الشاشة

«احتقار» غودار: هل نتخلى عن الفن الحقيقي؟

لقطة من فيلم «Contempt» - الصورة:  Rome Paris Films

في عام 1963، خرج فيلم «Contempt» (احتقار) إلى النور بعد سطوع نجم مخرجه «جان لوك غودار» ومخرجي الموجة الفرنسية الجديدة، التي بدأت نهاية الخمسينيات ومطلع ستينيات القرن الماضي.

الفيلم مستوحى من رواية الكاتب «ألبرتو مورافيا» بنفس الاسم، وكتب السيناريو غودار. وكعادته يناقش علاقة الرجل بالمرأة، لكن الأمر هنا مختلف قليلًا، فهو يرصد انهيار العلاقة بين زوج وزوجة. ورغم أن القضية «كليشيهية»، فإن معالجتها جاءت بطريقة مختلفة. وتجلّى ذكاء غودار في قدرته على تمرير قيم بالغة الأهمية وراء فيلمه، فالعلاقة ليست كل قيمة الفيلم، بل تساؤلات غودار نفسه عن الفن في مقابل المال، وهو المخرج الذي أخلص لتجربته أمام كل الإغراءات المالية.

يحكي الفيلم عن «بول جافال» (ميشيل بيكولي)، وهو كاتب مسرحي كان طوال عمره يكتب ما يريد وما يتوافق مع أيديولوجياته فقط. متزوج من امرأة جميلة هي «كاميل» (بريجيت باردو). القصة في ظاهِرِها عن انهيار العلاقة بين بول وكاميل، لكن في باطنها تحمل أكثر من ذلك بكثير.

المشهد الأول في الفيلم، وهو من أشهر الافتتاحيات في تاريخ السينما، يعد المشهد الوحيد الذي يبين لنا الحب بين الزوجين قبل انهياره مباشرة، فنرى الزوجة عارية على السرير، وبجوارها بول، تسأله عن جسدها: هل تحب ركبتيّ؟ هل تحب نهديّ؟ هل تحب مؤخرتي؟ تسأله عن كل تفصيلة في جسدها بالكامل، وهو يرد: نعم طبعًا. ويختم هذا الحوار بجملة: أحبك بشكل تام، برقة، بشكل مأساوي. وهذا يبين لنا غرق بول التام في كاميل، فهو قد يفعل أي شيء من أجلها، وهو ما يحدث فعلًا.

لقطة من فيلم «Contempt» - الصورة: Rome Paris Films

يقابل بول منتجًا أمريكيًّا اسمه «جيرمي بوركوش»، ولا نعرف سبب التقائهما في البداية، لكن نلاحظ من أول نظرة أن المنتج شخص استعراضي، فارغ، لا يفقه أي شيء، يضع في جيبه كتيبًا صغيرًا فيه بعض الحِكم والجمل الرنانة التي يستخدمها ليظهر بمظهر الرجل المثقف، لكنه دون أن يدري يخدع نفسه، فنراه يقول لبول: «أؤمن بصناعة السينما الجيدة»، لكنه في نفس الوقت يهتم فقط بما يجذب الجمهور ويدر عليه المال.

يظهر المخرج «فريتز لانغ» في الفيلم بشخصيته الحقيقية، ولا يمثل شخصيته كمخرج فقط، بل يبدو كصوت السينما الحقيقية.

سبب مقابلة بول المنتج الأمريكي أن بوركوش ينتج فيلمًا عن ملحمة الأوديسة من إخراج المخرج الكبير «فريتز لانغ»، الذي يظهر في الفيلم بشخصيته الحقيقية. لانغ يريد أن يقدم الملحمة كما هي، وإلا فالأفضل أن لا يقدمها أصلًا، بينما جيرمي يريد من بول أن يحذف ويضيف بعض المشاهد كي يكون الفيلم جماهيريًّا إلى حد ما.

قد يهمك أيضًا: 4 مخرجين بمثابة مدارس سينمائية مستقلة

يقول غودار، في كتاب «Godard on Godard»: «النقطة الأساسية في الفيلم أن هؤلاء الأشخاص ينظرون إلى الآخرين ويحكمون على بعضهم بعضًا، ثم تنظر إليهم السينما وتحكم عليهم متمثلةً في فريتز لانغ، الذي يمثل مصداقية وصراحة الفيلم».

كواليس تصوير فيلم «Contempt» - الصورة: Rome Paris Films

لانغ هنا لا يمثل فقط كـ«مخرج»، بل هو صوت السينما الحقيقية، فنراه يقول مرة: «كل فيلم يجب أن تكون لديه وجهة نظر». وحين تظهر فتاة عارية على الشاشة خلال عرض ما صوّره لانغ حتى الآن بحضور المنتج وبول والمترجمة، تتهلل أسارير المنتج، فيسأل لانغ: «هذا فن، لكن هل سيفهم الجمهور ذلك؟». وحين يعترض المنتج على أن ما صُوِّر مختلف عما هو مكتوب في السيناريو، يرد عليه لانغ: «لأن ما هو موجود في السيناريو مكتوب على الورق، وما صورناه موجود على الشاشة».

سريعًا ندرك أن بول قرر ترك كتابة المسرح الذي يحبه ويقدره، ويقدم فيه الفن الذي يريد أن يقدمه إلى الناس، وبدأ يكتب السيناريو لأنه يحتاج إلى المال من أجل زوجته كاميل، فنرى المنتج يسأله: «هل أنت موافق على أن تكتب السيناريو؟» ويقدم إليه شيكًا بالمال، لا يرد بول بالإيجاب أو النفي، بل يأخذ الشيك فقط ويضعه في جيبه.

تظهر الآن النقطة المحورية في الفيلم: الزوجة كاميل. يقول المنتج لبول إنه سمع أنه متزوج من امرأة جميلة، لذلك يصطحبها معه إلى الاستوديو، بينما يذهب بول مشيًا على الأقدام، وهو مشهد يتكرر مرة ثانية قرب نهاية الفيلم، إذ يأخذ المنتج كاميل إلى بيته بينما يترك بول، وفي المشهدين نبقى مع بول، ولا نعرف أبدًا ما دار بين المنتج وكاميل حتى يسألها بول: «هل قال لك شيئًا؟ هل غازلك؟»، لكنها لا ترد أبدًا.

فيلم «Contempt» ليس فقط دراسة عن امرأة تحتقر زوجها كما يقول غودار، بل تنبيه للذين يتخلون عن فنهم الحقيقي من أجل المال وتسلية الجمهور فقط.

حين تعرف كاميل سبب تعاون بول مع المنتج تقول له دون مقدمات: «أنا أحتقر هذا الرجل». لكنها في الحقيقة تحتقر بول، لأنه ترك الفن الحقيقي الذي كان يقدمه من أجل المال، غير أنها لا تقول له هذا مباشرةً، بل نراها منغلقة على ما تفكر فيه في البداية، ثم حين يسألها بول: «ماذا يدور داخلك؟»، ترد: «لا شيء، لو أنك سعيد سأكون كذلك أيضًا».

لقطة من فيلم «Contempt» - الصورة: Rome Paris Films

بعدما تقابِل كاميل المنتج في أول مرة، تعود مع بول إلى شقتهما، ليدور بينهما حوار لمدة نصف ساعة كاملة.

نلاحظ في هذا الحوار مشكلات في التواصل، فمرة لا يسمعها، ومرة لا تسمعه، وأحيانًا تسأله: «هل تسمعني؟». وكأن ما فعله بول هَدَمَ التواصل بينهما إلى الأبد.

يدور بينهما حوار متقلب، غير صريح، فيحاول بول تبرير ما يفعل بنبرة تحاول أن لا تبدو مثل نبرة شخص ارتكب خطأ، بينما كاميل تحاول أن ترد عليه بنبرة امرأة لا تحتقر زوجها. لكن الحوار في النهاية لا يُفضي إلا إلى شجار كبير يؤدي إلى أن تقول كاميل له مباشرة: «أنا أحتقرك، ولهذا السبب لم أعد أحبك. هذا هو الاحتقار، أشعر بالاشمئزاز حين تلمسني».

قد يعجبك أيضًا: السينما الروسية: مخرجون أعادوا تعريف «الأفلام»

يلتقي الجميع بعد ذلك في بيت المنتج لمناقشة الفيلم، وهنا يعود لانغ مرة أخرى كصوت للسينما، فنراه يقول: «المنتج شخص يمكنني العيش من دونه». وكأنه يعرف أن مرور الزمن سيجعل المنتج من العوامل التي تؤدي إلى تدمير السينما، إن لم يكن العامل الأهم.

وحين ينفرد المنتج بكاميل، ويقبِّلها، ويرى بول ذلك، يقرر أن لا يكتب السيناريو آملًا أن تعود كاميل إليه، لكنه يكتشف أن الأوان قد فات، وأنها حقًّا أصبحت تحتقره وتكرهه لأنه ترك الفن الحقيقي وذهب إلى المال: «لا أحبك، لا أستطيع أن أحبك مرة أخرى، فات الأوان، أكرهك لأنك غير قادر على التأثير فيّ».

لقطة من فيلم «Contempt» - الصورة: Rome Paris Films

تذهب كاميل في النهاية مع المنتج إلى روما، لكنها في الحقيقة ليست منجذبة إلى المنتج حقًّا، وإنما كانت تفعل ذلك طوال الوقت لاستفزاز بول كي يترك المشروع، فذهابها مع المنتج في النهاية مجرد هروب.

فيلم «Contempt» ليس فقط دراسة عن امرأة تحتقر زوجها كما يقول جان لوك غودار، بل تنبيه للذين يتخلون عن فنهم الحقيقي من أجل المال وتسلية الجمهور فقط.


هذا الموضوع اقترحه أحد قُرّاء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويره، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.