متورطون في المعركة: قصص أجانب الكويت خلال الاحتلال العراقي

شيخة البهاويد
نشر في 2018/08/02

مصري يفر من احتلال العراق للكويت عبر الأردن - الصورة: Getty/Alain Nogues

في فجر الخميس الثاني من أغسطس عام 1990، فُجع الكويتيون بالجار العراقي يحتل بلادهم.

جثم الخوف ومعه الهلع فوق قلوب آلاف المواطنين، لكن بلدًا مثل الكويت يتجاوز عدد المهاجرين والأجانب فيه عدد «المواطنين»، فكيف كانت حياة هؤلاء وقتها؟ كيف أُجبروا على اتخاذ موقف في حرب لا تعنيهم؟ هل كان هناك اختيار صحيح وآخر خاطئ أصلًا؟

الفلسطينيون: «من الشتات إلى الشتات»

في 2017، اعترف السفير الفلسطيني في الكويت بأن الموقف الفلسطيني إبان الغزو كان خاطئًا

كانت الجالية الفلسطينية قبل عام 1990 هي الجالية العربية الأكبر في الكويت. تشتت كثير من الفلسطينيون في عدة دول عربية بين مخيمات اللجوء ومحاولة إيجاد معيشة مناسبة، أما الكويت فكانت بلدًا جاذبًا، فليس العيش فيها في مخيمات، بل شقق سكنية، وفيها وظائف شاغرة ذات شأن، كالتعليم والطب والهندسة والمحاسبة.

مساحة الحرية في الكويت آنذاك كفلت فرصة جيدة للتحركات السياسية الفلسطينية لمقاومة المحتل الإسرائيلي، بالإضافة إلى علو الحس القومي لدى الكويتيين، الذي منح الفلسطينيين شعورًا بالأمان الاجتماعي والدعم. وفي المقابل، أسهم الفلسطينيون في نهضة الكويت في فترة كانت تبني أساساتها كدولة حديثة.

لكن الغزو العراقي كان حدثًا مفصليًّا للفلسطينيين. استخدم صدام حسين قضية فلسطين في تبريراته للاحتلال، ووقف إلى جانبه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، رغم كل الدعم الذي قدمته الكويت للقضية الفلسطينية.

حسابات عرفات السياسية كانت مختلفة، لكنها أسقطت الجالية الفلسطينية في الكويت في بئر لا قرار له. اضطر الآلاف منهم إلى الخروج من الكويت، البلد الذي وُلدوا وعاشوا فيه ولا يعرفون غيره وطنًا، بينما ظل آخرون من المنتمين لتيارات سياسية بعثية أو موالية لياسر عرفات في صف القوات العراقية ويقدمون بلاغات عن المقاومة الكويتية، ويشاركون في نقاط الإيقاف والتفتيش والمظاهرات المساندة لصدام. بعضهم كان مسلحًا والآخر مدنيًّا يلعب دور المخبر، وآخرون آثروا البقاء على الأرض التي يعرفونها وتعرفهم، يحاولون مساعدة الكويتيين في ما يستطيعون.

خلال الاحتلال، لم يشعر الكويتي تجاه أخيه الفلسطيني سوى بالريبة.

لم يكن من السهل على الكويتيين تجاوز العلاقة التي انكسرت بينهم وبين الفلسطينيين، شعور القومية الذي تفتت مع أول خطوة عراقية على أرضهم ومشاركة بعض الفلسطينيين في التنكيل بهم، بالإضافة إلى موقف الحكومة الفلسطينية.

كان هذا كفيلًا بأن لا يرى الكويتي إلا الجانب المؤلم. الخيانة وحدها كانت الأبرز، أما الفلسطينيين الذين رفضوا الغزو فلم يكن لهم صوت، لذا كان الكويتي لا يشعر تجاه الفلسطيني خلال الاحتلال سوى بالخوف والريبة، حتى إن تقدم بحسن نية. وبعد التحرير اعتُقل كثير من الفلسطينيين بتهم التعاون والمشاركة مع جيش الاحتلال وتقديم المساعدات له، وهاجر آخرون إثر الظروف الأمنية والاقتصادية الخانقة.

اليوم، عادت العلاقات الكويتية الفلسطينية لكن بشكل أقل مما كانت عليه، خصوصًا على الصعيد الاجتماعي، فلا يزال شعور الريبة ملازمًا كما في العلاقات الكويتية العراقية. مع هذا، لم تتمكن الجالية الفلسطينية التي وُلدت وعاشت في الكويت من العودة إليها، وظلت في شتاتها الذي كُتب عليها منذ البداية.

العراقيون: «أنت الخصم والحكم»

فيلم مُصوَّر سرًّا يُظهر دخول الجيش العراقي إلى الكويت

أن تعيش في بلد، وتكون لك فيها عائلة، ولك على أرضها بيت ومنطقة أمان وأصدقاء وذكريات، ثم تجد نفسك فجأة توصف بالمحتل. هكذا عاش العراقيون في الكويت فترة الاحتلال: خوف مفاجئ تجاههم، كراهية، غضب، حيرة في التعامل.

هناك عراقيون شاركوا مع المقاومة المدنية للمحتل، وسقطوا قتلى في سبيل «الوطن» الذي يعرفونه، لا الذي يتبعونه بالاسم.

لم تكن الجالية العراقية في الكويت قبل الاحتلال صغيرة، بعض أفرادها هاجر للعمل وآخرون للاستقرار بعيدًا عن أعين السلطات البعثية. وكان الزواج من نساء عراقيات شائعًا في بعض الأسر الكويتية.

لكن السلطة البعثية في العراق كانت تعمل في الخفاء، فقد كشف بعض أفراد الجالية العراقية بعد الاجتياح انتماءهم للمخابرات العراقية طوال مدة إقامتهم في الكويت، وبدأت تحركاتهم مع تحرك الجيش العراقي، وتغيرت أزياؤهم من مدنية إلى عسكرية، وتقلدوا بعض المناصب وقدموا التقارير حول الشخصيات الكويتية بحكم احتكاكهم المباشر بها، حتى وصل الأمر إلى الساحة الفنية، إذ كُشف أن الفنانَين زينب الضاحي وصالح حمد، المعروف بشخصية «أمبيريك»، اللذَين شاركا في عديد من الأعمال الفنية الكويتية، تعاونا مع الاحتلال العراقي.

مريم، السيدة الكويتية صاحبة الثلاثة وستين عامًا، تذكر لـ«منشور» أن قريبتها ذات الأصل العراقي كانت تستفيد من ذلك للحصول على مواد غذائية وتسهيلات أكبر من الجنود العراقيين، فقد كان العبور من نقاط التفتيش صعبًا على الكويتيين لكنه أسهل على الجالية العراقية، سواء التي أتت مع قوات الاحتلال أو التي عاشت في الكويت من قبله.

المدهش أن صفحات المقاومة الكويتية تحمل في طياتها أسماء بعض العراقيين المشاركين مع المقاومة المدنية للمحتل، سقطوا قتلى في سبيل «الوطن» الذي يعرفونه، لا الذي يتبعونه بالاسم، منهم إبراهيم عبد الرزاق ناصر، الذي كان جزءًا من مجموعة «الصوابر»، وشارك في تنفيذ عمليات ضد الاحتلال اعتُقل على إثرها، وأُعدِم قبل حرب التحرير بأيام.

قد يعجبك أيضًا: وقائع التلاعب بذاكرة الكويت لكُره العراق

الآسيويون: «أنا خائفة»

إعلان فيلم «Airlift»

الجالية الآسيوية كانت الأقل حظًّا بين الأجانب في الكويت، إذ امتهن غالبية أفرادها أعمالًا منزلية، منهم السريلانكيون والبنغال والهنود والفلبينيون، الذين وجدوا مصاعب كثيرة في سبيل الخروج من الكويت، ومصاعب أكبر في مسائل التعامل مع المحتل.

في الفيلم الهندي المثير للجدل «Airlift» الذي أنتج عام 2016، يؤدي النجم «آكشاي كومار» دور البطل الذي أنقذ مجاميع من جالية بلاده في الكويت خلال الاحتلال، سواء بالطرق الدبلوماسية أو المعرفة الشخصية أو البطولة الفردية، وهو ما اعتُبر أكبر عملية إنقاذ جوي في التاريخ. لكن الفيلم مُنع عرضه في الكويت لأنه ينحاز إلى «وجهة النظر الهندية».

قد يهمك أيضًا: السينما الكويتية تكافح ضد محاذير الرقابة

بقي بعض الآسيويين للعناية بأصحاب عملهم من الرجال الكويتيين كبار السن، الذين لم يكن لهم قريب يعتني بهم.

«أنا خائفة، لا تتركيني أذهب». هكذا صارحت عاملة سريلانكية السيدةَ الكويتية «نادية» (اسم مستعار)، التي تعمل في منزلها، بعد أن بدأت الحرب.

نادية خيَّرت العاملة بين البقاء أو السفر، لكنها كانت تشعر بحيرة بالغة: «هل أتركها في بلد يخوض حربًا لا تعنيها، هل أترك أهلها يقلقون عليها، أم يجب أن أساعدها على الخروج؟ لكن كيف يمكنني إخراجها من بلد محاصَر؟». توضح نادية لـ«منشور» أن الفتاة آثرت البقاء في منزل يمثل لها الأمان، على المغامرة بمحاولة خروج غير مأمونةٍ نتائجها.

أما «سعاد» (اسم مستعار) فمواطنة كويتية تحكي أن قريبتها «سميرة» ضربت الفتاة الفلبينية التي كانت تعمل في منزلها وقت الاحتلال وطردتها، لأنها «أخبرت جنديًّا عراقيًّا أن زوج سميرة يعمل في الجيش الكويتي، وهي بحد ذاتها تهمة قد تؤدي إلى الاعتقال وربما الإعدام. سميرة فقدت عقلها لحظتها، ولا نعرف الظروف التي أدت إلى وشاية العاملة بصاحب عملها، لكن الغالب أنها كانت تحت ضغط وخوف شديدين».

اقرأ أيضًا: الخليج بعيون آسيوية

سعاد حكت لنا أيضًا أنه كان من الملاحَظ خلال الاحتلال وجود بعض سائقي السيارات الآسيويين، قرروا البقاء في الكويت للعناية بأصحاب عملهم من الرجال كبار السن الذين لا يوجد من يعتني بهم، خصوصًا أن الاجتياح زامن العطلة الصيفية، التي اعتاد كثير من الكويتيين السفر خلالها للسياحة: «أسر عديدة تركت بعض أفرادها في الداخل على أن العودة ستكون قريبة، دون أن يعلموا ما قد يجيء به القدر».

المصريون: «خلِّي السلاح صاحي»

الرئيس المصري حسني مبارك يدير التصويت على قرار إدانة احتلال الكويت في القمة العربية

«طرقتْ الباب علينا امرأة مصرية، أخبرتني بأنها تعمل ممرضة في دار رعاية الأيتام، وأنهم هناك قلقون على الأطفال من قوات الاحتلال، ثم طلبت مني أن أحتفظ بأحد الأطفال وأوراقه الرسمية ريثما يعرف العاملون في الدار مصير الأزمة». هكذا تحكي الكويتية «نورية» لـ«منشور».

احتفظت نورية بالطفلة، وقد عرفت أن ذلك يتكرر مع أكثر من عائلة. وبعد التحرير، طُلب منها إعادة الفتاة وأوراقها بعد أن عادت البلد، والدار بالتالي، للعمل. إلا أن قلبها كان قد تعلق بالطفلة، وأمضت الاثنتان ليلة فراق صعبة: «تبنيتها، كانت ابنتي ولم يمكنني التخلي عنها».

اقرأ أيضًا: ما فعلته نكسة 1967 بوجدان الخليجيين

كان موقف مصر الرسمي رافضًا لاحتلال الكويت، وكذلك الموقف الشعبي، فقد أسهم بعض المصريين في حماية الكويتيين ومساعدتهم، وعمل بعضهم في الطب والجمعيات التعاونية كلٌّ بحسب تخصصه، ورفض المعلمون منهم العمل في المدارس التي تديرها قوات الاحتلال، بينما غادر كثيرون الكويت خوفًا على حياتهم وحياة أسرهم، تاركين خلفهم كثيرًا من الأمان المالي والاجتماعي والذكريات.

عومل الأمريكيون في الكويت بطريقة «خاصة»، والكويتي الذي يتستر على أمريكي كان يُعدم فورًا.

حتى عام 2003، لم تكن عائلة المصري أحمد محمود الحطاب تعرف مصير ابنها. مر 13 عامًا منذ الاحتلال، حين كان أحمد يوزع المواد الغذائية في الكويت، ويشارك في عمليات ضد القوات العراقية.

اعتُقل الحطاب في الكويت، وعُذِّب ثم نُقل إلى سجن البصرة جنوبي العراق، وبعدها إلى أحد سجون العاصمة بغداد. تحررت الكويت وطافت حكومتها العالم تطالب بأسراها في السجون العراقية، ومن بينهم الأسرى غير الكويتيين الذين اعتُقلوا عشوائيًّا أو لمشاركتهم في المقاومة. لكن أحمد، كغيره من الشهداء، عُثر عليه بعد سقوط النظام العراقي عام 2003، في مقبرة جماعية في منطقة السماوة جنوبي العراق.

تسلمت عائلته رفاته، ودفنته في مقبرة صليبيخات في الكويت، البلد الذي مات من أجله.

تلك الجاليات لم تكن وحدها التي لها حكايات مع الحرب، فالأمريكيون في الكويت عوملوا بطريقة «خاصة»، والكويتي الذي يتستر على أمريكي كان يُعدم فورًا، فالعداء كان شديدًا بين أمريكا «الإمبريالية» والعراق حامي العروبة والواقف ضد الاستعمار، كما كان يخطب صدام حسين، وأَسْرُ مواطنين أمريكيين لا بد أنه صيد ثمين.

اللبنانيون أيضًا كانت لهم حكايات، فليست دعد الحريري استثناءً، وهي التي ساعدت في نقل الأسلحة والذخيرة إلى المقاومة الكويتية، وكذلك في بعض العمليات ضد الاحتلال مع مجموعة «السيد محمود رضا» في منطقة الرميثية. وُجدت جثة دعد في عام 2003، بجمجمة مصابة بطلق ناري في مقبرة جماعية في السماوة أيضًا.

أردنية تقود سيارتها فتلقى حتفها في قصف لقوات الاحتلال، وآخر يُقتل في اشتباك مع الجيش العراقي في مقر عمله برئاسة أركان الجيش الكويتي. حياة يومية عاشها أشخاص في حرب لا تعنيهم، وفي مقابل كل الخيارات المتاحة، كان لكلٍّ منهم تبريره للطريق الذي اختاره.


قصص مَن ذكرناهم مِن غير الكويتيين الذين قُتلوا خلال الاحتلال العراقي مصدرها موقع الديوان الأميري الكويتي.

شيخة البهاويد