عالمنا

جوزيف ستالين: ذات مرة كان الشيوعيون في السلطة

جوزيف ستالين أثناء حضوره احتفالًا بعيد ميلاده - بالصورة: Getty/Bettmann

يمثِّل ستالين قصة مثيرة لفرد استطاع التأثير في حياة الملايين والعالم. الشغف بحكم ستالين واتخاذه كمثال سلبًا أو إيجابًا، يشبه التعلق بحكم «أدولف هتلر» في ألمانيا، و«ماو تسي تونغ» في الصين، وجمال عبد الناصر في مصر، وصدام حسين في العراق.

فرد واحد ذو قدرة كاريزمية واسعة. استمر الاتحاد السوفييتي بعد وفاة جوزيف ستالين حتى سنة 1991، ورغم ذلك حظي ستالين بالقدر الأكبر من الجاذبية يتمثل لغز ستالين في سؤال كيف لشخص انطلق من فكر مثالي ينشد تحرير الإنسان أن يمارس الظلم؟ وهل كانت الشيوعية المنتِج لنظام ستالين نظرًا إلى مفردات العنف والحرب التي احتواها الخطاب الشيوعي، أم إن معضلة السلطة أنها يلزمها قدر من القسوة كما يحدِس كثيرون، وأن الجمهور لن يستمع أو ينصاع لشخص عقلاني، ولن تطاع أوامره؟ هل تتطلب السلطة تجاوز الحد وتصنع الجنون لترسيخ أركان الحكم؟

تتجسَّد المفارقة في تجربة الاتحاد السوفييتي بسحق المعترضين من الفلاحين، لم يصفق الجمهور، كلهم على الأقل، لشعار العمل لأجل خير جميع البشر، استُقبلت الحجة المنطقية للتعاون بروابط أقوى عند الفلاح والعامل والمواطن، وهي روابط أكثر قربًا من حياته اليومية كرابطة الأسرة والعائلة والقرية والقومية العرقية والدين.

مأزق الشيوعية في القرن العشرين أن أُسس الحياة العصرية لم تعد تقتصر على توفير الخبز والملبس، فالتقدم الصناعي والتكنولوجي خلق منتجاتٍ جديدة كالسيارات والآلات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية، وبات توفير هذه البضائع وإتاحتها للكل مهمة يصعب تنفيذها، ما أدى إلى خفوت صوت المناداة بالمساواة بين الناس وإجهاض الأمل بزوال الاحتياج للشرطة، وما زاد الأمر تعقيدًا هو الزيادة السكانية المضطردة، فصار حصول الفرد على منزل خاص يسكنه امتيازًا لا يقدر عليه الغالبية.

ليس من السهل إقناع الفرد بالعمل من أجل العائد الذي سيجنيه العالم بعد 50 أو مئة سنة، توجه الشيوعيون بجهدهم نحو أشخاص غير مرئيين مستقبليين وحدهم من سيقدرون إنجازاتهم، تولاهم زهد صوفي لخدمة شيء في علم الغيب.

القسوة كضرورة

تمكن ستالين من تحويل روسيا من بلد زراعي متخلف إلى دولة صناعية تناطح الدول المتقدمة وذلك عبر فترة وجيزة. إنجاز ستالين عزز تصوُّرًا عن أن القرارات الهائلة الحجم التي تظهر فظيعة وشديدة القسوة، شرط لا بد منه لبناء حضارة عظيمة.

في ثلاثينيات القرن العشرين أصدر ستالين أمرًا ببدء حملة واسعة استهدفت رفاقه في الحزب السوفييتي، صمم ستالين أن يقدم كبار القادة المتهمون اعترافاتهم بالخيانة أمام الشعب، لم كانت الاعترافات الشهيرة؟ ربما امتلك احترامًا للحق والصواب وحكم التاريخ، أو أن ما حدث كان خدعة من خدع العقل العقائدي الذي يتخيل المخالفين له شياطين مثلما حدث بين داعش والقاعدة، أو هي صدمة الثورات التي تجعل الفرد يضخِّم من حجم أي شيء يحدث حوله، ويظن أن بإمكان أي فعل صغير أن يقلب الأمور رأسًا على عقب.

فترة حكم ستالين الأساسية تدخل ضمن عصر ما بين الحربين العالميتين، استمر حكمه بعد الحرب العالمية الثانية بفعل القصور الذاتي، تُقدم أجواء الحرب الوشيكة المبرر للقادة لتضحية بتقاليد عهود السلام.

وقَّع ستالين بنفسه أوامر الإعدام لـ681,692 شخصًا من شرطته السرية خلال «عصر الإرهاب».

للتعرف أكثر إلى جوانب من حكم جوزيف ستالين نقدم قراءة لمقال نشرته مجلة «The New Yorker»، يتناول كتابًا عن سيرة جوزيف ستالين للمؤرخ «ستيفن كوتيكن»، أستاذ التاريخ في جامعة برنستون. ما يميز سيرة كوتيكن اهتمامها بتأثير الأيدولوجيا في العملية السياسية، واستنادها إلى وثائق سرية احتوتها أرشيفات الاتحاد السوفييتي، أتيح للباحثين مطالعتها مع بداية تسعينيات القرن العشرين، إثر زوال الاتحاد السوفييتي.

ستالين وثورة أكتوبر

الصورة: Azərnəşr

هل هناك فائدة من كتاب جديد عن حياة ستالين؟ قبل أن تُطرح أرشيفات الاتحاد السوفييتي للجمهور والباحثين منذ ثلاث عقود، حاول أفضل المؤرخين العمل على المصادر المتوفرة لديهم، ثم حاولوا ملء هذه الفجوات عبر التخمينات، بجانب بضعة تبصرات أصيلة، تضمَّن التخمين نظريات التحليل النفسي عبر الأطلسي، وطرح شكوكًا حول تأثير تربية ستالين في تكوينه.

جرى كبح جماح التخمينات مع فتح الأرشيفات وحسم الجدل حول عدد من أُطلِق عليهم الرصاص من شرطة ستالين السرية خلال «عصر الإرهاب»، وهو عصر استخدام ستالين للقوة المفرطة: 681,692 شخصًا.

أكدت الأرشيفات، بما لا يدع مجالًا للشك، أن ستالين هو الذي وقَّع أوامر الإعدام، رغم أن ذلك لم يغير بشكل جذري الآراء حول أي نوع من الأشخاص كان ستالين. عرفنا من الأرشيفات أن «البلاشفة» كانوا خلف الأبواب المغلقة مثلما ظهروا في العلن، كانوا «بلاشفة».

يحاول ستيفن كوتيكن أن يجيب عن سؤال رئيسي: هل النظام الوحشي خلقته شخصية ستالين، أم هذا النظام كان متضمنًا في الحركة البلشفية؟

يمكننا اعتبار كتاب ستيفن كوتيكن «جبل المغناطيس: الاستالينية كحضارة»، الصادر سنة 1995، حلقة جديدة في نزاع استمر لعقود بين مؤرخين، رأوا الاتحاد السوفييتي دولة مطلقة القوة، تطبق إرادتها على جمهور أعزل، من جهة، ومؤرخين آخرين، من جهة أخرى، رأوا مجتمعًا أكثر دينامية وسيولة بوجود جزء من الجمهور يساند النظام.

تأثرت النظرية الجامعة للضدين، والتي يمثل كوتيكن جزءًا من تيارها، بالفليسوف «ميشيل فوكو» الذي قضى عددًا من الفصول الدراسية في جامعة بركلي، حيث تخرَّج كوتيكن. جادل فوكو بأن السلطة لا تكون حصريًّا ولا رئيسيًّا في يد الدولة، لكنها مفككة وموزعة كالشبكة بين مؤسسات المجتمع.

حاول النظام الشيوعي فرض إرادته وأفكاره على الجمهور بالطبع، لكن من الناحية الأخرى كان الجمهور مشاركًا فعالًا ووسيطًا في المشروع. المفهوم المفتاحي في كتاب «الجبل المغناطيسي» هو «التكلم بلشفيًّا».

لم يعن كوتيكن بالتكلم بلشفيًّا الكلام الروتيني المستخدَم في معاملات الحكومة السوفييتية، لكن اللغة الثورية التي ركَّزت على عبارات مثل «بناء الاشتراكية» و«محاصرة الرأسمالية» التي استوعبها الجمهور، واستخدموها لفهم أنفسهم وحياتهم.

بعد صدور الكتاب بعقدين، يبدو أن كوتيكن غيَّر المجال، فاهتم بتأثير قادة السلطة هذه المرة، وألَّف سيرة عن ستالين مكونة من ثلاثة أجزاء، طُبع منها جزءان من نحو ألفي صفحة، يغطيان حياة ستالين منذ ولادته سنة 1878 إلى 1941، وينتظر خروج جزء ثالث يصحبنا في الحرب العالمية الثانية حتى وفاة ستالين سنة 1953.

يحاول كوتيكن في كتبه إجابة السؤال الفلسفي الرئيسي: هل النظام الوحشي خلقته شخصية ستالين، أم هذا النظام كان متضمنًا في الحركة البلشفية؟

ثائر لا راهب

ستالين شابًّا - الصورة: Public domain

ولد «جوزيف ستالين» في مدينة «غوري» في جورجيا، الواقعة آنذاك تحت حكم الإمبراطورية الروسية. أبوه مصلح أحذية سكير، انتهت علاقة الأب بالأم عندما كان ستالين في السادسة من عمره. هل ما ارتكبه ستالين من عمليات قتل جماعي يعود إلى هذه الأيام في جورجيا؟ تبدو الإجابة سلبية، فطفولة ستالين كانت طبيعية بالنسبة إلى هذا الوقت والمكان. نعم كان يضربه أبوه، لكن لم يكن ذلك غريبًا في سياقه. كان فقيرًا، لكنه حصل على معاونة الأقرباء والجيران الذين قدموا المساعدة، كان طالبًا بارزًا وقائدًا في المدرسة.

لم يكف ستالين الصغير (يصعب تخيُّل ستالين صغيرًا) عن الحركة في المعهد الكهنوتي، إذ تعرَّض للفصل بسبب سلسلة من المخالفات البسيطة، من ضمنها اكتشاف حيازته لمخزون من الأدب المعادي للنظام الملكي. ستالين اتخذ قراره أن يكون ثائرًا لا راهبًا، لكنه ظل طيلة حياته متعطشًا للقراءة. ومن هذا المعهد الكهنوتي، ارتفع ستالين في مراتب الحركة الثورية الجورجية، مثيرًا إعجاب «فلاديمير لينين» في المنفى الأوروبي، لجرأة مقالاته وتصديه للفصائل الاشتراكية المنافسة.

اقرأ أيضًا: بين الشيوعية والتعصب: كيف آمن لينين بالرأسمالية ثم انقلب عليها؟

كان لينين استراتيجيًّا لا يوجد مثله سوى مرة كل جيل، يهاجم عندما يدافع الآخرون، يذهب يمينًا حين يذهب الآخرون يسارًا، دون أن يغفل عن هدفه النهائيٍ.

إسهام ستالين الأساسي للحركة الثورية جاء من خلال مجهوده في العمل المنظم وكتاباته. خلق ستالين لنفسه أسلوبًا واضحًا تعليميًّا، وتمتع ببراعة في صياغة الأفكار المعقدة في شكل ثنائيات بسيطة وما يشبه القصص الشعبي. الملمح المعبر عن ستالين، أكثر من أي شيء، وصف شرطة قيصر روسيا السرية له: «حذر للغاية، شديد التنظيم، دائم التلفت حوله، مخلص بالكامل»، نشاطات ستالين الكثيرة أدخلته السجن عدة مرات، ونال حكمًا بالنفي إلى سيبيريا سنة 1913، والتي ظل فيها حتى انهيار نظام القيصر في فبراير 1917.

بعد رحيل القيصر أضحت روسيا «البلد الأكثر حرية في العالم» كما وصفها أحد المشاركين في الأحداث. بات المعتقلون السياسيون أحرارًا، وأزيلت القيود المفروضة على السكان اليهود، وتنفس الصعداء مواطنو بولندا وأوكرانيا والبلطيق وجورجيا من ذوي الميول الاستقلالية. كان الوضع مثلما عبر الناقد الأدبي الكبير «فيكتور شكلوفسكي»: أُعلن انتهاء العرض الروسي، وبدأ كل واحد في الإسراع بأخذ قبعته ومعطفه.

استطاع ستالين وقتها السيطرة على صحيفة «البرافدا»، لسان الحزب البلشفي، متبعًا أجندة معتدلة نحو الحرب ضد ألمانيا والعلاقة مع الأحزاب الاشتراكية. في إبريل عاد لينين إلى بطرسرج، وأعلن معارضته الراديكالية للحكومة وللاستمرار في الحرب العالمية. بعد عودة لينين بستة أشهر استولى العمال البلاشفة والجنود والبحارة على خطوط التلغراف والجسور، وأعلنوا سلطة السوفييت. في الأعوام الأربعة المقبلة يشن البلاشفة حربًا أهلية ضد جميع أعدائهم، شاملين الدول المستقلة حديثًا في الغرب والجنوب.

تساؤل كبير في الجزء الأول من كتاب «ستيفن كوتكين» يدور حول علاقة ستالين بلينين. أدى ستالين في ثورة أكتوبر دورًا مهمًّا، لكنه ثانوي بجانب الدور الأهم للينين وتروتسكي، كان لينين استراتيجيًّا لا يوجد مثله سوى مرة كل جيل، يهاجم عندما يدافع الآخرون، يذهب يمينًا حين يذهب الآخرون يسارًا، دون أن يغفل عن هدفه النهائيٍ.

تمتع الرجل الثاني (تروتسكي)، بقدرة عظيمة في الخطابة، ويعد من أفضل كتَّاب البروباغندا في القرن العشرين، وهو رجل رابط الجأش لا يهاب.

تولى «ليون تروتسكي» قيادة سوفييت بطرسبرغ (الهيئة الممثلة للعمال والجنود في عاصمة الإمبراطورية الروسية) في الأشهر الخطيرة التي سبقت الثورة، وبنى من الصفر الجيش الأحمر الذي أحرز النصر في الحرب الأهلية، يقول كوتيكن: «انقلاب البلاشفة كان يمكن منعه برصاصتين اثنتين، رصاصة لتروتسكي ورصاصة للينين»، لم يخصص كوتيكن أي رصاصة لستالين رغم أنه كاتب سيرته.

مع ذلك، فحين دعت الحاجة إلى إنشاء حزب واسع لإدارة دولة قوية، وجد لينين نفسه يعتمد أكثر فأكثر على ستالين. اتضح امتلاك ستالين لموهبة في الإدارة، من حيث رسم خطوط واضحة للسلطة، والقدرة على مخاطبة الحشود وتنظيمها. في سنة 1922، اخترع لينين مركزًا جديدًا لستالين خصوصًا: «الأمين العام للحزب الشيوعي».

قد يهمك أيضًا: أناركيو «الجيش الأسود»: جنود الثورة الروسية وضحاياها

وصية لينين

معارضو ستالين، يتصدرهم تروتسكي، لم يتوانوا عن تذكير ستالين بدوره الصغير في الثورة البلشفية، ولم يتوقفوا عن تذكيره بوثيقة للينين تعود إلى أواخر سنة 1922 وأوائل 1923. يوصى لينين في الوثيقة بعزل ستالين من منصبه، أملى لينين، أو كتب: «الرفيق ستالين جمع في يده سلطة دون حدود، حين صار الأمين العام، وأنا لست متأكدًا إن كان سيعرف دائمًا كيف يستخدم هذه السلطة بالحرص الكافي».

وفي إضافة للوثيقة، من الممكن أنها خرجت بعد مشادة بين ستالين وزوجة لينين «ناديجدا كروبسكايا»، كان لينين أكثر حسمًا: «ستالين وقح جدًّا، وهذا عيبه، بالرغم من قبول هذا بيننا، وفي التعامل معنا، نحن الشيوعيين، فإن هذا العيب لا يطاق، إذا احتل مركز الأمين العام».

يشكك كوتيكن في صحة الوصية، ويصفها بالمزعومة، ويدَّعي أن زوجة لينين «ناديجدا كروبسكايا» زيفتها. يحاجج كوتيكن أن لينين كان شديد المرض ليؤلف هذه الوثيقة بأي طريقة يمكن اعتبارها شرعية، ويرى أن ناديجدا كروبسكايا لا بد أنها فسرت خربشة لينين كأنها تقرأ «لوح ويجا». يجدر التنبيه أن كثيرًا من المؤرخين لا يتفقون مع كوتيكن في موقفه.

الجزء الأول من سيرة كوتيكن ينتهي سنة 1928، وستالين الذي تركزت في يده السلطة يبدأ رحلة إلى سيبيريا ليشرع في ما سيكون معركته ضد الفلاحين. من نفس المكان يبدأ الجزء الثاني، لكن ستالين الحَذِر الصبور، يظهر وقد صار خارجًا عن السيطرة.

يطرح كوتيكن في الجزء الأول أن ثورة أكتوبر كانت في الحقيقة ثورتين منفصلتين: ثورة في المدن واقتحام قصر الشتاء والكرملين، وثورة أوسع وقعت في الريف، ثار فيها الفلاحون ضد مُلَّاك الأرض الذين خضعوا لهم لقرون، واقتسموا الأرض فيما بينهم.

خلال الحرب الأهلية، شن البلاشفة غارات على الريف للحصول على المحاصيل الزراعية لدعم المجهود الحربي، ما أسفر عن مجاعة أودت بحياة الملايين في سنة 1921.

في أعقاب الحرب الأهلية، ابتكر لينين استراتيجية جديدة، قنَّن فيها بشكل جزئي، المشروعات الخاصة، وأبدى قدرًا من التساهل تجاه الفلاحين. كان لهذه السياسة نتائجها، فبعد مرور عشر سنوات على ثورة أكتوبر، كانت غالبية الأراضي تتبع الملكية الخاصة.

خلال العشرينيات، دعم ستالين هذه السياسة ليفرض عزلة على جناح «ليون تروتسكي»، لكن بعدما تجمعت القوى في يديه، أعلن رفضه تلك السياسة. خشى ستالين قرب اندلاع حرب أوروبية وشيكة، وتراءى له أنه من أجل النجاة، لا بد من أن تتحول روسيا المتخلفة إلى أمة صناعية. أعلن ستالين للجمهور الروسي سنة 1931: «نحن وراء الدول المتقدمة بمقدار خمسين إلى مائة سنة»، «علينا ردم هذه الهوة خلال عشر سنين، إما النجاح، وإما سيقضون علينا».

القسوة

ستالين (يمين) ولينين (يسار) -الصورة: Maria Ilyinichna Ulyanova

تطلبت القفزة الصناعية أن يقدم المزارعون للدولة المحاصيل الزراعية، وفق جدول زمني محدد، وكذلك تحويل عدد ضخم من المزارعين إلى عمال صناعيين.

خطط ستالين لإنشاء مزارع جماعية حديثة مميكنة على النمط الأمريكي، لتمد الدولة بالمحاصيل الزراعية الضرورية للاقتصاد، من أجل رفع معدل سرعة النهضة. جراء ذلك اضطر إلى أن يخوض معركة للقضاء على «الكولاك»، وهم الفلاحون الميسورون «الذين قد ينمون كطبقة رأسمالية، ويقضون على دكتاتورية البروليتاريا، لو لم نحطمهم كطبقة».

تسببت سياسات ستالين، التي تمثلت في قتل الماشية والاعتقالات الجماعية وإرغام الفلاحين على تقديم كميات ضخمة من المحاصيل، في أزمة غذائية.

مأساة سياسة الزراعة الجماعية القسرية لستالين تكشفت عبر مراحل. في صيف 1929، تدفق أكثر من 25 ألف من البلاشفة الشباب (الواعين سياسيًّا) من موسكو نحو الريف الوطني، طافحين بالحماس لإنشاء المزارع الجماعية الجديدة. استُقبِل البلاشفة الشباب في القرى بمقاومة شرسة، لم يرغب معظم الفلاحين في أن يتخلوا عن ماشيتهم، ويساقوا للمزارع الجماعية. في خطوة جماعية ذبح الفلاحون الحيوانات وأكلوها.

أُلقيَ القبض على من يسمون «الكولاك»، وحُكِمَ عليهم بالنفي. وفي بعض الأحيان جرى إعدامهم، ومصادرة ممتلكاتهم، واتسع للغاية تعريف «الكولاك»، فليس من المعقول وجود مليونين من الفلاحين الميسورين، في الاتحاد السوفييتي الفقير، في أواخر عشرينيات القرن العشرين. ورغم ذلك، هذا هو رقم من ألقي القبض عليهم.

مع ختام سياسة الزراعة الجماعية، كانت النتيجة أن خمسة ملايين شخص لم يعودوا «كولاك».

تسبب قتل الماشية والاعتقالات الجماعية وإرغام الفلاحين على تقديم كميات ضخمة من المحاصيل، في أزمة غذائية، توسل الرؤساء المحليون والإقليميون إلى ستالين ليخفض الحصة المطلوبة من المحاصيل، لكنه كان شديد الصرامة معهم.

آمن بأن الفلاحين يحجبون الحبوب عنه، وبعد الحصول على الحبوب بالضرب والتعذيب، ظل ستالين يؤمن بوجود مزيد من المحاصيل. أخذ السكان يتضورون جوعًا، وعندما أرادوا مغادرة القرى إلى المدن، حيث تحولت محاصيلهم إلى خبز، منعتهم فرق مسلحة. عندما ذهبوا لاقتحام صوامع الحكومة، حيث تُخَزَّن حبوبهم، أُطلق الرصاص عليهم: الآباء والأبناء معًا.

قبل أن ينقضي «عصر الإرهاب»، مات ما يقرب من خمسة ملايين إلى سبعة ملايين من الجوع والمرض، قرابة أربعة ملايين من الضحايا كانوا من أوكرانيا، حيث صاحبت المجاعة اعتقالات وإعدامات لطبقة المثقفين الوطنية.

قد يعجبك أيضًا: موت ستالين: رثاء ساخر للديكتاتور

«عصر الإرهاب»

جوزيف ستالين - الصورة: Materialscientist 

ستالين في سيرة كوتيكن شخص مواظب على العمل، لا يتعب من القراءة، ليس للكتب فقط، ولكن لتقارير لا نهاية لها من وزرائه ومندوبيه، والأهم من ذلك تقارير من شرطته السرية.

يقارن كوتيكن ستالين إيجابيًّا مع «موسوليني» الشهواني وهتلر الذي ينام متأخرًا. يقول كوتيكن: «يندهش المرء من كمية التعليمات التي يأمر بها ستالين وعدد المجالات التي يتدخل فيها»، فمثلًا كان يقر حصة المحاصيل خلال سياسة الزراعة الجماعية أو يرفضها، يقرأ الروايات ويحضر المسرحيات، ويقترح تعديلات لأفلام جديدة. كذلك عدَّل ستالين من قواعد استجواب المتهمين من أعداء الشعب، فألح على حرية أوسع للاستجواب وطرق استخراج المعلومات.

كان لدى ستالين هوس بكيفية عمل الدولة، فاستمر في قراءة لينين والجدال معه داخل عقله.

بينما كان الغرب يضربه الكساد العظيم، كان الاتحاد السوفييتي يتطور صناعيًّا بسرعة محمومة. خطة الخمس سنوات التي وضعت المهمات أمام الاتحاد السوفييتي، كانت حافلة بالمبالغات والخيالات، لكن السوفييت بنوا فعلًا صناعة حديد وصناعة سيارات.

حفر السوفييت القنوات والسكك الحديدية، واستخرجوا معدن «النيكل» من القطب الشمالي والذهب من الشرق الأقصى والفحم من منطقة الدونباس، بواسطة عمال بأجور زهيدة يعيشون في خيام وأماكن نوم بائسة. جرى العمل بقدر عظيم من عدم الكفاءة وخسارة الأرواح، لكنه أُنجز في النهاية. انطلق الاتحاد السوفييتي في صناعة الجرارارت والدبابات والطائرات، وعندما آن الأوان استطاعوا أن يغيروا مجرى الحرب.

العامل الأهم بالنسبة إلى ستالين، وجود خصوم له داخل الحزب. كان لستالين معارضون لأنه لم يكن لينين، فلم ينشئ وحده حزبًا ثوريًّا، ثم أوصله إلى السلطة في أكبر بلد في العالم. وحدث أن وقع ستالين في أخطاء، فقد راح يحرض على أن يحتل الجيش الأحمر مدينة لفيف في 1920، ما أدى إلى خسارة بولندا، ودعا الشيوعيين الصينيين إلى التحالف مع «الوطنيين»، ما تسبب في موت الآلاف. أما خطأ ستالين الأكبر، فكان رفضه أن تتحالف أحزاب الشيوعيين الأوروبيين مع الاشتراكيين الديمقراطيين، ما نجم عنه وصول أدولف هتلر إلى السلطة. يؤكد كوتيكن: «ليس في أي انتخابات حرة وعادلة، كان للنازيين الفوز بأصوات أكثر من الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين مجتمعين».

فوق هذه الإخفاقات، تظل مشكلة حكم بلد بهذه الضخامة. كان لدى ستالين هوس بكيفية عمل الدولة، فاستمر في قراءة لينين والجدال معه داخل عقله. ستالين هو الحاكم لبلد شاسع.

تطور «عصر الإرهاب» عبر مراحل، أول الضحايا كانوا قادة الصف الأول الذين ساندوا معارضة تروتسكي أو من لم يوفقوا في دعم سياسة المزارع الجماعية، جرى اتهام المعتقلين بالتخطيط لاغتيال ستالين أو العمالة لجهات أجنبية.

تعرض المتهمون لعمليات تعذيب، فأجبروا على البقاء لأيام معلقين من أقدامهم، يتلقون اللكمات والضرب بالعصي والمصابيح. مات بعضهم من التعذيب أو صاروا عاجزين، نجا آخرون ورُحِّلُوا إلى «الغولاغ». مشاهير الصفوف الأولى في الحزب البلشفي تعرضوا لمحاكمات علنية بغيضة، وأخبار هذه المحاكمات راحت تترجم وتنطلق إلى أنحاء العالم، تعجَّب اليساريون في الغرب لماذا يعترف البلاشفة القدامي.

بعد ذلك، قال «فياتشيسلاف ميخائيلوفيتش مولوتوف»، المعاون المخلص لستالين، عن عمليات التطهير: «من المشكوك فيه أن هؤلاء الأشخاص كانوا جواسيس، لكنهم كانوا متصلين بجواسيس، والأمر الأهم أنه في اللحظة الحاسمة لم يكن من الممكن الاعتماد عليهم».

ارتياب النظام من المعارضة كان آلية قتل تتغذى على نفسها، فكلما زاد طغيان ستالين انتابه مزيد من الشك في من حوله، وكلما زاد احتمال انفصالهم عن ستالين، صار مضطرًا للاستمرار في القتل، وإلا لن يكون في مأمن مطلقًا. «عصر الإرهاب» الذي ابتدأ في أوائل 1937 انتهى في خريف 1938 بإقالة «نيكولاي يزوف»، رئيس عمليات التطهير، لاتهامه بارتكاب تجاوزات، وأُعدِم في النهاية.

هتلر يمد يده إلى ستالين

أدولف هتلر - الصورة: Roto3'14

بعد الحرب العالمية، عززت روسيا من سيطرتها على أوروبا الشرقية، وخرج ستالين أقوى مما كان عليه، وكان واضحًا عزمه الاستمرار على النهج الذي وضعه.

يوضح كوتيكن أن ستالين كان يرى أن «تشامبرلين»، رئيس وزراء بريطانيا وقتها، خياره الأول، وليس هتلر.

أرسل ستالين بنودًا مفصلة إلى بريطانيا بغية التحالف العسكري، المؤسف أن تشامبرلين لم يبد اهتمامًا بالعرض.

ضجرًا من انتظار استجابة بريطانيا لمناشداته، استضاف ستالين «يؤاخيم فون ريبنتروب»، وزير الخارجية الألماني، في موسكو، وعلى عجل وقَّعا اتفاقية تقضي بعدم الاعتداء وتشكيل حلف شرق أوروبا. حمل الاتفاق توقيع يؤاخيم فون ريبنتروب ووزير خارجية ستالين «فياتشيسلاف ميخائيلوفيتش مولوتوف».

لم يمر أسبوع حتى عبَر جنود هتلر الحدود البولندية، ثم بعدها بأسبوعين عبَر الجيش الأحمر الحدود البولندية من الناحية الأخرى. كانت هذه بداية النهاية للحرب العالمية الثانية، وارتباك القوات الألمانية في الصقيع الروسي. بعد الحرب العالمية، عززت روسيا من سيطرتها على أوروبا الشرقية، بفضل مجهوداتها في الحرب. خرج ستالين أقوى مما كان عليه، وكان واضحًا عزمه الاستمرار على النهج الذي وضعه.