة للمنتمين إلى التنظيم، لكن تتهاوى أهميتها أمام متطلبات المهمات. هنا يشير المخرج إلى قدرة الإسلامي على الاندماج والانصهار وسط المجتمع بهدف تنفيذ العمليات الإرهابية.

محمد إمام في لقطة من فيلم «عمارة يعقوبيان» - الصورة: Good News For Film And Music

نلاحظ ذلك أيضًا في فيلم «عمارة يعقوبيان» عام 2006، فالإسلامي يجسد الصراع القائم مع السلطة. وكالعادة، تكون هذه الشخصية في تجاذبات من مختلف الجهات، فبين معسكر التدريب في الصحراء والمرأة التي يحبها ويضطر إلى مفارقتها، تبدو هذه الشخصية مضطربة وتائهة وسط زخم الأحداث.

لا تكون الصورة على هذه الشاكلة في كل الأعمال السينمائية، إذ تتحول صورة الإسلامي من العنصر القاعدي الذي ينفذ الأوامر، الذي وقع استقطابه والتغرير به، إلى القيادي الممسك بزمام الأمور، مثل فيلم «طيور الظلام» عام 1995، الذي يجسد الصراع الثنائي بين الإسلاميين والسلطة. فشخصية المحامي الإسلامي «علي» تعيش تمزقًا بين واقع موجود وحلم منشود، فهو يسعى إلى تحقيق أرباح شخصية تحت قناع مجموعة من المبادئ، يعتبرها الفيلم مجرد لافتة للوصول إلى السلطة.

قد يعجبك أيضًا: الإرهاب ليس خطيرًا كما نظن

كانت صورة الإسلامي في السينما العربية مُلمَّة بكل التفاصيل والحيثيات التي سعى مخرجو الأفلام إلى إبرازها، فصارت أعمالهم مرآة عاكسة لقراءتهم لهذه الشخصية، التي تتعدد الآراء حولها وتختلف وجهات النظر حول مشاريعها الفكرية.

صورة الإسلامي في الأعمال السينمائية تقاطعت، بشكل أو آخر، مع خطاب السلطة الحاكمة، بل إن هذه الأخيرة أصبحت تشجع على إنتاج مثل هذه الأفلام، وعيًا منها بقدرة الصورة على التأثير. كان التقاء السلطة مع مخرجي الأفلام في نقطة اتفاق على محاربة مشروع فكري إسلامي متطرف مولدًا لمجموعة من الإحراجات، فالرقابة غائبة عن هذه الأعمال، بينما هي حاضرة بقوة  إذا تعلق الأمر بنقد الأنظمة السياسية الحاكمة.

السينما كوسيلة تأثير على المُشاهد قد تتحول في بعض الأحيان إلى مجرد دعاية تخدم بروباغندا السلطة، غير أن المتمعِّن في الأعمال السينمائية العربية يلاحظ أنها حاولت، بدرجات مختلفة، من الجدية والخفة ومن العمق والسطحية، إعادة إنتاج الواقع في ما يتعلق بالصحوة الإسلامية عمومًا، واعتنت بشكل خاص بتتبع شخصية الإسلامي بأبسط تفاصيل مسيرته، ساعيةً إلى تفكيك طريقة عمل هذه الظاهرة.