عالمنا

سعد الحريري: فشل التحدي الأول

سعد الحريري - الصورة: Getty/Anadolu Agency 

 اعتاد اللبنانيون، طوال عقود، الإنصات لعدة عبارات تحمل نفس المعنى، تصف واقع الحال السياسي فيه: لحظة فارقة، حالة حرجة، المنعطف الذي يمر به لبنان، إلخ. وهذا صحيح، ويمكن الذهاب أحيانًا أبعد من ذلك، يمكن أن نصف تاريخ لبنان المعاصر بأنه «لحظة حرجة طويلة». فذلك البلد الذي يعد من أصغر البلدان العربية لم يبرح حالة الاستعداد العسكري/السياسي التي أعلنها منذ ما يزيد عن 40 عامًا.

كان ذلك بسبب ما يمثله من ثقل جيوسياسي في العالم العربي، وتحديدًا بعد خروج مصر من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي بعد كامب ديفيد (1979)، أعقبها ذلك توقيع ياسر عرفات اتفاقية «أوسلو» (1993)، ثم اتفاقية «وادي عربة» (1994) بين الأردن وإسرائيل، وحالة الهدنة غير الرسمية، والحرب شبه الباردة بين دمشق وتل أبيب.

بقي لبنان في ظل هذا الوضع: الأخ الأصغر العنيد، الرافض لإملاءات أشقائه «الكبار» المُصِرِّينَ على إخضاعه. لذلك كان لبنان دومًا جالسًا قبالة فوهة النار طوال الحقب الماضية.

14 آذار 2005: «اللحظة» مجددًا

مظاهرات 14 مارس 2004 في لبنان - الصورة: Aboluay

بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 2005 تَشكَّل تحالف «الرابع عشر من آذار» من التيارات المناهضة للوجود السوري في لبنان (تيار المستقبل، والحزب التقدمي الاشتراكي، والقوات اللبنانية «المؤسسين»)، وكانت أبرز مطالب هذا التحالف إنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان، وتشكيل لجنة تحقيق دولية لكشف ملابسات اغتيال الحريري.

ورث سعد الحريري إمبراطورية مالية من أبيه، وتيارًا سياسيًّا (بمريديه) عمل رفيق الحريري على حشدهم منذ ثمانينيات القرن العشرين، بداية من مؤسساته التي أسسها في المملكة العربية السعودية (سعودي أوجيه، ومدارس نجد الأهلية، وغيرها)، ومنصات التوجيه الإعلامي التي أنشأها بعد الحرب في لبنان (قناة المستقبل وجريدتها)، والمؤسسات الاقتصادية الأخرى، مثل شركة «سوليدير» وغيرها. إضافة إلى هذه الظروف أن رفيق الحريري باغتياله أورث ابنه حالة تعاطف غير مسبوقة منذ اتفاق «الطائف» مع أحد الزعماء السياسيين في لبنان.

وعليه، نجد أن سعد الحريري لم يبذل مجهودًا في بناء شيء من المجد السياسي والمالي الذي يحظى به، بل حتى «الإنجاز» الذي يُحسَب له (في بعضه)، وهو تطبيق جزء من القرار الأممي (1559) الذي ينص على خروج القوات السورية من لبنان، كان إعداده مع انطلاق حرب المحافظين الجدد في الولايات المتحدة على الارهاب بعد هجمات سبتمبر 2001 .

2014-2016: مخاضات للحظة جديدة

تمام سلام - الصورة: Bundesministerium für Europa

خاض سعد الحريري انتخابات 2005 وهو تام الجهوزية: دعم إقليمي من محور بدا أنه يسيطر على العالم من جديد، خصم في حالة توجس مما قد تُلحقه به «الحرب على الإرهاب»، تعاطف شعبي، أموال، مؤسسات حكومية وخاصة تحت دائرة نفوذه.

حقق سعد حينها اكتساحًا جعله يحافظ على بقاء تيار المستقبل على سدة رئاسة الوزراء، متمثلة في وزير المالية لدورات عديدة، والنائب في حينها فؤاد السنيورة. استمرت حكومة السنيورة إلى 2009، وهي نفس الحكومة التي أشرفت على انتخابات العام نفسه، والتي أتت بسعد الحريري رئيسًا للحكومة في 2011.

في 12 يناير 2011 فقدت حكومة الحريري نصابها الدستوري بعد استقالة 11 وزيرًا من المعارضة على خلفية عدم استجابة رئيس الحكومة لطلب عقد جلسة لمواجهة المحكمة الدولية (المحكمة الدولية المُشَكَّلة للبت في قضية اغتيال رفيق الحريري). بعد سقوط حكومته خرج الحريري من لبنان، وعاش بين السعودية وفرنسا حتى 2014.

لم تقف خيبات أمل الحريري عند استعادة الأسد للسيطرة على معظم سوريا، بل استمرت مع توقيع أمريكا الاتفاق النووي مع إيران.

في غياب الحريري عن لبنان تولى شخصان رئاسة الحكومة: نجيب ميقاتي (2011-2014)، وتمام سلام (2014-2016). ومع بداية حقبة تمام سلام استجد أمران مهمان: فراغ رئاسي نتيجة انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، وانهيار أسعار النفط.

صاحَب هذا الانهيار أزمة مالية شديدة للحريري، لأن أضخم مشروعات المقاولات التي ينفذها كانت في السعودية التي تأثرت ميزانيتها بهذا الانهيار. شكَّل الانهيار أزمة، لأن بعض مريدي الحريري يعتمدون على فرص العمل والخدمات الاجتماعية التي يؤديها لهم، وهو ما أصبح صعبًا في ظل الأزمة الاقتصادية.

استمر الفراغ الرئاسي عامين ونصف، وكان الحريري طوال فترة الفراغ يراهن على سقوط الرئيس بشار الأسد، الذي بالضرورة سيُضعِف الحليف اللبناني للأسد (حزب الله)، وبالتالي سيتمكن سعد من  تسمية مرشحه للرئاسة النائب سمير جعجع رئيسًا للجمهورية.

كل هذا لم يحدث، فالرئيس السوري لم يسقط، بل أعاد السيطرة على معظم أراضي البلاد، وتدخلت روسيا بشكل مباشر في الحرب السورية في 2015، وبدأت دائرة نفوذها في القرار الإقليمي يتسع. ورجع الحريري بصفقة رئاسية أدت إلى عودته رئيسًا للحكومة، وميشال عون (مرشح حزب الله) رئيسًا للجمهورية.

لم تقف خيبات أمل الحريري عند هذا الحد، بل استمرت مع توقيع الولايات المتحدة الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كان الحريري يظن أن عدم توقيع أمريكا على الاتفاق النووي سيمحنه ورقة ضغط إضافية في معركته الرئاسية مع حزب الله.

مع بدايات 2016 تقدم وزير العدل اللبناني أشرف ريفي باستقالته، وهو الذي سماه تيار المستقبل وزيرًا للعدل في حكومة نجيب ميقاتي، ليفتح بذلك جرحًا جديدًا في «تحالفات المستقبل». فاللواء ومدير الأمن الداخلي السابق بدأ بتسويق نفسه زعيمًا للسُّنة في شمال لبنان بديلًا عن «آل الحريري»، الذين بدأ نجمهم في الأفول على الساحة الشمالية اللبنانية.

مع استقالة الحريري و«احتجازه» ازداد الشرخ بين الحريري وريفي، فريفي قد يكون الشخصية السياسية الوحيدة في لبنان والمنطقة العربية الذي لم يكن على اقتناع بمسألة «احتجاز» الحريري، ووصف استقالته بأنها «مُشَرِّفة».

استغل ريفي استقالة الحريري لتسويق نفسه بديلًا عنه ما دامت الأوضاع تشير حينئذ بـ«إقامة» طويلة للحريري في الرياض. لكن سعد خالف كل التوقعات بعد جهود دبلوماسية بذلها الرئيس اللبناني ميشال عون للضغط على المملكة من أجل عودته إلى العاصمة بيروت والتراجع عن استقالته.

6 أيار 2018: اللحظة الجديدة

مشاريع نزع سلاح حزب الله في هذه الظروف لا تعدو كونها نوستالجيا للحظات 2005.

منذ تمت صفقة الرئاسة بين تيار المستقبل وخصومه، وسعد الحريري يحاول لملمة ما سقط منه من أوراق وأدوات الرئيس المُصَنَّف كأحد أثرياء العرب. خاض الانتخابات وهو شبه مكبل للمرة الأولى، فلا الرهانات الدولية والإقليمية أتت بنتائجها، ولا القاعدة الشعبية الكبيرة ظلت بنفس الحماس الذي كانت عليه عام 2009. فمنذ انعقاد مجلس 2009 لم يخضع الحريري لأي استحقاق  انتخابي يقيس به شعبيته، جراء التمديد الذي استمر منذ ذاك العام حتى الأيام القليلة الماضية (مايو 2018).

يقف الحريري في اللحظة الجديدة بكل تجلياتها المستجدَّة بحيرة وترقب، فحتى أشد المتشائمين في تيار المستقبل لم يتصور أن تكون هزيمته بهذا الحجم.

الكتلة الأكبر في برلمان 2009 والمُشَكَّلة من 33 نائبًا، أي كتلة الحريري، أضحى عددها في الانتخابات الأخيرة 21 نائبًا، إضافة إلى الهزيمة المعنوية المدوية التي حصدها تيار المستقبل في معاقله الكبرى (بيروت وطرابلس) نتيجة الخروقات التي أحدثها خصومه السياسيون، وكذلك نجاح أمين عام التنظيم الشعبي الناصري أسامة سعد في صيدا، محدثًا خرقًا في مسقط رأس آل الحريري.

رغم هذه الهزائم بقيت كتلة الحريري النيابية هي الأكبر (سُنِّيًّا)، إلا أنها لن تكون بذات الفعالية التي كانت عليها في سنوات مجدها السابقة. يبقى رهان الحريري لاستعادة شيء من هذا المجد على تصدع التحالفات في محور خصومه السياسيين، وتحديدًا بين حركة «أمل» التي تشكل مع حزب الله الثنائية الشيعية، و«التيار الوطني الحر»، الكتلة المسيحية الأكبر، بقيادة وزير الخارجية السابق جبران باسيل.

حزب الله وحلفاؤه يشكلون اليوم الكتلة الأكبر في البرلمان اللبناني، ومشروعات نزع سلاح حزب الله في ظل هذه الظروف لا تعدو كونها نوستالجيا للحظات العام 2005. والمحور الإقليمي والدولي الداعم لنزع السلاح تكبد هزائم متتالية بدءًا من العراق وانتهاءً بسوريا.

ظهر الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في اليوم التالي للانتخابات النيابية ليلقي خطابًا بمناسبة النصر الذي حققه الحزب. تحدث حينها عن ضرورة تشكيل حكومة «وحدة وطنية» بأسرع وقت ممكن. لكن بقيت الأسماء معلقة، فلا أحد يعلم إن كان لدى حزب الله اليوم الجرأة للمضي في تشكيل حكومة يكون فيها تيار المستقبل رقمًا هامشيًّا، وأن تُستبدَل تفاهمات تشكيل الحكومة مع شخصيات سنية مستقلة أخرى، مثل نجيب ميقاتي وأسامة سعد.

هذه الأمور ستبقى رهينة الوقت والأحداث السياسية المتسارعة في لبنان والإقليم، وبخاصة في ظل التصعيد الإسرائيلي الإيراني في سوريا، وبعد إلغاء ترامب الاتفاق النووي الإيراني، ما قد يكون له تداعيات تطول المشهد اللبناني عاجلًا أم آجلًا.

لكن هذا التحدي الأول للحريري دون المساعدة المعتادة من «الأصدقاء»، وبعد أزمة استقالته الأخيرة وتبعاتها، وبهذه الهزيمة النسبية، سيكون تحديًا كبيرًا للحريري أن يتمكن من الاحتفاظ بـ«زعامته» بعد ذلك.


هذا الموضوع اقترحه أحد قُراء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويره، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.