من نراقب؟ من يراقبنا؟

الرقابة الذاتية في أوروبا: بداية الطريق إلى أنظمة استبدادية؟

ملصقات في باريس للإفراج عن صحفي فرنسي معتقل في تركيا - الصورة: Getty/NurPhoto

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر نوفمر «من نراقب؟ من يراقبنا؟». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


بعد كشفها قضايا فساد وجرائم منظمة في بلدها، اغتيلت الصحفية الاستقصائية المالطية «دافني كاروانا غاليزيا» في انفجار سيارة مفخخة في أكتوبر 2017.

قبل الحادث بعدة أشهر، تحديدًا في فبراير 2017، أدانت منظمة «مراسلون بلا حدود» تهديدات القتل التي تعرضت لها الصحفية، وكذلك تجميد حساباتها المصرفية الشخصية عقب كشفها معلومات عن تورط «ميشيل موسكات»، زوجة رئيس وزراء مالطا، بفتح حساب في بنما لتلقي رشاوى من أذربيجان مقابل حصول بنك أذربيجاني على ترخيص لدخول السوق المصرفية في مالطا، ضمن ما يعرف إعلاميًّا بفضيحة «أوراق بنما».

كانت مدونة غاليزيا من أكثر المواقع زيارةً في مالطا، وتحظى بمعدل قراءة يفوق ذلك الذي تحققه الصحف المحلية. وقبل أقل من ساعة من مقتلها، كانت دافني قد نشرت مقالًا أخيرًا عن قضية فساد سياسي في بلادها.

تحتل مالطا المرتبة 47 من أصل 180 دولة في جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الذي نشرته «مراسلون بلا حدود» في وقت سابق من عام 2017، مما يثير شكوكًا بشأن مصداقية هذا «التصنيف» الذي حصدت فيه مالطا مركزًا متقدمًا.

أثر حادث اغتيال الصحفية المالطية ليس فقط في الرأي العام في بلدها، بل على مستوى الاتحاد الأوروبي، ودفع الأوروبيين إلى التساؤل بشأن مساحة حرية التعبير في بلادهم، والتأثير السلبي لاغتيال سياسي كهذا على تراجع الصحفيين والمواطنين عن طرح آرائهم وكشف الفساد كي لا يتعرض آخرون لنفس المصير.

هذا التراجع ناجم عن الخوف، خوف من عقاب الحكومات، وذعر من انتهاكات وتهديدات قد تصل إلى القتل. «رقابة ذاتية» غير مباشرة تجبر الفرد على أن يشل حرية تعبيره خوفًا على حياته.

الرقابة الذاتية إذًا هي عملية تفكير مليٍّ قبل أن يطرح الفرد أفكاره، سواء شفهيًّا أو كتابةً أو غناءً أو رسمًا أو بأي وسيلة، بدافع الخوف، ما يحد من قدرته على إيصال الفكرة أو المعلومة أو القضية إلى الآخرين.

تُعيق الرقابة الذاتية حرية التعبير كحق إنساني، لكن الصحفي خصوصًا يحمل على عاتقه الحِمل الأكبر لاعتبارات مهنية، فوظيفته نقل الحقيقة والتعبير عنها عبر المنصات المختلفة التي تصل إلى عدد كبيرمن المُتلقِّين. ومع الإقبال على استخدام التكنولوجيا في العالم، يشارك الصحفي التقليدي من يطلَق عليه «المدون» أو «الصحفي المواطن» في الوصول إلى متابعين قد يصل عددهم إلى ملايين.

دعونا نقلق بشأن حرية التعبير في أوروبا

تداعيات اغتيال الصحفية «دافني كاروانا غاليزيا»

عقب اغتيال غاليزيا، دعت منظمة «مراسلون بلا حدود» لحماية سلامة الصحفيين والحد من العنف ضدهم، ومحاربة الإفلات من العقاب على هذه الجرائم.

منحت منظمة «مراسلون بلا حدود»، التي تُعنى بسلامة الصحفيين وحريتهم واستقلالية وسائل الإعلام وتعدديتها وشفافية تدفق المعلومات، فنلندا المركز الأول للسنة السابعة على التوالي في حرية الصحافة العالمية لعام 2016.

في فنلندا، يستطيع الصحفي «الكتابة بحرية ودون تدخل مالكي وسائل الإعلام أو الحكومة، ولديه قوانين ومؤسسات فعالة جدًّا للمساعدة في ضمان حرية الصحافة»، وذلك وفق ما قاله «إيلكا نوسيانين»، رئيس فرع المنظمة في فنلندا.

شفافية القوانين الفنلندية المعمول بها تدعم حرية الصحافة عبر إتاحة كل أنواع الوثائق الرسمية للأنشطة الحكومية بصورة افتراضية للعموم، باستثناء عدد قليل للغاية من الوثائق التي لها ما يبرر تصنيفها على أنها سرية.

أثمر هذا المزيج من الشفافية من ناحية الحكومة، وحرية التعبير من ناحية المواطنين والصحفيين في فنلندا، أكثر من 200 صحيفة وطنية وإقليمية تصدر كل أسبوع على الأقل في سوق شديدة التنوع، إضافة إلى أكثر من أربعة آلاف مجلة باهتمامات مختلفة.

بدأ الفنلنديون يعودون إلى الصحف الورقية التقليدية من جديد نظرًا لما تتمتع به من توازن، في رد فعل صحي على اضطراب وعدم موثوقية وسائل التواصل الاجتماعي في نقل الأخبار.

عقب اغتيال الصحفية المالطية، دعت منظمة «مراسلون بلا حدود» دول الاتحاد الأوروبي إلى حماية سلامة الصحفيين، والالتزام بالحد من العنف الممارَس ضدهم، ومحاربة الإفلات من العقاب على هذه الجرائم.

في أعقاب اجتماع عُقد في فبراير 2017، قرر الأمين العام للأمم المتحدة، «أنطونيو غوتيريس»، إنشاء قناة اتصال مباشر ودائم مع المنظمات المعنية بالدفاع عن حرية الصحافة بشأن مسألة سلامة الصحفيين، لكن هذه القناة لم ترَ النور حتى الآن، وكل ذلك يثير التساؤل عن الصورة الكاملة لوضع حرية الصحافة في أوروبا بعيدًا عن أي تصنيف.

الرقابة الذاتية تهدد مستقبل حرية الصحافة في أوروبا

«دومينيك برادراليه»، رئيسة التحرير في القناة الثانية الفرنسية، قد تصل إلى مرحلة لقاء مصادر الأخبار في الغابة ودون هاتف ذكي، كي تتجنب أعين السلطات.

يؤكد نائب رئيس جمعية الصحفيين الأوروبيين، «ويليام هورسلي»، المهتم بقضايا حماية الصحفيين، تعرُّض كثير من زملائه إلى اعتداءات جسدية وتهديدات ومضايقات بشكل متزايد منذ عام 2014، مما يعكس الميول القمعية الممنهجة في أوروبا من شرقها إلى غربها، وذلك حسب إحصائية أجراها مجلس أوروبا، الذي بدوره وصف القارة بأنها «مكان غير آمن للصحفيين».

أدت الميول القمعية في أوروبا إلى زيادة مستوى الرقابة الذاتية، التي لا تُخلق فقط بسبب الخوف من السلطات، بل أيضًا بسبب تجنب الموضوعات الشائكة التي قد تزعج فئة من المجتمع، أو إرضاء شركات الإعلان التي تمارس ضغوطًا اقتصادية وتجارية، ورجال أعمال لديهم الكثير لينفقوه كي لا تُكشف أنشطتهم غير القانونية، وأحيانًا، تصبح الرقابة الذاتية وطنية ودفاعًا عن المصلحة العليا.

ليست الحكومات اللاعب الوحيد في عملية التخويف، لكن يمكن فقط كشف دورها في أحوال معينة.

قد يهمك أيضًا: كيف استقبلت الصحافة الأمريكية صعود هتلر وموسوليني إلى الحكم؟

خلال مناقشة آثار الرقابة الذاتية على مستقبل الإعلام في القارة في اتحاد الصحفيين الأوروبي، قالت «دومينيك برادراليه»، التي تشغل منصب رئيسة تحرير في القناة الثانية الفرنسية، إنها قد تصل إلى مرحلة لقاء مصادر الأخبار في غابة ودون هاتفها الذكي، كي تتجنب أعين السلطات.

بينما أثار الصحفي الألماني «فولفغانغ غريبينهوف» مسألة تهديدات الناشرين وشركات الإعلان في صناعة الصحافة، التي أدت إلى قلة العاملين في المجال وانحسار العائد المادي، وأعاقت صُنع محتوى جيد. أما الصحفي المجري «يانوس كاراباتي» فطُرد من وظيفته بعد أن سأل رئيس وزراء بلاده عن تطبيق عقوبة الإعدام، الأمر الذي اعتبره رئيسه عدم اتباع لـ«أخلاقيات» الصحافة. وكل هذه المخاطر قد تُثني بعض الصحفيين عن الكتابة ضد التيار.

ما الحل إذًا؟

«مراسلون بلا حدود» تعتبر 2017 الأسوأ على حرية الصحافة عالميًّا

ما الذي تفعله عنما يُلح موقع «فيسبوك» في طلبه لتكتب ما تفكر فيه في الوقت الحالي: هل تسرع في الكتابه دون تفكير، أم تفكر في مغبّات ما ستكتبه فتتراجع عنه؟

أبدى باسم يوسف، الإعلامي المصري الساخر، تخوفه على حرية التعبير على شبكة الإنترنت، حيث يُعدِّل بعض الناس آراءهم من منطلق مشاعر الخوف، ويلجؤون إلى ما يمكن تسميته «التوازن» كي يمتصون غضب الآخرين. كذلك، يرى المدون الإنجليزي «توم برونز» أن عقولنا أصبحت مُبرمَجة على الرقابة الذاتية.

قد يعجبك أيضًا: لا يجوز محاكمة الفكر: هل التكفير حرية تعبير؟

تعديل الآراء لخلق «التوازن» هو نفاق ولَيٌّ للحقيقة في حد ذاته، كي لا نتعرض للأذى النفسي أو الجسدي، وفي المقابل، فإن الاستهتار بتهديدات قتل قد تُنفّذ ليس من الحكمة أيضًا.

ما الذي تفعله عنما يُلح موقع فيسبوك في طلبه لتكتب ما تفكر فيه في الوقت الحالي: هل تسرع في الكتابة دون تفكير، أم تفكر في مغبّات ما ستكتبه فتتراجع عنه؟ سواء اخترت هذا أو ذاك، فلن تكون لك «حرية» الاختيار في المستقبل، إذ يطور فيسبوك تكنولوجيا استشعار جديدة تسمح بالتواصل مع المستخدمين عبر الجلد، لفك شفرة الذبذبات المُرسلة من العقل وترجمتها مباشرة. وفي ذلك المستقبل الذي تسوده الآراء العفوية في عقول «شفافة»، لن تكون للمراقبة الذاتية مكان بالطبع، فهل ستطور السلطات تكنولوجيا شبيهة تحد من العفوية أصلًا؟