فكر فيها

الحميمية الزائفة: كيف يغير فيسبوك احتفالات أعياد الميلاد؟

الصورة: pxhere

أصبح إشعار موقع فيسبوك أصدقاءنا بتاريخ عيد ميلادنا طقسًا سنويًّا الآن، ففي كل عام، وعند دخولك الموقع في يوم مولدك، ستجد أعدادًا كبيرة من التعليقات والمنشورات التي تتمنى لك عيد ميلاد سعيدًا، أرسلها أُناس ينتمون إلى مختلف أطوار حيواتنا.

يقدم فيسبوك فرصة للاحتفال بهذه المناسبة بطريقة تحولها إلى نموذج للحميمية الزائفة كل عام، موهمًا إيَّانا بأننا محاطون بعدد كبير من الأصدقاء الذين يهتمون بما يكفي كي يتذكروا هذا التاريخ، لكن الواقع غير هذا بالطبع، فلم يكن كثير من الناس ليتذكروا تاريخ ميلادك لو أن فيسبوك لم يخبرهم.

علاوةً على ذلك، انخفض التواصل الاجتماعي الفعلي على الموقع بشدة مؤخرًا، إذ أصبح يجمع التهاني التي تصل من الأصدقاء كلهم تحت رابط واحد، يخبرك مثلًا أن عددًا من الناس هنأك بعيد ميلادك، وعادةً ما يرد صاحب عيد الميلاد كذلك بكتابة منشور واحد يشكر الجميع فيه على تهانيهم، التي ربما لم يهتم بقراءتها كلها.

في هذا الصدد، يعرض مقال منشور على موقع «NYMag»، لأستاذ علم النفس والأعصاب «ميتش برنستين»، تجربته الشخصية على فيسبوك، وكيف غيرت أسلوب تفاعله مع التهاني التي وصلته بعد ذلك على الموقع.

أثر الشعبية في حياتنا

ماذا لو كانت تهنئة أعياد الميلاد في الحقيقة مثل التهنئة على فيسبوك؟

للشعبية نوعان: أشخاص محبوبون يُكوِّنون صلات اجتماعية قوية، وآخرون يحتلون مكانة اجتماعية تدل على حجم شهرتهم ونفوذهم.

يشير برنستين إلى مجموعة من الأبحاث الحديثة التي دلت على وجود ارتباط بين العلاقات الاجتماعية التي نقيمها، وعاداتنا ومقدار سعادتنا وحتى صحتنا على المدى الطويل، فالأشخاص الذين يحظون بشعبية كبيرة من المرجح أن يعيشوا أطول، في حين تزداد إمكانية إصابة أولئك الذين يحظون بشعبية أقل بأمراض القلب والأوعية الدموية والالتهابات، وربما الوفاة مبكرًا.

يمكن أن يغير الإقصاء الاجتماعي في تركيبة حمضنا النووي، والآثار الصحية الضارة لانخفاض الشعبية وقلة العلاقات الاجتماعية تماثل في ضررها آثار التدخين.

قد يبدو من هذه النتائج أن «اللايكات» والتهاني التي نتلقاها على وسائل التواصل الاجتماعي تنقذنا من تلك التأثيرات، لكن هذا ليس صحيحًا بالضبط، لأن هناك نوعين مختلفين من الشعبية، لكلٍّ تأثيراته الملحوظة على الأفراد.

يعكس النوع الأول مقدار جدارتنا بأن نكون محبوبين، وهو أمر مهم، ويعتمد على مدى رغبة الآخرين في قضاء وقت معنا والشعور بحالة جيدة بسببنا، ممَّا يعني أن الأشخاص المحبوبين يُكوِّنون في الغالب صلات اجتماعية وثيقة، أما النوع الثاني فيعبِّر عن مكانتنا الاجتماعية، التي تدل على حجم الشهرة والنفوذ اللذين نتمتع بهما.

هناك فرق كبير بين نوعي الشعبية، وفقًا للمقال، فبينما يتمتع أفراد المجموعة الأولى بفوائد جمة على مدار حياتهم، من المحتمل أن يعاني أفراد المجموعة الأخرى من متاعب نفسية وجسدية مستقبلًا.

اقرأ أيضًا: الحب على السوشيال ميديا: حقيقي أم وهم نتفاخر به؟

لا تتوقفوا عند «اللايك»

تقدم مواقع التواصل الاجتماعي نوعًا جديدًا من التواصل واللغة

تؤكد الأبحاث أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تكون في الواقع صحيَّة بناءً على كيفية استخدامنا، فهي وسيلة فعالة لتبادل الأخبار السارة، وتساعد من يمرون بأوقات عصيبة على التأقلم بسرعة مع أوضاعهم، وتعين من يشعرون بالعزلة والمنطوين في العثور على مجموعات من الأقران الذين يشاركونهم نفس الاهتمامات.

ومع أن الأمر قد يبدو سخيفًا، إلا أن معظم الناس يحسون بالغبطة عندما يتفقدون حساباتهم على فيسبوك يوم عيد ميلادهم ويجدون كل هذه التهنئات. وتُظهر الأبحاث أن الاطِّلاع على منشوراتنا التي حصلت على كثير من «اللايكات» يرتبط مع نشاط القشرة الحزامية الأمامية، وهو النشاط الذي يُعتقد أنه يسبب الإحساس باللذة، ممَّا يعني أن قوة الجذب التي تتمتع بها وسائل التواصل الاجتماعي ربما يكون لها تفسير عصبي.

قد يعجبك أيضًا: لماذا يجب عليك التخلص من معظم أصدقائك؟

حثَّت هذه النتائج برنستين على تغيير طريقة تعامله مع وسائل التواصل الاجتماعي، ودفعته إلى محاولة جعل استخدام هذه المواقع يركز أكثر على خلق صلات اجتماعية وقائية تحسن وضعية مستخدميها.

في اليوم الذي وافق عيد مولده، كتب الباحث ردًّا مخصصًا لكل من هنأه بتلك المناسبة، من أصدقاء طفولة وطلاب سابقين وزملاء عمل وغيرهم، بلغ عددهم أكثر من مئة شخص.

استغرق الأمر بضعة أيام للرد عليهم جميعًا، وهذا أطول بكثير من كتابة تعليق واحد لشكرهم، أو مجرد الضغط على «لايك» عند كل منشور تهنئة، لكن هذا أضاف مسحة من الإنسانية إلى هذا الطقس السنوي الذي فقد معناه عند برنستين، وكشف عن الأشخاص الحقيقيين الذين يقفون وراء تلك التهنئات، وذكَّره بتجاربه المشتركة مع بعضهم وعلاقاتهم المتبادلة.

يقول الرجل إنه على مدى الأيام والأسابيع التي تلت تلك التجربة، استمر التواصل مع بعض هؤلاء الأصدقاء، الذين قدَّروا فرصة إعادة الاتصال ولم الشمل واستمروا في تبادل الرسائل حول إخفاقاتهم ونجاحاتهم، وأعادوا اكتشاف ما كان مشتركًا بينهم.

مرت سبعة أشهر ولا يزال برنستين يتواصل مع بعض هؤلاء الأصدقاء بالرسائل أسبوعيًّا، وهو دليل على إمكانية بعث الصداقات التي كانت خاملة على مدى سنوات وإعطائها حياة جديدة، الأمر الذي لم يكن ليُكتَب له النجاح لولا تغييره طريقة استخدامه وسائل التواصل الاجتماعي.