كيف تشكِّلنا الحرب؟

«لفترة محدودة»: هكذا صارت الآثار العراقية في متناول الجميع

الدمار يظهر على آثار المتحف العراقي في بغداد - الصورة: Getty/ Mario Tama

هذا الموضوع ضمن هاجس «كيف تشكِّلنا الحرب؟». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


تعاقَب الغزاة على العراق عبر مختلف العصور، وحاول كل منهم النَّيل من واحدة من أقدم الحضارات في العالم، إلا أن ما شهدته البلاد خلال الغزو الأمريكي مَسَّ جانبًا قد يصعب علاج آثاره حتى بعد سنوات من انتهائه.

تحدَّث كثير من المحللين عن أن الغزاة الأمريكيين وضعوا النفط العراقي نصب أعينهم عند اتخاذ قرار الغزو، لكن نهب الآثار الناتج عن العمليات العسكرية في العراق يفوق الضرر الناتج عن سرقة النفط، فإن كان للنفط قيمة اقتصادية عالية، فالآثار لا تقدر قيمتها بثمن، بل تكمن قيمتها في أنها تمنح العراق هويته وتاريخه الذي لا يعوضه المال، وهو ما تناولته مجلة «The Atlantic» الأمريكية في تقرير لها.

العراق: نبيع الآثار على الإنترنت

الصورة: Osama Shukir Muhammed Amin

تعرِض مواقع التسوق تحفًا أثرية للجميع، والمعضلة هنا في سهولة إتاحة مثل هذه الكنوز للمشترين مع صعوبة التعرف على مصدرها.

شهد العراق عمليات سلب ونهب للآثار على مستوى غير مسبوق في الفترة التي أعقبت إنهاء حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين على يد القوات الأمريكية الغازية.

والآن، وبعد مرور 15 عامًا على سقوط صدام، بلغ عدد القطع الأثرية المنهوبة نحو 15 ألف قطعة، استعيدت سبعة آلاف منها فقط، فيما تظل ثمانية آلاف قطعة أخرى مفقودة. وللأسف، تلك الإحصائية تمثل مسروقات المتحف الوطني في بغداد فقط، وقد تكون إحصائيات ما سُرِقَ من باقي أنحاء العراق مفزعة أكثر.

لاحظ الخبراء نقلة نوعية في قضية سرقة الآثار العراقية والإتجار فيها، إذ إن القطع الأثرية المنهوبة أصبحت متاحة بشكل ملحوظ على مواقع التسوق الإلكتروني، والآن بإمكان الجميع أن يستمتعوا بجولة تسويقية بين مقتنيات حضارة بلاد الرافدين. وما سهَّل تداول تلك المقتنيات أن المواقع التي تعرضها لا تُلزم البائع بتقديم شهادة معتمدة ببيانات كل قطعة أثرية، مثل التي تأمر اليونسكو بإصدارها منذ عام 1970.

هناك عدد من النماذج لمواقع التسوق والمزادات الإلكترونية التي تعرض تحفًا أثرية في متناول الجميع، منها موقعا «Live Auctioneers» و«Trocadero»، اللذان يعرضان تحفًا أثرية تتراوح أسعارها بين 50 و400 دولار.

المعضلة الأساسية هي إتاحة مثل هذه الكنوز للمشترين من كل جنس، مع صعوبة شديدة في التعرف على مصدرها. فرغم أن المواقع تطلب من المستخدمين عدم عرض مقتنيات غير قانونية، فإنه لا يوجد ضامن حقيقي لذلك.

كنوز بسعر التراب

الصورة: Osama Shukir Muhammed Amin

معظم القطع الكبيرة التي نُهِبَت منذ 2003 أعيدت، لأن العراقيين الذين سرقوها أدركوا أنهم لن يمكنهم بيعها لأنها شهيرة جدًّا.

«أويا توبشوغلو»، أستاذة الآثار في جامعة نورثويستيرن الأمريكية، تقول لكاتب التقرير إنه من السهل تزييف مصدر معروضات المواقع الإلكترونية، فبإمكانك الادعاء أن جدك اشتراها في زيارته للشرق الأوسط عام 1928، وأصبحت في حوزة العائلة منذ ذلك الحين، أو تدَّعي أنها قطعة ضمن مجموعة امتلكها نبيل سويسري في فترة الخمسينيات، ولن يستطيع أحد إثبات صحة تلك الادعاءات أو خطئها.

أجرت أويا دراسة لتتبع مصدر كميات من المعروضات الأثرية على المواقع الإلكترونية، فوجدت أن معظمها بيع في لندن، التي ظلت لفترة طويلة مركزًا لتجارة آثار بلاد الرافدين، لكنها في الوقت ذاته أكدت صعوبة إثبات ما إذا كانت تلك التحف مسروقة من المتحف الوطني العراقي أم لا.

أحد أسباب ذلك أن عددًا من مسروقات المتحف نُهب من المخزن قبل دخول الجرد والتوثيق في السجلات. وما يزيد من صعوبة التحقق من ذلك أن المشتري لا يمكنه فحص جميع جوانب القطعة الأثرية على الموقع، فهو مقيد بالجانب الظاهر في الصورة المعروضة، ولا يمكنه التحقق من وجود الترقيم الخاص بالمتحف.

يرى عالم الآثار العراقي عبد الأمير الحمداني أنه في حين بلغ سعر القطعة الأثرية على الإنترنت 400 دولار، فإننا نجد أن سعر القطع الموثقة بشكل رسمي يصل إلى 400 ألف دولار، وليس السبب أن القطع رخيصة الثمن مزيفة، بل هي حقيقية في أغلب الأحيان، لكن مالكيها يريدون التخلص منها بسرعة لأنهم لا يملكونها بشكل قانوني موثق.

تتركز المشكلة في القطع الأثرية المسروقة صغيرة الحجم، إذ إن معظم القطع الكبيرة التي نُهِبَت منذ عام 2003 أعيدت، لأن العراقيين الذين سرقوها سرعان ما أدركوا أنهم لن يمكنهم بيعها لأنها شهيرة جدًّا، ففضل كثير منهم إعادتها والاستفادة في نفس الوقت من العفو القانوني الذي يضمنه المتحف لكل من يعيد قطعة أثرية مسروقة، بينما استعادت السلطات جزءًا آخر في الحملات الأمنية والجمارك، خلال محاولات اللصوص تهريبها إلى خارج البلاد.

أمريكا: القاتل يمشي في جنازة القتيل

الصورة: Christopher Marasky

ساعدت الإدارة الأمريكية على إعادة بعض القطع كبيرة الحجم إلى العراق، منها تمثال الملك السومري «أنتمينا» ملك لجش الذي يزن مئات الكيلوجرامات، لكنه أعيد بعد أن فُقِدَت رأسه، وكان قد سُرِقَ من بغداد في أعقاب الغزو الأمريكي، واكتُشِفَ وجوده في الولايات المتحدة عام 2006، وأعيد إلى وطنه في 2010. نفس الشيء حدث لتمثال الملك الآشوري «سرجون الثاني»، الذي اكتُشف في نيويورك عام 2008، وأعيد إلى العراق في 2015.

ونتيجةً لتلك الجهود، بلغ إجمالي القطع المستعادة من أمريكا إلى العراق بين 2008 و2015 أكثر من 1200 قطعة.

لم تقتصر الآثار السلبية للغزو الأمريكي على سرقة وتهريب القطع، بل أدى ذلك أيضًا إلى دمار مواقع أثرية بأكملها، ومنها سُرقت أعداد ضخمة من التحف، إضافة إلى مواقع في جنوب العراق دُمِّرَت في الفترة التي أعقبت دخول الأمريكان البلاد.

بلغ حجم السرقات من تلك المواقع في فترة ما قبل الغزو الأمريكي 13% من بين 1457 موقعًا أثريًّا، وارتفعت النسبة إلى 41% بعد الغزو عام 2003، وذلك بحسب عالمة الآثار «إليزابيث ستون»، التي استخدمت صور الأقمار الصناعية للمقارنة بين حال المواقع الأثرية قبل الغزو وبعده.

يوضح الحمداني أن الذنب يُلقى في الأساس على الغزو الأمريكي والعمليات العسكرية التي نفذها الغزاة، فالحرب أجبرت علماء وعمال الآثار على ترك عملهم ومصدر رزقهم الوحيد، وهو التنقيب عن الآثار، ودفعتهم بعد ذلك إلى العودة لتلك المواقع، لكن لبيع تلك الآثار التي كانوا يعملون على اكتشافها.

استغلال الدين لتبرير السرقة

الصورة: Sailko

ساعد على زيادة سرقات المواقع الأثرية انتشار فتوى مزيفة بأن سرقة الآثار غير الإسلامية وبيعها جائز شرعًا، وبخاصة إذا استُخدِمَت الأموال المكتسبة عن تلك التجارة في مقاومة الجيش الأمريكي.

ولإنقاذ الوضع، توجه عبد الأمير الحمداني، وهو عضو في مجلس الدولة العراقي للآثار والتراث، إلى المرجع الديني الكبير آية الله السيستاني، وأقنعه بإصدار فتوى رسمية تُحَرِّم السرقة من المواقع الأثرية.

للأسف لم تكن سرقة الآثار وتهريبها المشكلة الوحيدة التي تهدد التراث العراقي، بل تدمير الآثار التي بقيت أيضًا، ومن الأمثلة على ذلك بوابة عشتار التي بُنيت عام 575 قبل الميلاد.

ينقل التقرير عن دراسة أجراها المتحف البريطاني عام 2004 أن نحو 300 ألف متر من المواقع الأثرية دُمِّرت وشُوِّهت، من بينها مساحات استُخدِمَت لأغراض عسكرية أمريكية كمهبط للمروحيات وأماكن تجمع للسيارات.

يقول الحمداني إنه عند خروجه في دورية أمنية برفقة رجال المارينز الأمريكي في أعقاب الغزو، اكتشف سرقات مهولة، وتمكن بمفرده من استعادة نحو 30 ألف قطعة من اللصوص والمهربين في ثلاث سنوات. لو كان بإمكان شخص واحد استعادة هذا العدد، فكم ألف قطعة نجح اللصوص في تهريبها وبيعها؟

استخدام الوصف «مؤسف» لا يعكس الحالة التي وصلت إليها الآثار العراقية، لأن هذه البقعة من العالم شهدت ميلاد أحد أقدم الحضارات، وليست ملكًا للعراقيين وحدهم تخص البشرية جمعاء، ونهب ذلك التراث يعني نهبًا للعالم كله قد يصعب تدارك نتائجه.