الشاشة

رحلة في عوالم داوود عبد السيد: شيء يشبه الواقع

المخرج داوود عبد السيد - الصورة: New Century Production

يدخل المُشاهد حياة الشخصية الرئيسية في أفلام داوود عبد السيد من الدقائق الأولى، يتعرّف إليه من الجُمل الحوارية المُكثّفة، والتعبير البصري بعدسة عبد السيد الميكروسكوبية التي تلتقط التفاصيل. صداقة مرسي وصلاح في «الصعاليك» على سبيل المثال، جلسة «الجوزة» وحواديت الشيخ حُسني في «الكيت كات»، والمُنبّه وارتباط حياة يوسف كمال به في «البحث عن سيد مرزوق»، ونرجس ومحاولة تعلُّمها الإنجليزية استعدادًا للسفر في «أرض الأحلام».

يخلق داوود عبد السيد عوالمه الموازية بعيدًا عن البيئة الواقعية الخاصة بأحداث أفلامه، ويتمكن، بالتعاون مع مهندس الديكور، من تهيئة بيئة موازية شبيهة بالواقع، كما فعل في «الكيت كات» مع مهندس الديكور أُنسي أبو سيف، الذي شارك في جميع أفلامه، إذ بنى ونسّق ديكور ومناظر الحارة والمنازل كي تبدو أقرب إلى الحارة والمنازل الواقعية في حي الكيت كات الشعبي بمحافظة الجيزة المصرية.

أرض السحر في سينما داوود عبد السيد

مشهد من فيلم «الكيت كات»

عالم داوود عبد السيد يُشبه عوالم «أليس» وبحثها في بلاد العجائب، عالم سحري لم تطأه أقدام أبطال أفلامه من قبل، كما حدث مع «يوسف» (نور الشريف) في «البحث عن سيد مرزوق»، حين دخل إلى قاهرة مُغايرة، قاهرة لم يرها من قبل، قاهرة مختلفة عن التي يسكنها، قاهرة موازية يدور فيها باحثًا عن معنى أو إجابة سؤال وجودي عبر بحثه عن «سيد مرزوق»، الذي يظهر ويختفي وقتما يشاء، ويتحكم بشكل مباشر وغير مباشر في مصير يوسف في رحلته.

مزج عبد السيد ثلاثة عوالم مختلفة ومُتباينة في «مواطن ومخبر وحرامي»، فرسم الخط بين أبناء الطبقات الثلاثة من خلال منازلهم وأماكن إقامتهم.

تكرر الأمر ذاته في فيلم «أرض الأحلام»، حين دخلت «نرجس» (فاتن حمامة) إلى عالم سحري لم تعرفه من قبل بحثًا عن جواز سفرها الضائع، بصحبة الساحر «رؤوف» (يحيى الفخراني)، وخاضت الرحلة بكل ما فيها من لحظات البهجة والحزن والقلق والضيق والانفراج، حتى أدركت، في نهاية الأمر، أنها كانت تبحث عن ذاتها، عن لحظات لم تعشها وأماكن لم تزرها ومعانٍ لم تعرفها وتجارب لم تحياها.

يتسع عالم داوود عبد السيد ويخرج من القاهرة إلى رحابة الهامش المُطل عليها من أعلى هضبة المقطم، فندخل إلى حياة الشخوص وأبطال فيلم «سارق الفرح» من خلال النظارة المُعظِّمة التي اشتراها «رُكبة» (حسن حسني) من بائع الخُردة، ليشاهد حياة ملوك الهامش البسيطة، ونبحث فيها عن فرحة يسرقونها، حتى وإن كانت غير مكتملة.

رحلة بحث أخرى مختلفة عن سابقتها، استخدم فيها عبد السيد، بصحبة أبو سيف، المكان والمنازل المُطلة على القاهرة والبعيدة عنها ليُعبِّر عن حياة الطبقة المهمشة، وبحث أفرادها عن الومضات المضيئة الشبيهة بومضات عمارات وفنادق القاهرة الشاهقة البعيدة التي يُطلّون عليها.

مزج داوود عبد السيد بين ثلاثة عوالم مختلفة ومُتباينة في «مواطن ومخبر وحرامي»، فرسم الخط بين الطبقات الثلاثة من خلال منازلهم وأماكن إقامتهم.

يعيش «المواطن» في قصر واسع أبوابه من زجاج تشجع على التلصص، و«الحرامي» في بيت ضيق ممتلئ بالكتب بابه مفتوح طوال الوقت، أما «المخبر» فتارةً هنا وتارة هناك، ولا يظهر بيته في الأحداث بشكل متكرر، كونه يلازم المواطن أو الحرامي، حتى يصل ثلاثتهم في النهاية إلى صيغة للتعايش، فيتشاركون منزلًا واحدًا بحديقة مترامية الأطراف.

جميع الأماكن تشبه الواقع في تفاصيله، قصور الطبقة العليا وحواري الطبقة المهمشة وبيوت الطبقة المتوسطة، مما يجعل المُشاهد يتماهى مع القصة الرمزية الفلسفية وأماكن أحداثها.

قد يهمك أيضًا: السينما الروسية: مخرجون أعادوا تعريف «الأفلام»

رحلة الإنسان الوجودية ونتائج اختياراته

مشهد من فيلم «رسائل البحر»

أما في ثلاثية الإنسان واختياراته، التي بدأت عام 2000 مع «أرض الخوف»، مرورًا بـ«رسائل البحر» عام 2010، وأخيرًا «قدرات غير عادية» عام 2015، فيتشارك ثلاثة الأبطال، الذين سمّاهم داوود «يحيى» (أحمد زكي وآسر ياسين وخالد أبو النجا)، في الخروج من عالمهم إلى عالم آخر بحثًا عن ذواتهم وإجابات لأسئلتهم وتجارب جديدة يخوضونها، وتتشابه رحلتهم مع رحلة الإنسان، من النزول من الجنة إلى السير في الأرض بحثًا عن معنى.

خروج الأبطال من عالمهم يذهب بهم في مَآلاتٍ لم يدخلوها من قبل، سواءً في قاهرة «يحيى أبو دبُّورة» الخاصة برجال المخدرات والمهمة الموكلة إليه، إلى الإسكندرية الكوزموبوليتانية متعددة الثقافات التي تتسع لجميع الأطياف والاتجاهات، والتي بحث فيها الطبيبان يحيى عن المفقود من حياتهما، سعيًا وراء الجنة المفقودة.

قد يهمك أيضًا: 4 مخرجين بمثابة مدارس سينمائية مستقلة

واقع داوود عبد السيد السينمائي

إعلان فيلم «قدرات غير عادية»

في أثناء حواره في برنامج «المشهد»، وحين سُئل عن الواقعية، أكد أن السينما بطبيعتها هي كيفية خلق شيء يشبه الواقع، لكن ليس الواقع، فالواقع في أفلامه يعني محاولة فهم المجتمع وتحليله وعرضه على شاشة السينما كما تراه عيناه. يبدأ داوود عبد السيد في رسم صورة موازية للواقع، بأماكن وبشر وحكايات نسجها عقله وخالطت فهمه وتحليله ورؤيته وفلسفته، هذا هو عالمه السينمائي.


هذا الموضوع نتاج فكرة اقترحها أحد قرَّاء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويرها، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.