عالمنا

ما بعد عفرين: المشروع الكردي وحيدًا دون حلفاء

الصورة: Getty/NurPhoto

لم يكن سقوط تمثال «كاوه الحداد» في قلب مدينة عفرين شمالي سوريا مجرد سقوط تمثال من الحجر، أو إهانة متعمَّدة لرمز كردي مثل الحداد، بقدر ما كان سقوطًا لمشروع فكري وسياسي لأكراد سوريا.

جَسَّد سقوط تمثال الحداد، رمز عيد النيروز عند الأكراد، والبطل الأسطوري الذي وقف فى وجه الملك الفارسي «أزدهاك» الذي نكل بالكرد وفق الأسطورة، بداية حلقة جديدة ومستقبل أكثر غموضًا ينتظر الأقلية الكردية في سوريا.

18 مارس 2018 لم يكن يومًا عاديًّا فى تاريخ الكرد عمومًا، وكرد سوريا بشكل خاص، فمدينة عفرين سقطت في يد القوات التركية وحلفائها من فصيل الجيش الحر والمعارضة السورية.

لحقت عفرين مدينة الزيتون في كركوك (قدس الأكراد)، وسقط الحلم بشمال سوريا، وأُجهِضَت فكرة الدولة شمال العراق. تشابهت التجربتان في الفشل والسقوط وكأن قدر الكرد ألا تكتمل لهم فرحة.

58 يومًا صمدت فيهم عفرين أمام مواجهة الهجمات التركية المدعومة بفصائل وميليشيات سورية وسط صمت من حلفاء الأكراد الدوليين. لم يشفع للكرد مشاركتهم الفعالة في قتال تنظيم داعش الإرهابي وتحريرهم مدينة تلو الأخرى من قبضته.

وبغض النظر عن تفاصيل السقوط، فالواقع يقول إن عفرين، التي تمثل واحدة من ثلاث مقاطعات تكوِّن الفيدرالية الكردية في الشمال، أو كما يسميها الكرد «روج آفا»، قد سقطت وخرجت من كونها مدينة كردية تديرها إدارة كردية إلى مدينة يحكمها والٍ تركي وقائمقام عثماني، وتتبع ولاية هاتاي التركية، ويُرفع فيها العلم التركي، ويهتف أطفالها في المدارس للقائد أردوغان.

سقطت عفرين تحت نظر واشنطن، الحليف الرئيسي لأكراد سوريا، والتي كان يعوِّل عليها الأكراد لتكون حامية لهم  وضامنة لحقوقهم في إقامة فيدرالية «روج آفا» ودعمها بشكل كبير.

سقطت عفرين بتواطؤ واضح ومُعلَن من موسكو، صاحبة النفوذ والعلاقات الجيدة مع كرد سوريا. موسكو التي عملت كوسيط لتقريب وجهات النظر بين الكرد ونظام دمشق، ومنعت المواجهات بين الطرفين خلال سنوات الأزمة السورية.

عَمَّق سقوط عفرين حدة الخلافات بين قوى المعارضة السورية والأكراد، بسبب ممارسات بعض أفراد الجيش السوري الحر الموالي للأتراك المناهضة لأهالي عفرين من نهب لمنازل المدينة، وكذلك سقوط ضحايا مدنيين خلال العمليات العسكرية، فضلًا عن التنكيل بجثث المقاتلات الكرديات أمام عدسات الشاشة، كما حدث مع المقاتلة «بارين كوباني».

خطأ الأكراد بين عفرين وكركوك

مقاتلون من وحدات حماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية - الصورة: VOA

لا تختلف التجربة الكردية العراقية عن السورية كثيرًا، فبعد ظهور داعش نال الأكراد توكيلًا من قوى محلية وإقليمية ودولية بقتالهم، وتزويدهم بالأسلحة والتدريب من كل الجهات، وبالغطاء الجوي. قاتلوا المنظمات الإرهابية، وانتصروا عليها في كثير من البقاع العراقية والسورية. ثم انتفت الحاجة إليهم دون أن يعرف الأكراد كيفية الاستفادة من الانتصار الميداني في المجال السياسي، ليصدُق عليهم قول الكاتب الأمريكي «جوناثان راندل» في كتابه «أمة في شقاق»: «ماهرون عسكريًّا، فاشلون سياسيًّا».

بعد أسابيع قليلة من سقوط عفرين، لم يقدم الكرد ما يوحي بوجود تغيير في استراتيجية المواجهة التي يمكن أن تغير من الواقع الجديد.

  أنهت بسالة القتال التي أظهرها الأكراد في الميدان أنهت الحاجة إليهم سريعًا، فتُرِكوا لمصيرهم، ولم يدم الحلم الكردي طويلًا، وانتهى إلى سراب ووهم.

في شمال سوريا لم يختلف الوضع كثيرًا عن العراق، إذ حطمت قوات سوريا الديمقراطية، ذات الأغلبية الكردية، تنظيم داعش وسيطرت على معاقله الأساسية، فتراجع إلى حدود الاضمحلال في أبرز البقاع الجغرافية السورية، فتدخلت تركيا لتصفية حسابها مع الأكراد، وسيطرت على عفرين، ويبدو أنها لن تتوقف عندها.

بعد أسابيع قليلة من سقوط عفرين، لم يقدم الكرد ما يوحي بوجود تغيير في استراتيجية المواجهة التي يمكن أن تغير من الواقع الجديد، وبدا الأكراد وكأن جعبتهم خاوية إلا من بعض البيانات وعمليات المقاومة ضد الأتراك، والتي من غير المتوقع أن تسفر عن تغيير ملموس على الأرض يعيد الأمور إلى ما قبل سقوط «كاوه الحداد».

حتى لو أراد الأكراد تحرير عفرين، فهذه الفكرة ربما تكون بعيدة المنال دون دعم دولي يتطلب تغييرًا في مواقف الدول التي سمحت لأنقرة بالسيطرة عليها من البداية. وحتى الآن لا توجد مؤشرات إيجابية لصالح الكرد في عفرين، فالممارسات التركية لم تلفت انتباه واشنطن، التي يبدو أن مصالحها مع أنقرة تفوق بكثير حاجتها إلى كرد سوريا أو قوات سوريا الديمقراطية، التي قدمت جهودًا كبيرة في مواجهة داعش.

تحالف قاتل

الصورة: QNA

في ظل العداء الذي يلاقيه الكرد من كل الأطراف، نجد أن الحليف الأمريكي ليس موثوقًا به، ونظرته إلى الكرد دونية بشكل كبير.

ربما كان من حظ الكرد السيئ أن اختارتهم واشنطن كحليف لها في مواجهة الإرهاب في سوريا، وهو التحالف الذي وضع الكرد في خانة «العملاء»، وجعلهم أعداء لكل الأطراف المتحاربة.

فالكرد بالنسبة إلى الروس ميليشيات مسلحة مدعومة من أمريكا، وذراعها العسكرية في سوريا، وممثلو مصالحها، لذلك يجب الوقوف في وجههم نكايةً في واشنطن وتعطيلًا لمصالحها، ما دفع موسكو إلى السماح لأنقرة بدخول عفرين، فضلًا عن تلميحاتها بعدم شرعية وجود التنظيمات الكردية المسلحة شمالي سوريا، وحق الجيش السوري في مواجهتها، ودعوة الأتراك إلى التنسيق مع الجيش السوري لمواجهتها وفق تصريحات «نيكولاي تيبلوف»، قائد قاعدة حميميم الروسية في سوريا، ما يوحي بعقاب روسي جديد ينتظر كرد سوريا على علاقتهم بأمريكا.

وهم بالنسبة إلى النظام خونة يسعون إلى تقسيم الأرض السورية وتمزيق وحدة الدولة، ويجب إجهاض مخططهم. أما تركيا، فلا تراهم سوى ميليشيات إرهابية يجب القضاء عليها حمايةً للأمن القومي التركي، ولا تترك مناسبة دون إعلان نيتها تكرار عملية عفرين في منبج وتل رفعت، بل وربما الرقة أيضًا، في رسائل ضمنية إلى واشنطن.

أما الجماعات المتشددة المسلحة، فالكرد بالنسبة إليهم خوارج ملحدون مرتدون عن الإسلام، وأصحاب مشروع منافس لا يجب السماح له بالنجاح.

في ظل هذا العداء الذي يلاقيه الكرد من كل الأطراف نجد أن الحليف الأمريكي ليس موثوقًا به، ونظرته إلى الكرد دونية بشكل كبير، الكرد بالنسبة إلى واشنطن حلفاء مؤقتون وميليشيات تحت الطلب فقط، ولا تلتزم ناحيتهم بشيء. في المقابل، فالعلاقات الأمريكية مع تركيا (العدو اللدود للكرد) جزء رئيسي من استراتيجات واشنطن في المنطقة، لما تمثله أنقرة من ثقل في الصراع السوري، وحاجة واشنطن إليها في مواجهة روسيا وتقزيم النفوذ الإيراني في سوريا.

بالنسبة إلى الجميع أصبح واضحًا أن التحالف الأمريكي الكردي في مواجهة الإرهاب انتهى بشكل كبير، ولم يعد للأكراد تلك الأهمية التي كانوا يحظون بها لدى الإدارة الأمريكية قبيل سقوط مدينة الرقة عاصمة تنظيم داعش في سوريا.  فالكرد كانوا مجرد أداة استخدمتها واشنطن لتحقيق مصالحها، ثم أهملتها بعد انتفاء الغرض منها، وهو ما كشفته تصريحات ترامب المتكررة عن نيته الخروج من سوريا، والحديث الأمريكي عن استبدال قوات عربية في مناطق شمال سوريا ذات الغالبية الكردية بالقوات الأمريكية.

وكما لم تتحرك واشنطن تجاه تهديدات أردوغان بالتوجه إلى الرقة ومنبج، كذلك لم تنجح الضربة الغربية للنظام السوري في ضرب أواصر العلاقة بين أنقرة وموسكو رغم ترحيب الأولى بالضربة، ما اعتبره ماكرون بداية استعادة تركيا من حضن الدب الروسي، قبل أن يعلن الكرملين أن الموقف التركي لن يؤثر في متانة العلاقة بين أنقرة وموسكو، ويعلن وزير الخارجية التركي كذلك أن علاقات تركيا مع روسيا «ليست ضعيفة إلى درجة يمكن للرئيس الفرنسي أن يقوضها».

عفرين والانتخابات التركية

تمثل السياسة التركية تجاه الأزمة محركًا كبيرًا للأوضاع الداخلية التركية، وتُستخدَم قضية أكراد شمال سوريا تحديدًا، فمعاداتهم والوقوف في وجه طموحاتهم يُعد جزءًا من ثقافة الشعب التركي، ما يدفع السلطة إلى استغلال ذلك في تحقيق مكاسب انتخابية، والقفز فوق المشكلات الداخلية.

تعتمد استراتيجية أردوغان بشكل كبير على خلق تهديد خارجي لمواجهة التحديات الداخلية،  وهو ما ثبت قبيل استفتاء تعديل الدستور في تركيا 2017، إذ حدث تصعيد إعلامي بين تركيا وألمانيا ودول أوروبية أخرى بسبب منع هذه الدول مؤتمرات ينظمها سياسيون أتراك دعمًا للتعديلات الدستورية، فضلًا عن أن الاستفتاء جاء بعد عملية «درع الفرات»، التي سبق وأطلقتها تركيا في شمال سوريا، وسيطرت بها على مدن إعزاز وجرابلس والباب، وما زال العلم التركي يرفرف على تلك المدن.

وكما استخدم أردوغان عفرين للهروب من مشكلاته الداخلية، يسعى إلى استغلال نصره في تعزيز أركان حكمه، إذ تمثل عفرين ركنًا أساسيًّا فى قراره بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية قبل موعدها بعام ونصف، فأردوغان ربما أراد من هذا القرار جني ثمار «غصن الزيتون»، والاستفادة من الزخم الذي حققه انتصار الجيش على أكراد سوريا في عفرين في تحقيق أغلبية نيابية لحزبه، فضلًا عن نجاحه في استمرار السيطرة على مقاليد الرئاسة التركية في أول عهود النظام الرئاسي.

تكررت هذه الجملة كثيرًا، لكن بعد التأكد من عدم ضمان أكراد وعرب سوريا لحلفائهم، فهم بالفعل لا يملكون غير بعضهم بعضًا.

يدرك أردوغان أن التغييرات في الشأن السوري ستؤثر حتمًا على حظوظه الانتخابية، ويخشى أن تحدث تطورات لا تُحمَد عقباها تؤثر في وضعية بلاده في سوريا، لذا لا يوجد أنسب من هذا الوقت لإجراء الانتخابات، لتصبح عفرين هي السلم الذي يصعد عليه أردوغان لتحقيق أحلامه السلطانية.

أكراد عفرين: المستقبل الغامض

يرتبط مستقبل عفرين بشكل كبير بمستقبل سوريا، التي لا يمكن لأحد توقُّع ما ستؤول إليه في ظل المعارك المستمرة منذ سنوات بين أطراف مختلفة، وبخاصة أن الأكراد يبدو أنهم خسروا حماسة حلفائهم، وأصبحوا متروكين بعدما نجحوا في أداء مهمتهم في محاربة داعش.

يبدو الكرد في حاجة إلى إعادة النظر في تموضعهم وتحالفاتهم في المنطقة، في ظل تباين المصالح مع الراعي الأمريكي الذي أثبتت الوقائع أنه حليف لا يمكن الوثوق به، والاتفاقات الكردية مع الروس التي لا تبدو أكثر أمانًا كما أثبتت تجربة عفرين. في المقابل، فرهان المعارضة على العلاقة مع تركيا لم يجنبهم الهزيمة ولا القتل كما حدث في حلب ثم الغوطة، وهو ما سيتكرر ربما قريبًا في إدلب.

ربما تكررت هذه الجملة كثيرًا، لكن بعد التأكد من عدم ضمان الأطراف السورية، أكرادًا وعربًا، لحلفائهم، فهم بالفعل لا يملكون غير بعضهم بعضًا.

, , , , , , ,