عالمنا

الفرار من حرب إلى أخرى: رحلة الأطفال الأفغان إلى سوريا

لواء «فاطميون» في سوريا - الصورة: tasnimnews

«أرسلته إلى الحرب بنفسي، والآن فقدته إلى الأبد، وأشعر بالذنب لدرجة أني أفكر في الذهاب إلى سوريا للقتال والموت هناك مثل ابني»، هكذا يروى «مهدي» (اسم مستعار) لـ«منشور» إحساسه بالذنب والحزن على وفاة ابنه «فضل»، الذي قُتِلَ في أثناء قتاله بجانب القوات الإيرانية في سوريا لدعم بشار الأسد.

كان فضل يبلغ من العمر 16 عامًا عندما ذهب إلى مكتب تابع للحرس الثوري ليسجل اسمه للقتال في سوريا تطوعًا. يقول والده: «لجأنا إلى إيران هربًا من الفقر والحروب في أفغانستان، لكننا لم نتمكن من الحصول على أوراق إقامة رسمية أو العمل. أراد فضل استكمال دراسته، لكننا فشلنا في تسجيله بإحدى المدارس».

فضل هو الطفل الأكبر في أسرة من ستة أفراد، وصل إلى إيران وعمره 14 عامًا، وكان يعمل في البناء مثل والده. عائلة فضل تنحدر من طائفة الهزارة الشيعية في أفغانستان.

ذهبنا إلى سوريا خوفًا من الترحيل

لواء «فاطميون» في سوريا - الصورة: tasnimnews

أرسل والد فضل ابنه الأكبر إلى سوريا للحصول على إقامة شرعية في إيران وتأمين دخل الأسرة: «للدفاع عن ضريح السيدة زينب من بطش داعش».

في 2015، أصدرت الحكومة الإيرانية إحصائية تفيد وصول عدد الأفغان المقيمين في إيران إلى ما يقرب من 2.5 مليون شخص، أكثر من نصفهم يعيش في إيران من دون أوراق إقامة رسمية.

الناشط الحقوقي الإيراني «مهدي آزاد» يوضح لـ«منشور» أن «الحرس الثوري قدم خدمات حقيقية للاجئين الأفغان، وساعدهم في الحصول على أوراق رسمية ورواتب شهرية، لكن كل ذلك مقابل الذهاب للقتال في سوريا. وهناك عدد من الأفغان الذين تعرضوا للتوقيف والتخيير بين الترحيل إلى أفغانستان أو الذهاب إلى سوريا».

من ضمن هؤلاء والد فضل، الذي رأى أن الوسيلة الوحيدة للحصول على إقامة شرعية في إيران وتأمين دخل الأسرة هو إرسال ابنه الأكبر إلى سوريا، وبرر ذلك قائلًا إنه «ذهب لنيل شرف الدفاع عن ضريح السيدة زينب من بطش داعش. حصلنا على منزل وإقامة، وهو نال الشهادة».

اقرأ أيضًا: ضريح «الإمام الرضا» موضع اشتباك آخر للدين والبيزنس

لواء «فاطميون»

لواء «فاطميون» في سوريا - الصورة: tasnimnews

لفترة طويلة، ظل النظام الإيراني ينكر فكرة تجنيد آلاف الأفغان، بينهم أطفال تحت الـ18، وإرسالهم للقتال في سوريا بجانب مقاتلي «حزب الله» والحرس الثوري.

خبير أمني إيراني نفى إرسال أطفال للقتال في سوريا: «جميعهم تطوعوا للدفاع عن الأضرحة المقدسة بمحض إرادتهم».

في عام 2014، أُعلن بشكل واضح تشكيل لواء «فاطميون» الشيعي للقتال في صف النظام السوري ضد المعارضة، لكن ظل النظام الإيراني ينفي أي تدخل له في تشكيله. وعندما احتدت المعارك في سوريا وبدأ الحرس الثوري يفقد كثيرًا من مقاتليه، نشرت بعض الصحف الإيرانية المحافظة تقارير بأن لواء «فاطميون» يخضع لتدريب الحرس الثوري، وقوامه نحو 14 ألف مقاتل أفغاني من المقيمين في إيران، مع التأكيد أن جميعهم متطوعون للدفاع عن الأضرحة المقدسة في سوريا.

منذ ذلك الوقت، أصبح مشهد الجنازات العسكرية للقتلى الأفغان في سوريا شبه يومي في إيران. وفي بداية 2018، أعلن مسؤول عسكري لوسائل الإعلام الإيرانية أن نحو ألفي أفغاني من لواء فاطميون لقوا حتفهم منذ تأسيسه.

ونشرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تقريرًا بأن معظم الأفغان المشاركين في لواء فاطميون أطفال دون 18 عامًا، وبرهنت على ذلك بزيارة مقابر القتلى الأفغان العائدين من سوريا، وقالت المنظمة في تقريرها إن النظام الإيراني يجند هؤلاء الأطفال إجباريًّا.

في المقابل، يصف الخبير الأمني الإيراني «رضا رفائي» تقرير المنظمة بأنه «محض هراء»: «لم ولن نجبر أحدًا على الذهاب للقتال في أي مكان، جميعهم تطوعوا للدفاع عن الأضرحة المقدسة بمحض إرادتهم، وكل ما يقال على أننا نرسل أطفالًا للقتال في سوريا كذب وافتراء».

يوضح رفائي لـ«منشور»: «لا نستطيع أن نمنع الإخوة الأفغان، سواء المقيمين في إيران أو في أفغانستان، من حبهم ورغبتهم في الدفاع عن مقدساتنا، كل ما فعلناه أننا قدمنا لهم الدعم العسكري والتدريبات اللازمة لذلك».

اقرأ أيضًا: قصة النزاع الخفي بين تركيا وإيران للسيطرة على سوريا

لكن يبدو أن «مهدي» (اسم مستعار) لديه قصة مختلفة عن حديث رضا رفائي.

مهدي شاب أفغاني أكمل عامه الـ19 في بدايات 2018، لكنه كان قد ذهب منذ عامين إلى سوريا للقتال، وعاد بإصابة بالغة أفقدته يده اليمنى.

هربت من حرب، فوجدت نفسي في أخرى

الخميني يقابل أسر القتلى الأفغان في سوريا

يقول مهدي لـ«منشور»: «ذهبت أنا وأخي لتسجيل أسمائنا في لواء فاطميون بعد أن هددنا الأمن الإيراني بأننا معرضون للترحيل في أي وقت، وهناك لم يطلبوا منا أي أوراق رسمية تثبت أي شيء، وعدونا فقط بإصدار إقامة رسمية لأسرتنا في إيران، وأننا سنحصل على راتب شهري يبلغ 400 دولار».

تدرب مهدي على استخدام السلاح لمدة شهرين فقط في أحد معسكرات الحرس الثوري، ثم ذهب إلى سوريا لمدة عام ونصف، وعندما أصيب عاد إلى إيران ليجد أن أسرته حصلت بالفعل على منزل وأوراق رسمية، واستطاعت شقيقته الصغرى الالتحاق بالمدرسة، لكن أخاه ما زال في سوريا إلى الآن.

«لم أذهب إلى سوريا للدفاع عن بشار أو عن أي ضريح، سمعت فقط من أحد الأصدقاء أن من يذهب إلى سوريا يحصل على أموال كثيرة ومنزل، وهذا ما كنت أريده».

يحرص النظام الإيراني على الاهتمام بأسر القتلى وإظهار بطولاتهم في الإعلام ليل نهار، ويزور المرشد الأعلى علي خامنئي، ورجله المخلص الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق «القدس» في الحرس الثوري، الأسر التي فقدت أبناءها في سوريا باستمرار لتقديم الدعم لهم علانية.

أراد الأفغان حياة جديدة في بلد آخر، لكنهم وجدوا أنفسهم في أرض أخرى من الاضطهاد والخوف، وفي نهاية المطاف لم يجدوا خيارًا إلا القتال في حرب لا تعنيهم، مقابل الحصول على بعض الأموال ومنزل متواضع، وأوراق تثبت أنهم على قيد الحياة.