عالمنا

رسالة سُترة «ميلانيا»: مشاعر ترامب الحقيقية تجاه أطفال المهاجرين

ميلانيا ترامب ترتدي سترة مكتوب عليها «أنا لا أهتم حقًّا، وأنت؟»  - الصورة: Getty/Chip Somodevilla

استيقظت السيدة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية، «ميلانيا ترامب»، صباح الخميس 21 يونيه 2018، لاستكمال مهمة إنسانية حملتها على عاتقها من أجل لم شمل أطفال المهاجرين غير النظاميين بذويهم. فتَحَتْ دولاب ملابسها، واختارت سُترة مكتوبًا عليها عبارة «أنا لا أهتم حقًّا، وأنت؟».

ربما كانت صدفة، لكنها بدت مُعبِّرة تمامًا عن سياسة الإدارة الأمريكية تجاه المهاجرين غير النظاميين، وكأن زوجها يرسل من خلالها رسالة واضحة.

ولاية تكساس التي تقع على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة مع المكسيك، كانت وجهة ميلانيا في زيارة غير مُعلَنة لأحد مراكز احتجاز أطفال المهاجرين غير النظاميين الذين انتُزِعوا من آبائهم تنفيذًا لسياسة «عدم التسامح» بهدف الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية المتدفقة من جنوب البلاد.

أقرت الإدارة الأمريكية تلك السياسية أواخر مايو 2018، والتي تقضي بالقبض على المهاجرين غير النظاميين ومحاكمتهم وحبسهم وانتزاع أطفالهم، ثم وضعهم في معسكرات احتجاز منفصلة لأنهم مجرمون دخلوا الأراضي الأمريكية دون تصريح.

طلبت ميلانيا، أن يُجمَع الأطفال بآبائهم بأقصى سرعة، ولكن ترامب تمسَّك بسياسته، لكن مع إبقاء الأطفال مع أهلهم في نفس المعسكر.

أثارت سترة ميلانيا تساؤلات في الداخل الأمريكي، لتُجيب عنها المسؤولة الإعلامية لترامب، «ستيفاني غريشام»، مؤكدة أنها «مجرد سترة لا تحمل أي رسالة خفية»، وتمنت أن يتوقف الإعلام عن اختيار الملابس نيابة عن صاحبتها. على النقيض، أكد ترامب، عبر تغريدة على موقع تويتر، أن العبارة التي حملتها سترة ميلانيا كانت رسالة حقيقية إلى الإعلام الكاذب بأنها لم تعد تهتم بأمرهم لأن الإعلام حوَّل اهتمام العالم من الأطفال المصدومين إلى سترة زوجته.

قد يهمك أيضًا: حرب تكسير العظام بين ترامب والإعلام

الانزعاج من عدم اهتمام السيدة ترامب باختيار ملابس مناسبة كان شديدًا. فقد صرحت منظمة العفو الدولية بأن اختيارها ملابسها افتقر إلى التعاطف مع أطفال محرومين من آبائهم. انزعاج يتناسب مع الاستنكار الواسع ضد سياسة ترامب لصد المهاجرين غير النظاميين القادمين من الحدود الجنوبية، والتي تنص على فصل أطفال المهاجرين واحتجازهم. السياسة التي تبدو وكأنها عملية خطف.

في أثناء زيارة معسكر احتجاز الأطفال، طلبت ميلانيا، بصوت حزين، أن تحدث عملية جمع الأطفال بآبائهم بأقصى سرعة. ولأن قلب السيدة الأولى وابنتها لم يحتملا مشاعر أكثر من 2300 طفل حُرِموا من آبائهم، مارسا ضغوطًا عاطفية كي يتراجع الرئيس الأمريكي ترامب عن ما اتخذه من إجراءات قاسية ضد المهاجرين غير النظاميين. لم يتراجع ترامب عن سياسته تجاه المهاجرين، لكنه أعلن تمسكه بكل ما فيها من حبس ومحاكمة واحتجاز، لكن مع إبقاء الأطفال مع أهلهم في نفس معسكر الاحتجاز.

كانت الضغوط العاطفية لزوجة ترامب وابنته في إلغاء فصل الأطفال أقوى بكثير من بكائهم في الأقفاص الحديدية وهم معزولون عن ذويهم في مراكز الجمارك وحماية الحدود. ومع ذلك، لم تُعلَن تفاصيل مُحددة عن الإجراءات المُتَّبَعة لجمع شمل الأطفال المُحتجَزين حاليًّا، ولا عن الإجراءات التي ستتبعها الولايات المتحدة إزاء الموجات من الهجرة غير النظامية مُستقبلًا.

تفاقم أزمة الهجرة بعد قرار فصل أطفال المهاجرين عن ذويهم

يتهم ترامب الإعلام بالتركيز على بكاء أطفال المهاجرين، وغرد بأنه لا يجيد استخدام «قصص مزيفة» كما يفعل الحزب الديمقراطي.

يُلقِى محللون اللوم على إدارة ترامب وسياسته بأنها فاقمت مشكلة المهاجرين لأنه، حتى تعديل ترامب لسياسته، يتضمن اعتقال الأطفال، وبالتالي ما زالت الأزمة قائمة. إلا أن وزيرة الأمن الداخلي، «كريستين نيلسن‬‎»، ألقت المسؤولية بأكملها على عاتق الكونغرس والحزب الديمقراطي، وعليهما حلها.

إذ ترى نيسلن أن الأزمة نتيجة ثغرات في الدستور الفيدرالي سببها الحزب الديمقراطي، والإدارة تقوم بدورها في الدفاع عن سيادة وأمن الولايات المتحدة، ومنع دخول الغرباء إلى البلاد بصورة غير رسمية. لم تقدم نيلسن أي اعتذار لأن قوات أمن الحدود لا تعامل المهاجرين بطريقة فظة، بل يطبقون القانون، والاختلاف يكمن في أن الإدارات الأمريكية السابقة كانت تُعطي التعليمات لقوات الأمن بغض الطرف عن تدفق المهاجرين غير النظاميين.

بإنهاء ترامب فصل الأطفال عن ذويهم، رأى مؤيدوه أنه أدخل إصلاحات على قانون موجود بالفعل، ولا خيار له سوى تطبيق القانون لصد الخطر القادم من الحدود الجنوبية مع المكسيك، وتلك الخطوة لحث الكونغرس المُتكاسل عن القيام بدوره في إصلاح قانون الهجرة غير النظامية.

يتهم ترامب الإعلام دائمًا بأنه يركز فقط على بكاء الأطفال من المهاجرين غير النظاميين، ولا يلقي أي ضوء على ضحايا الجرائم التي يرتكبها هؤلاء المهاجرون من قتل وتدمير. وغرد عبر تويتر بأنه لا يجيد استخدام «قصص مزيفة» كما يفعل الحزب الديمقراطي، بل همه أن يجعل الحدود الجنوبية للبلاد قوية، وألا يسمح لتجاوز المهاجرين غير النظاميين بالعبور لارتكاب الجرائم.

ويعزو ترامب سبب انتقاد الحزب الديمقراطي لسياسته بأنهم لا يمانعون بأن يغزو المهاجرون البلاد لأنهم لا يستطيعون النجاح في الانتخابات بسبب سياساتهم الفاشلة، بل إنهم يراهنون على المهاجرين باعتبارهم أصواتًا محتمَلة لهم.

بعد يومين فقط من إلغائه سياسة فصل الأطفال، عقد ترامب احتفاليه «عائلات ملائكية» للاحتفاء بأُسر ضحايا فقدوا أبناءهم، مدافعًا عن سياسته بأن هناك عائلات مكلومة حُرِمت من أطفالها «نهائيًّا»  نتيجة جرائم يرتكبها هؤلاء المهاجرون الذين حُرموا من أطفالهم يومين أو ثلاثة.

هكذا حاول ترامب إنهاء اللغط حول قانون فصل الأطفال، بأنه ليس فقط كان محقًّا بشأن حبس المهاجرين، بل لا بد من أن يُشكَر لأنه جمع شمل أطفالهم بهم.

لكن الربط بين زحف المهاجرين غير النظاميين إلى الأراضي الأمريكية وارتفاع نسبة الجريمة المُرتكَبة من جانبهم لم تُثبته أي دراسات أو إحصائيات، لكنها أثبتت العكس، وهو أن نسبة ارتكاب المهاجرين (سواء النظاميين أو غيرهم) أقل من الذين ولدوا على الأراضي الأمريكية.

وبالتالي، فإن الغزو الذي يخشاه ترامب لم تكن حقيقته أن يمنع الجريمة، بل يُمكن أن يُصنَّف على أنه عنصرية أو تصنيف على حسب العِرق، بمعنى أن من يولد داخل الحدود الأمريكية يمتلك ثقافة وعقلية لا تسمح له بارتكاب جرائم من السهل على آخرين ارتكابها.

في أكتوبر 2017، دشن ترامب خطته لصد الهجرة غير النظامية عن طريق بناء حائط على كامل حدود الولايات المتحدة مع المكسيك بميزانية تقدر بـ25 مليار دولار، بديلًا عن السياسة الأمريكية السابقة للاعتقال، ثم التسريح. وطلب من الكونغرس سن قانون لحجب الأموال الفيدرالية التي تُخَصَّص لمساعدة المهاجرين غير النظاميين. وطلب أيضًا منعهم من تلقي برنامج الرعاية أول خمس سنوات بداية من الوصول إلى الولايات المتحدة، ومنع إصدار تأشيرة هجرة التنوع «Green Card» (البطاقة الخضراء) إلا للأقارب من الدرجة الأولى، تحديدًا للأزواج والأطفال، وبذلك أنهى بطريقة ما إصدارها.

بذلك تكون خطة ترامب نجحت في حصار المهاجرين غير النظاميين، وإحكام الحدود، وإظهارهم في ثوب الأشرار المجرمين، ثم إلقاء اللوم على الإعلام الذي، في رأيه، يهتم بمجرد بكاء فتاة جاءت بمحض إرادة أهلها مع إدراكهم تمامًا بمصيرهم على الحدود بأنهم سيُعتَقَلون في الأقفاص الحديدية، وإهمال ضحاياهم من «العائلات الملائكية»، ثم اتهام أعضاء الحزب الديمقراطي بأنهم هم السبب في ثغرات قانونية جعلت منه ضحية لكل ذلك. كانت بمثابة نفس الرسالة التي كُتبت على سُترة ميلانيا، وكأنه قد كتبها بنفسه لكل ما يعارضه.

, , , , , , ,