كيف تشكِّلنا الحرب؟

الشتات الفلسطيني: الجزء الثالث من شهادة شفيق الغبرا على غزو العراق للكويت

التصميم: شذى عبد العال - منشور

نُشر هذا المقال باللغة الإنجليزية بعنوان «شاهد عيان على الاحتلال العراقي للكويت» في مجلة «دراسات فلسطينية» ديسمبر 1990، ونعيد نشره في «منشور» على ثلاثة أجزاء لأول مرة باللغة العربية لأهمية هذه الشهادة، وذلك بترجمة الزميل محمد جمال.

رابط الجزء الأول.

رابط الجزء الثاني.


في أيام الغزو الأولى، انقسم المجتمع الفلسطيني في الكويت. اقتنع أغلبهم من اللحظات الأولى أن الاحتلال كارثة. يرجع هذا لأن المجتمع الفلسطيني في الكويت كان الأغنى بين مجتمعات الشتات الفلسطيني، ومنهم مسؤولون حكوميون ومصرفيون وقادة ورجال أعمال ومهندسون ومدرسون وأطباء، ولد كثير منهم وكبر في الكويت. أدى الرخاء الذي عرفوه والحريات التي تمتعوا بها والدعم الحكومي للقضية الفلسطينية، إلى أن معظمهم ظلوا مخلصين للكويت. 

لكن فئة من ذلك المجتمع لم تستطع تصديق أن للعراق نوايا خبيثة، وآمنت بأن أيديولوجية العراق القومية العربية لا بد أنها تهدف إلى صالح الأمة. اعتقد البعض أيضًا أن أي تغيير في الوضع الراهن سيؤدي دون شك إلى التغير للأفضل في الشرق الأوسط. دعَم هذه المشاعر المعاملة الحسنة نسبيًا التي تلقاها الفلسطينيون في نقاط التفتيش خلال الأسابيع الأولى.

هذا السلوك من بعض الفلسطينيين أسهم في توتر العلاقة مع الكويتيين، لكن التأثير السلبي الحقيقي كان نتيجة لأفعال منظمة التحرير الفلسطينية خلال الأزمة، بما فيها زيارة ياسر عرفات لصدام بعد الغزو بيومين، وتصويت المنظمة ضد قرارات جامعة الدول العربية في 10 أغسطس. وبينما رفض بعض قيادات المنظمة الغزو بشدة وأعلنوا تضامنهم مع الكويت، مثل خالد وهاني الحسن وجويد الغصين، ظهر كثير من القيادات الأخرى، بما فيهم فاروق القدومي وياسر عبد ربه وجورج حبش وأبو العباس، على التلفزيون العراقي الذي شاهده الجميع في الكويت، وعبروا عن تضامنهم مع العراق وشجبوا الولايات المتحدة.

لم يكن هناك أي ذكر لانتهاكات حقوق الإنسان في الكويت، ولم يُطرح سؤال عن أزمة الكويت إلا مع اقتراحات مقترنة وتقاطعها بقضايا أخرى غير محلولة في المنطقة. 

بعد قمة القاهرة في 10 أغسطس، اتخذ التيار الرئيسي من حركة فتح في الكويت وقفة مستقلة عن الموقف الرسمي، ووزع منشورات تدين الاحتلال وسياسته بشدة.

أصدر المجتمع الفلسطيني أربعة كتيبات فلسطينية مستقلة معادية للاحتلال في تلك الفترة، وضغط أعضاء منظمة التحرير وفتح في الكويت على قيادات المنظمة في تونس وبغداد لتغيير موقفهم. لهذا أرسلت الإدارة العراقية مئتي عضو من التنظيم الفلسطيني المدعوم عراقيًا (جبهة التحرير العربية) إلى الكويت، لترهيب المجتمع الفلسطيني وأفراد منظمة التحرير المحلية والسيطرة عليهم. كان أغلب أفراد جبهة التحرير ميليشيات مسلحة من العراق، ومنهم من شارك عبر نقاط التفتيش ومراكز الشرطة في زيادة توتر الفلسطينيين في الكويت.

نتيجة لضغط قيادة منظمة التحرير في تونس، انسحب أفراد الجبهة من نقاط التفتيش، لكنهم استمروا في ترهيب المجتمع الفلسطيني. توقف كثير من النشطاء الفلسطينيين في الكويت عن الذهاب إلى مكتب منظمة التحرير الفلسطينية، اتقاءً لمضايقات جبهة التحرير العربية.

من المسائل التي فاقمت التوتر بين الكويتيين والفلسطينيين الإضراب عن العمل، إذ دعم 70% من الفلسطينيين المتبقيين في الكويت الإضراب، بما فيهم العاملين في القطاع الخاص. لكن التهديد بضياع المدخرات وخسارة المعاش التقاعدي كان مخيفًا بين الفلسطينيين الأفقر. وكانوا أيضًا بلا حيلة أمام التهديد بالترحيل. العاملون بالحكومة هم أكثر من عانى في تلك الأيام، وكثير منهم اضطر للتوقيع في محل عملهم في سبتمبر. لم يؤدِّ أغلبهم أي عمل حقيقي، ببساطة وقعوا وعادوا لبيوتهم.

بعضهم خرب الوثائق وأجهزة الكمبيوتر لمنع العراقيين من الاستفادة منها. لكن هناك أيضًا حالات لبعض الموظفين الفلسطينيين الذين تصرفوا بناءً على تعليمات عراقية، واتصلوا بزملائهم الكويتيين في منازلهم داعين إياهم للعودة إلى العمل. تلك كانت حالات استثنائية، لكنها زادت دون شك من شدة التوتر كونها جاءت في قلب الأزمة.

مسألة التعليم أيضًا زادت الانقسام. فبينما قاطع الطلبة الكويتيون الجامعة، سجل عدة مئات من الفلسطينيين أسماءهم في قوائم الطلاب. بالإضافة إلى أن مئات المعلمين الفلسطينيين شاركوا في محاولة فتح بعض المدارس مرة أخرى، خلال مقاطعة المدرسين الكويتيين للإدارة العراقية للمدارس. وفُتح نحو 12 مدرسة مؤقتًا من بين مئات المدارس التي بقيت مغلقة.

ومع ذلك سرعان ما اتضح أن الفلسطينيين بشكل عام لم يتقبلوا ولم يتعاونوا مع الوضع الجديد الذي مثّله الغزو العراقي. ونتيجة لذلك، طرد وزير التربية العراقي 3 آلاف مدرس فلسطيني خلال النصف الثاني من سبتمبر، واستمرت إقالة الفلسطينيين من قطاعات أخرى طوال شهر أكتوبر. مارس العراقيون أيضًا ضغطًا كبيرًا على مكتب منظمة التحرير في الكويت، الذي رفض تنظيم مظاهرات ومسيرات فلسطينية تدعم العراق.

لم تكن هناك مظاهرة فلسطينية بشأن الأزمة إلا واحدة في صف الكويت، تلك كانت في حولي، ولوَّح المتظاهرون فيها بصور الأمير بعد الغزو بثلاثة أيام. وفي أكتوبر، طالبت السلطات العراقية ممثل منظمة التحرير الفلسطينية بمغادرة الكويت، وكادت أن تقطع الكهرباء عن المكتب.

برغم التوتر، كان هناك كثير من التعاون بين الكويتيين والفلسطينيين. في المناطق السكنية والأحياء المشتركة، ساعدوا بعضهم البعض وتشاركوا الطعام والضروريات. لعب أفراد القوة الإسلامية الفلسطينية مثل حماس أدوارًا محورية في مساعدة المتطوعين الكويتيين على نقل الطعام من المخازن إلى التعاونيات الكويتية سرًا. وكما ذُكر من قبل، ساعد الفلسطينيون في الحفاظ على أنظمة الكهرباء والمياه لتعمل بكفاءة، وساعدوا زملاءهم الكويتيين في توفير الخدمات الطبية الأساسية، وتطوعوا للعمل مع الكويتيين في المخابز ومختلف الخدمات.

شارك الفلسطينيون أيضًا في المقاومة الكويتية، التي استمرت حتى الأسبوع الثاني من الشهر الثالث، وإن كانت بوتيرة أبسط. وشاركوا كذلك في إخفاء الأسلحة والمتفجرات ونقلها إلى المقاومة. عندما أُلقي القبض على المسلحين الذين نفذوا إحدى أكبر العمليات الناجحة في أكتوبر، وهي تخريب طائرة عراقية تحمل عدة رجال من المخابرات وقائد الحرس الجمهوري بينما تغادر المطار، اتضح أنهم من خلية كويتية فلسطينية مشتركة. في الواقع، اتضح أن عددًا من خلايا المقاومة التي وقعت في أكتوبر كانت مزيجًا من الفلسطينيين والكويتيين.

الخروج

في ظل حالة الهلع خرج من الكويت أغلب الجنسيات الأجنبية في أغسطس، وفي نفس الوقت أغلب الفلسطينيين (المستقرين أكثر من باقي المجتمعات الاجنبية في الكويت) والكويتيين الذين كانوا في البلد وقت الغزو ولم يخرجوا في المرحلة الأولى. لكن في سبتمبر، وخاصة في أكتوبر، شرعت أعداد كبيرة من الفلسطينيين والمواطنين الكويتيين المتبقين أيضًا في المغادرة. 

وبإضافة هذا إلى الخوف من التعرض للاعتقال والإعدام أو التجنيد المحتمل أو الابتزاز، شُلَّ الاقتصاد تمامًا، وصار نقص الغذاء مسألة خطيرة، والرعاية الطبية من صعبة إلى أصعب. إيجاد قطع الغيار، ناهيك بعمال التصليح، صار ضربًا من المستحيل، فصار المجتمع كله مفلسًا بلا دخل.

بدأ بعض الناس بيع سياراتهم وأجهزتهم الكهربائية في أسواق عشوائية لأي شخص يحمل بعض النقود، ولو حتى للعراقيين الذين جاءوا من موطنهم لشراء منتجات رخيصة. في نوفمبر لم تكن حاويات الصرف الصحي العملاقة تحت الأرض، والتي تختزن كل الصرف الصحي، قد فُرغت من محتوياتها منذ فترة طويلة بسبب تعطل المضخات. تلك الحاويات امتلأت إلى مستويات غير مسبوقة.

وهكذا، مع حلول ديسمبر، نزل تعداد المقيمين في الكويت إلى نحو 120 ألف كويتي وتقريبًا مثلهم من الفلسطينيين، بالإضافة إلى عدة آلاف من مجتمعات أخرى. من بين 1.8 مليون هم سكان الكويت قبل الغزو، لم يبق إلا 300 ألف بين مواطن ومقيم.

للمغادرة، كان على الفلسطينيين والأردنيين الخروج إلى الأردن عبر العراق. اضطروا لرشوة المسؤولين العراقيين فقط ليسمحوا لهم بأخذ أثاث بيوتهم معهم. اضطروا لدفع الرشاوي في كل نقطة تفتيش بعد مغادرة الكويت. سُجلت بعض الحالات التي هاجمت فيها مجموعات مسلحة المسافرين على طريق العراق الجنوبي وسرقت متعلقاتهم وذهبهم وحتى سياراتهم. وتحول فلسطينيو الكويت من الأغنى في الشتات الفلسطيني إلى الفقر المدقع.

أما الكويتيون فقد سُمح لهم، أو بمعنى أدق ضُغط عليهم، للمغادرة في قوافل عبر السعودية بداية من منتصف سبتمبر. لكن على الحدود، كثيرًا ما أعادوا الذكور بين 17 و45 عامًا، واعتقلوا كثيرًا من الشباب. أما من سمحوا لهم بالمرور فقد كان عليهم التخلي عن بطاقات هويتهم ومجوهراتهم ونقودهم للمسؤولين العراقيين على الحواجز الحدودية. هؤلاء أُجبروا أيضًا على توقيع أوراق تعلن تخليهم عن كل ممتلكاتهم القابلة وغير القابلة للنقل في الكويت. لكن في النهاية توقف العراقيون عن تلك الممارسة الأخيرة، تقريبًا لافتراضهم أن الممتلكات في الكويت صارت لهم على أي حال طالما معهم بطاقات الهوية.

لتجنب دخول الأراضي السعودية دون بطاقات هوية ودون الذكور من الأسرة، سعى الناس لإيجاد طرق أخرى للخروج. قاد الكثير من العائلات الكويتية سياراتهم عبر الحدود الإيرانية، باستخدام بطاقات هوية وفرها لهم الإيرانيون. سُمح للقوافل بالمرور بعد رشوة نقاط التفتيش العراقية. لكن مع منتصف أكتوبر قطع العراقيون ذلك الطريق، وسُجلت حالات اعتقال شباب ومصادرة ذهب وترك عائلات لأيام في العراء. ومع نهاية أكتوبر، أغلقوا ذلك الطريق تمامًا.

كانت هناك طريقة أكثر خطورة، وهي العبور إلى السعودية عبر المساحات الواسعة من الحدود الخالية من الحراسة. وبرغم المخاطر الهائلة، أخذ الكثيرون هذه المغامرة. قُتل بعض منهم برصاص الجنود، وقتلتهم الصحراء التي أضاعوا طريقهم فيها. وامتلأت المناطق الحدودية بالسيارات العالقة في الرمال.

رغم شعوري بانعدام الأمان إن بقيت، فإني ترددت في الخروج. أقنعت زوجتي أن تأخذ طفلتينا الصغيرتين إلى واحدة من طائرات الإخلاء الأمريكية المتوفرة للأسر التي ترعى أطفالًا ولدوا في أمريكا. غادروا الكويت في منتصف سبتمبر، لكنهم حُجزوا لأسبوعين في بغداد بينما يحاولون الحصول على وثائق تسمح لهم بالخروج، بما أن الكويتيين، وقد صاروا عراقيين بحكم قانون الإحتلال، لا يُسمح لهم بمغادرة العراق. 

إن السفر رغمًا عن أنف المرء، وترك الوطن والأصدقاء والأحبة والبيت، هو أمر في غاية الصعوبة. كمواطن كويتي من أصل فلسطيني، يجعلني السفر لاجئًا من الجيل الثاني. صار والداي لاجئين في 1948، ورغم أني ولدت ونشأت في الكويت، فإن ذكرياتهم صاحبتني طوال حياتي. وفي عام 1990 مررت بتجربتهم مرة أخرى مع أسرتي، لكن هذه المرة مع عدو يتحدث العربية ويلوي مفاهيم القومية العربية والإسلامية والمسألة الفلسطينية على لسانه.

بعد عدة محاولات فاشلة للخروج من العراق للأردن، استطعت الخروج من خلال مساعدة مهرب عراقي، وقد رتب أوراق ثبوتية لشخص آخر من جنسية عربية لأستطيع الخروج. ومع نهاية أكتوبر، بعد رشوة ضابط عراقي من خلال المهرب، عبرت إلى الأردن، وتركت خلفي «جمهورية الخوف». امتزج ارتياحي بحزن شديد، وبقيت ذكرى كل ما حدث تطاردني.