عالمنا

احتجاجات إيران: كيف انتهى كل ذلك الأمل بغتة؟

الصورة: voanews

إذا كنت قد تحمست للاحتجاجات في إيران، أو حتى تابعتها باهتمام، فلا بد أنك الآن تتساءل: كيف انتهى كل ذلك بهذه السرعة؟

لقد كان أسبوعًا عصيبًا في إيران، بدأ باحتجاجات مباغتة يتابعها العالم، ويراهن كثيرون أنها ستكون بدايةً لتغيير كبير في «الجمهورية الإسلامية»، وانتهى بأن خرج قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد علي جعفري، ليعلن انتهاء «الفتنة». كيف حدث ذلك؟

الإصلاحيون المرتبكون في مواجهة الجماهير

الصورة: GTVM92

نائب الرئيس الإيراني أعلن أن بعض المتظاهرين يستخدمون حجة الأوضاع الاقتصادية السيئة لمهاجمة روحاني.

بدأت هذه الموجة من المظاهرات ليلة الخميس 28 ديسمبر 2017 من مدينة مشهد، أحد أهم وأكبر المدن الإيرانية، تلك المدينة التي تمتلئ برجال الدين وتُعتبر معقل أنصار منافس روحاني والمرشح الرئاسي السابق، إبراهيم رئيسي.

ورغم أن كل الشعارات التي رفعها المتظاهرون حينها كانت عبارة عن مطالب اقتصادية، فإن رجال التيار الإصلاحي سرعان ما أصدروا الأحكام على المظاهرات بأنها مجرد محاولة من معارضي حكومة روحاني للإطاحة به.

إحسان، أحد المشاركين في مظاهرات مشهد، يقول لـ«منشور»: «لا نحتاج دعم التيارات السياسية، لقد فقدنا أموالنا في مشاريع وهمية، وهناك من لم يتلقّ راتب تقاعده من سنوات، ثم يأتي رجل مرفَه يجلس طوال الوقت إلى مكتب أنيق ليقول إننا نزلنا الشارع كي نحقق رغبة منافسه من التيار المحافظ للإطاحة بصديقه. إنهم يعيشون في صراع لا علاقة لنا به، نحن فقط نريد أموالنا وحياةً أفضل».

نائب الرئيس الأول، إسحاق جهانغيري، كان أول أصدر ذلك التعليق من التيار الإصلاحي حين قال إن «بعض الأشخاص يستخدمون حجة الأوضاع الاقتصادية السيئة لمهاجمة روحاني. نعلم أن هناك شيئًا يُحاك في الخفاء، ونعمل على كشف تلك الأمور».

بعد بدايتها في مشهد، سرعان ما انتشرت الاحتجاجات في مدن إيرانية كثيرة، وارتفع سقف مطالب المتظاهرين، فبدلًا من الاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية، بدؤوا يطالبون بموت المرشد الأعلى للبلاد، علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني.

وتطورت المظاهرات لتتخذ شكلًا أكثر عنفًا، فهاجم المتظاهرون المباني الحكومية وأقسام الشرطة، وانتشرت أخبار عن سقوط قتلى بين صفوف المتظاهرين، ثم وصلت المظاهرات إلى قلب العاصمة طهران، واعتُقل 450 متظاهرًا في أول يوم من خروج طلاب الجامعات للانضمام إلى الاحتجاجات.

«تجاوزنا التيار الإصلاحي المتخاذل، إنهم لا يهتمون إلا بالسلطة والانتخابات، لكننا نريد تغيير النظام بأكمله في إيران، وهم غير قادرين على ذلك». لهذا السبب شارك «فريدون» (اسم مستعار) في المظاهرات التي خرجت من جامعة طهران.

خلال حديثه لـ«منشور»، يوضح «وهيد فرهادي»، أستاذ العلوم السياسية المحسوب على التيار الإصلاحي، أنه «حتى لو افترضنا أن المظاهرات التي خرجت في أغلب أنحاء إيران كانت مُسيّرة من التيار المحافظ، وإن كنت أشك في هذا، فالدستور الإيراني يكفل حق الاحتجاج، ومن الخطأ أن يَتهم التيار الإصلاحي المتظاهرين في الشارع بأنهم ينفذون مؤامرة للإطاحة بروحاني، تلك غلطة لا تُغتفر».

ارتباك الإصلاحيين في موقفهم من الاحتجاجات كان واضحًا، ففي البداية رفضوها واتهموا المتظاهرين بالتخريب، لكن من حين إلى آخر كان أحدهم يخرج ليؤكد رفض استخدام العنف ضد الشعب الإيراني، الذي لديه الحق في التعبير عن غضبه من مشاكل موجودة بالفعل.

اقرأ أيضًا: احتجاجات إيران: ليست أكثر من «خطوة إصلاحية»

محافظو إيران: من دعم الاحتجاجات إلى تخوينها

الصورة: voanews

في اليوم الرابع للاحتجاجات، أعلن رئيس شرطة طهران القبض على 100 شخص «أجنبي» كانوا يريدون استغلال المظاهرات.

في المقابل، وفي الأيام الثلاثة الأولى من الاحتجاجات، كان رد فعل التيار المحافظ مغايرًا. أيد المحافظون المظاهرات، وانطلقت التصريحات في كل مكان أن البلد تعاني من مشاكل اقتصادية بسبب فساد عجزت حكومة روحاني عن مواجهته.

هذه الحماسة المحافظة انتهت بعد أن انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لمتظاهرين يحرقون صور المرشد الأعلى ويهتفون «الموت للديكتاتور»، حينها ارتبك التيار المحافظ وبدأ في شن هجوم عنيف على المتظاهرين، واتهمهم بأنهم عملاء للولايات المتحدة وإسرائيل ويريدون تدمير الثورة الإسلامية، وأنهم من أنصار «الثورة المضادة».

«ليس فقط فساد الحكومة، النظام بأكلمه فاسد، يسرق أموالنا من أجل حروبه في سوريا ولبنان والعراق، ثم يتركنا في إيران نعاني الغلاء والبطالة، ويخرج علينا خامنئي ليوهمنا بأن اقتصادنا (اقتصاد المقاومة) سيجعلنا في أحسن حال، بينما يعيش هو ورجاله في النعيم». هكذا تروي إحدى المتظاهرات طلبت عدم كشف هويتها أو حتى الإشارة إليها باسم مستعار، لأنها تعتقد أنها قيد الملاحقة الأمنية.

نزلت تلك الإيرانية للاحتجاج في طهران ضمن طلاب الجامعات: «ضد النظام بأكلمه وليس ضد روحاني وحكومته فقط، فلا فائدة من رئيس إصلاحي أو محافظ، كل تلك الأمور أصبحت شكلية، والأهم هو الإطاحة بخامنئي ورجال الدين الذين يتحكمون في حياتنا ويسلبوننا كل حقوقنا».

في اليوم الرابع للاحتجاجات، أعلن رئيس شرطة طهران القبض على 100 شخص «أجنبي» كانوا يريدون استغلال المظاهرات، ثم أعلنت شرطة أصفهان أن المتظاهرين مسلحون ويطلقون النار على ضباط الأمن، وأحرقوا المباني الحكومية ومنزل المحافظ، وأكد أنه ليس أمام الشرطة سوى التعامل بكل قوة وحزم مع هؤلاء «المخربين».

علي خليلي، المحلل الأمني المحسوب على التيار المحافظ، يؤكد لـ«منشور» أن «تلك المظاهرات من بدايتها إلى الآن ما هي إلا مؤامرة من الأعداء، بعد نجاح إيران في القضاء على داعش في سوريا والعراق. أغلب المتظاهرين تقاضوا أموالًا ليثيروا الفوضى في الشوارع، مستغلين بعض المشاكل الاقتصادية العادية».

لكن الصحفي الإيراني المستقل «رامين» يرى أن كلام خليلي «محض هراء، فالتيار المحافظ عندما أدرك أن الاحتجاجات وصلت إلى حد الخروج على خامنئي والنظام بأكلمه، بدأ يخرج علينا بنظرية المؤامرة التي يجيد اللعب بها كل مرة. رجال السياسة في إيران، سواء كانوا إصلاحيين أو محافظين، لا يريدون الاقتناع بأن الكيل قد طفح بالشعب الإيراني، وأن تلك المظاهرات غير محسوبة على أي تيار، وأن اتباع القمع والعنف ضد الناس لن يُجدي نفعًا هذه المرة».

يتابع رامين: «حتى لو استطاعوا إخماد المظاهرات لأشهر، ستنفجر في وجهم مرةً أخرى، وحينها ستكون الأمور أصعب من ذي قبل».

الحرس الثوري ينقض على المظاهرات

الصورة: Khamenei.ir

المسيرات التي خرجت لتأييد النظام رفعت صور المرشد خامنئي وليس الرئيس روحاني، وبعدها أعلن قائد الحرس الثوري «انتهاء الفتنة».

في بداية الاحتجاجات، أعلن الحرس الثوري أنه لن يتدخل لفض المظاهرات، لكن بعد حملة إعلامية شرسة على المتظاهرين و«التطاول على المرشد الأعلى» بحسب الصحف المحافظة، رأى الحرس أنه قد حان وقت التدخل، لأن الاحتجاجات أصبحت تهدد أمن واستقرار إيران وفقًا لقائد الحرس الثوري.

بالفعل، شن الأمن الإيراني حملات اعتقال موسعة طالت كثيرًا ممن شاركوا في المظاهرات، وحتى ممن لم يشاركوا، وبدأت الشرطة تتعامل مع المتظاهرين بمنتهى العنف والشدة، وأعلن محافظ أصفهان أن «الشرطة تحلت بضبط النفس إلى أقصى درجة، لكن الأمر تحول إلى أعمال شغب وقتل، ولا بد أن نواجه تلك الأعمال التخريبية بكل شدة وحزم».

عطلت الحكومة كذلك الاإترنت لأوقات طويلة، خصوصًا في المدن التي شهدت مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين، وحجبت تطبيق «تليغرام»، الذي كان المتظاهرون يستخدمونه لنشر أماكن الاحتجاج وأعداد المعتقلين.

اقرأ أيضًا: حرب مجلس «الفضاء الافتراضي» في إيران: حجب وتشويه وإنترنت حلال

لم تقتصر مواجهة النظام للاحتجاجات على القمع، بل إنه حاول الظهور بمظهر الأكثر شعبية.

ففي الثالث من يناير، خرجت مسيرات كبيرة في عدة مدن لتأييد النظام وتجديد البيعة للمرشد الأعلى، ورفعت الأعلام الإيرانية وصور خامنئي، بينما غابت صور الرئيس روحاني. استمرت المسيرات ثلاثة أيام، وخرج بعدها قائد الحرس الثوري ليعلن انتهاء ما أسماه «الفتنة».

وبعد التحقيق في الأحداث، أعلن قائد الحرس الثوري القبض على عصابات مسلحة كانت مندسة وسط المتظاهرين، قتلت ثلاثة جنود من قواته.

وفي التاسع من يناير، أعلن المرشد الأعلى علي خامنئي أن «الشعب الإيراني استطاع مواجهة العدو، واكتشف جواسيس الأعداء في المظاهرات. حرب الإيرانيين مستمرة ضد كل أعداء الإسلام والثورة».

إيران: خسرنا، لكن لن نستسلم

الصورة: tasnimnews\ mohammad ali marizad

حين تحدثا لـ«منشور»، شدد علي، الطالب في كلية الهندسة، على أنهم خسروا الجولة الأولى فقط: «سنحاول مرة ثانية وثالثة لأن تلك المرة غير ما سبق، لا بد أن نُخلِّص أنفسنا بأنفسنا». بينما رأى حميد (40 عامًا) أن المظاهرات قضت على كل حلم كان من الممكن أن يتحقق: «ماذا استفدنا منها سوى خراب بيوتنا؟ كان يجب أن يتحلى المتظاهرون بالصبر لوقت قليل حتى نرى ثمار الاتفاق النووي، الذي بات مهددًا الآن بسبب تلك الأفعال الطائشة من المتظاهرين».

انتهت المظاهرات أو قُضي عليها فجأة كما بدأت، لكن الأمور في إيران لم تهدأ كما قد يظن كثيرون، فالفساد والفشل الاقتصادي الذي خرج الناس للاحتجاج ضده لا يزال موجودًا، وهناك صراع داخل أجهزة الحكم بين المحافظين والإصلاحيين بدا واضحًا في موقفهم من الاحتجاجات، غير عشرات القتلى وآلاف المعتقلين الذين لا يعرف ذووهم حتى أماكن احتجازهم.

لم تنجح الاحتجاجات الإيرانية في تحقيق مطالبها، التي بدت غامضة ومعبرة عن الغضب أكثر من أي شيء آخر، ولم ينجح المحافظون والإصلاحيون في استثمار هذه الاحتجاجات لصالحهم، ويبدو أن الدولة الإيرانية نجحت مجددًا في تأجيل الصراع إلى مرة قادمة.