عالمنا

هل يستخدم المحافظون في إيران قوة البازار للإطاحة بروحانى؟

الصورة: Getty/Anadolu Agency 

«عندما يتحدث البازار، يستمع الجميع»، تلك المقولة المشهورة في إيران، والتي تدل على قوة بازار (سوق) طهران، ودوره المهم في الحياة السياسية والاقتصادية على مر التاريخ.

تأسس بازار طهران الكبير في العصر القاجاري (1794 - 1925)، في قلب مدينة طهران. وهو عبارة عن دهاليز ومتاهات متداخلة تضم نحو 500 ألف متجر يبيع كل شيء من الذهب والسجاد إلى أواني الطهي وأكواب الشاي.

منذ تأسيسه، وحتى الثورة الإسلامية، كان تجار البازار عنصرًا مهمًّا في المعادلة السياسية الإيرانية. فكان للبازار دور في الثورة الدستورية عام 1906، وتحالَف وقتها مع رجال الدين بهدف الضغط على النظام لتأسيس مجلس شورى لوضع دستور للبلاد.

ساعد البازار أيضًا رئيسَ الوزراء الأسبق، محمد مصدق، في تأميم النفط الإيراني والتخلص من السيطرة الأجنبية عام 1952.

العلاقة بين البازار والخميني غير جيدة. فعندما حوصرت السفارة الأمريكية في طهران، اعترض تجار البازار، لكنه لم يعرهم انتباهًا.

«ظل بازار طهران مثيرًا للدارسين والباحثين بسبب ما قدمه لإيران»، هكذا يصف علي رضا محمدي، أستاذ التاريخ، أهمية بازار طهران، إذ يقول لـ«منشور»: «خلق البازار حالة تناغم وترابط بين التجار ورجال الدين والمثقفين، وحتى الطلبة. اتحدوا جميعًا من أجل إيران، تلك الحالة لن تجدها في أي بلد آخر».

عندما حاول الشاه محمد رضا بهلوي محاربة البازار بدعوى أنه أصبح قديمًا وتقليديًّا، ولا بد من أن يكون لإيران أسواق عصرية على النمط الغربي، كسب عداء تجاره الذين اتحدوا مع رجال الدين مرة أخرى، ومع كل من كان يعارض الشاه، وساعدوا الخميني بالجهد والمال حتى الإطاحة بالشاه.

لكن لم تدم العلاقة الجيدة بين البازار والخميني طويلًا. فعندما حوصرت السفارة الأمريكية في طهران، اعترض تجار البازار، موضحين للخميني أن ذلك الفعل سيضر بإيران واقتصادها، وسيُعَرِّض البازار ومعاملاته التجارية للخطر. لكنه لم يعرهم انتباهًا.

بل إنه أدرك خطورة أهمية البازار وتأثيره في المشهد السياسي، فدخل الحرس الثوري إلى الاقتصاد، ورويدًا رويدًا أصبح الحرس الثوري يسيطر على نصيب الأسد من الاقتصاد الإيراني، وخرج البازار من اللعبة.

عندما تولى هاشمي رفسنجاني رئاسة إيران نهاية ثمانينيات القرن العشرين، ونظرًا للعلاقة الجيدة بينه وبين البازار، حاول التجار الرجوع إلى مراكز القوى، لكن لم ينجحوا في ذلك. فحتى رجال الدين الذين طالما وقف بجانبهم البازار، اتجهوا إلى الحرس الثوري واستثماراته التي أصبحت في كل مكان في إيران.

ظل البازار بعيدًا عن أي نشاط سياسي في البلاد، ولم يدعم أي رئيس في الانتخابات. لكن في عام 2008 احتج البازار لأول مرة في تاريخه، وأُغلِقَت المتاجر بسبب رفض التجار الضرائب التي فرضتها عليهم حكومة محمود أحمدي نجاد.

حينها شن النظام حملة ضخمة ضد التجار والبازار، واتهمهم بأنهم مأجورون لتخريب النظام الإيراني. لكن في نهاية المطاف أُجبِرَت الحكومة على الإنصات للبازار، وألغيت الضرائب.

البازار يعود مرة أخرى

يتعرض البازار للاستغلال والإقحام في صراع داخلي بين الفصائل السياسية.

فى يوم 24 يونيو 2018، أغلق مئات التجار أبواب متاجرهم في بازار طهران الكبير احتجاجًا على تدني العملة الإيرانية وارتفاع الأسعار. وقبلها بيوم احتجت أكبر سوق لبيع الإلكترونيات والهواتف المحمولة في إيران لنفس الأسباب.

انضم المواطنون إلى مظاهرات التجار الذين أصروا على أن مطالبهم اقتصادية، وليست سياسية، محاولين الوصول إلى مقر البرلمان للتظاهر أمامه.

تُذَكِّرُنا مظاهرات البازار بالانتفاضات التي سادت غالبية المدن الإيرانية في ديسمبر 2017. لكن هذه المرة الأمر مختلف، فهناك من يرى أن تلك المظاهرات مدبَّرة من البداية، وآخرون يقولون إنها مظاهرات عفوية، ولكن استغلها بعضهم لأغراض سياسية.

قد يهمك أيضًا: احتجاجات إيران: كيف انتهى كل ذلك الأمل بغتة؟

انتشرت بعض الأخبار التي نقلها صحفيون، وتفيد بأن أصحاب المتاجر في البازار قالوا إن هناك أفرادًا طلبوا منهم إغلاق متاجرهم ليوم واحد، وأنهم وافقوا على الإغلاق لأنهم اعتقدوا أنها أوامر من المسجد.

يرى الصحفي الإيراني مهران (اسم مستعار)، أن المظاهرات لم تكن مدبَّرة، بل استغلها بعض المحافظين، إذ يقول: «غطت وسائل الإعلام المحسوبة على التيار المحافظ، المظاهرات لحظة بلحظة، ووصفتها بالسلمية، في حين أنها لم تكن سلمية تمامًا، وهناك شهود عيان على ذلك».

من وجهة نظر مهران، فإن البازار يتعرض للاستغلال والإقحام في صراع داخلي بين الفصائل السياسية.

الإطاحة بروحاني؟

في اليوم الثاني لمظاهرات البازار، أجرت وكالة «تسنيم»، المحسوبة على المحافظين، مقابلة مع نائب البرلمان المحافظ حسين ناجافي الذي قال إنه «ينبغي إقالة حكومة روحاني على الفور».

بل هناك من ذهب إلى أبعد من تغيير حكومة روحاني، إذ قال يحيى رحيم صفوي، القائد السابق للحرس الثوري، وأحد أكبر مستشاري خامنئي: «أرى أن البلاد ستدار بشكل أفضل إذا لم يكن هناك رئيس». ولكن بعد عدة ساعات لم يكن تصريح صفوي موجودًا على أي موقع إخباري، فقد تراجع عن تصريحه.

على الجانب الآخر، يرى حلفاء روحاني من الإصلاحيين أن المحافظين يشنون حربًا للإطاحة بروحاني في وقت تتعرض فيه إيران إلى ضغوط اقتصادية كبيرة.

يرى السياسي الإصلاحي وعضو البرلمان السابق مهدي علي بور، أن المحافظين يستغلون الأزمة الاقتصادية، ويعملون على إحباط الإيرانيين بهدف النيل من روحاني، قائلًا: «هناك اتجاه مخطط للتيار المحافظ من أجل الإطاحة بروحاني، أو على الأقل بالحكومة، ليسيطروا عليها، وهذا جنون. لا الوقت، ولا الظرف الذي تمر به إيران، يسمحان بذلك، ولن يقبل روحاني بالهزيمة».

حتى الآن لم يصرح المرشد الأعلى لإيران بأي شيء بخصوص أمر تغيير الحكومة، وإجراء انتخابات مبكرة، كما طالب بعضهم. ولكن السياسي المحافظ المعتدل سليمي نمين، صرح بأن المرشد ضد فكرة أن تتنحى أي حكومة أو رئيس قبل الأوان.

بينما وقَّع 100 من أعضاء البرلمان على طلب لرئيس البرلمان لاستجواب روحاني بخصوص تدني العملة الإيرانية، وخطته الاقتصادية المقبلة.

لن يستقيل روحاني

الرهان الوحيد أمام روحاني هو التوصل إلى اتفاق مع الدول الأوروبية لإنقاذ الاتفاق النووي، وإرضاء الداخل الإيراني.

«روحاني ليس الشخص الذي يستقيل وسط الضغوط»، هكذا صرح علي جنتي، أحد مستشاري الرئيس، ردًّا على مطالب التيار المحافظ باستقالة روحاني.

في 28 يونيو 2018، قرر روحاني الخروج عن صمته، وفي اجتماع وزراء حكومته أكد على عدم استقالة الحكومة قائلًا: «نحن قادرون على تحمل المصاعب، وأي شخص يتخيل أن الحكومة ستترك عملها، فهو مخطئ».

استنكر روحاني محاولات بعضهم التشكيك في جدوى الاتفاق النووي في مثل هذه الظروف، فقال: «هناك من يقول إن الاتفاق النووي أمر جيد، وآخر يقول إنه سيئ. هل هذا هو الوقت المناسب حقًّا؟».

تحدث روحاني عن كيفية مواجهة العقوبات الأمريكية، وخطته لتحسين الاقتصاد خلال الفترة المقبلة. لكنه رهن كل ذلك بإنهاء «الخلافات المحلية» كما أسماها،  فقال: «لا يمكنا مواجهة أمريكا، والاستمرار في الخلافات المحلية، في وقت واحد».

اقرأ أيضًا: الاتفاق النووي: هل يصلح الاتحاد الأوروبي ما أفسده ترامب؟

وتعليقًا على خطاب روحاني، قال نائب رئيس البرلمان محمد دهقان: «خطاب روحاني إيجابي، لكن يجب أن يكون متبوعًا بإجراءات على أرض الواقع، فالبلد لا يحتمل مزيدًا من الشعارات والخطابات، بل يحتاج إلى العمل».

يبدو أن الرهان الوحيد أمام روحاني الآن هو التوصل إلى اتفاق مع الدول الأوروبية لإنقاذ الاتفاق النووي، وإرضاء الداخل الإيراني. تلك هي فرصته الأخيرة لبث قليل من الأمل في نفوس الإيرانيين.