عالمنا

البادي أظلم: هل تتسارع الحرب التجارية بين أمريكا والصين؟

الصورة: Getty/ Thomas Peter-Pool

لم يتأخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كثيرًا في الوفاء بوعود انتخابية أقرها وفق خطة أول 100 يوم في إدارة البلاد لإعادة الرخاء الاقتصادي، فقد كلَّف وزير الخزانة بالتحقيق في تلاعب الصين بسعر الصرف في التجارة العالمية، وغرَّد بعد أكثر عام على استلامه الحكم عبر تويتر أن «الحروب التجارية مفيدة، والانتصار فيها سهل المنال».

في 22 مارس 2018، وقَّع ترامب على قرار فرض رسوم جمركية تبلغ قيمتها من 50 إلى 60 مليار دولار سنويًّا على قائمة تضم 1300 منتج وارد من الصين، وذلك بناء على التحقيق الذي أجراه الممثل التجاري الأمريكي «روبرت لايتهايزر» بموجب البند 301 من قانون التجارة لعام 1974.

بالرغم من اقتراح لايتهايزر رسومًا جمركية بقيمة 30 مليار دولار فقط، فإن ترامب ضاعف المبلغ، ثم هدد بعدها بزيادة تصل إلى 100 مليار دولار، لتتحول التهديدات إلى ما يشبه المزاد الذي لم يستقر على قيمة محددة بعد.

وبدعوى الحفاظ على الأمن القومي واستعادة البلاد صدارتها في تصنيع الألومنيوم، أقرت إدارة ترامب قيودًا تجارية على شكل رسوم جمركية على كل واردات الولايات المتحدة من الألومنيوم بنسبة 25%، والحديد الصلب بنسبة 10%.

تتناقض سياسة الحمائية التجارية التي ينوي ترامب تنفيذها في القريب العاجل مع كل أسس الرأسمالية التي تعتمد على السوق الحرة القائمة على أن تضبط نفسها بنفسها دون تدخُّل الحكومات، ما جعل ترامب يُعيد تعريف التجارة الحرة العادلة لتصبح «تجارة ذكية»، لا يجب أن تتفوق فيها دولة نامية كالصين على دولة متقدمة كالولايات المتحدة.

ذرائع حرب ترامب التجارية

الصورة: Getty/Chip Somodevilla

في حربه التجارية، حاول ترامب تجنُّب الصدام مع حلفائه، لكنه وجد أنهم يضموا أكبر أربعة دول مُصَدِّرَة للألومنيوم والحديد الصلب، فأعلن تطبيقه الرسوم الجمركية دون تمييز.

ما سلكه ترامب من سياسة حمائية تجارية للصناعة الأمريكية كان بمثابة عقاب للصين، نتيجة انتهاكها الملكية الفكرية واستخدامها سياسات تجارية غير عادلة في نقل التقنية، وبرنامجها للتنمية الصناعية «صُنع في الصين 2025» الذي يهدف إلى إحلال المنتجات صينية الصُّنع بدل كل واردات الصناعات التكنولوجية المتقدمة، وبذلك تهيمن الصين على كل الصناعات مُستقبلًا، تاركة باقي اقتصاديات الدول الأخرى من دون مستقبل، وفقًا لما يؤكده «بيتر نافارو» مستشار مجلس التجارة الخارجية التابع للبيت الأبيض.

يرى لايتهايزر أن التصدي لما تمارسه الصين كان لزامًا على الإدارة الأمريكية، لأن التقدم التكنولوجي الأمريكي إرث الأجيال القادمة، ومستقبل اقتصاد البلاد، والولايات المتحدة لم تأتِ بجديد بشأن خطتها للرسوم الجمركية، فقد اتَّبَعت نفس استراتيجية اليابان بهدف إنقاذ صناعة الحديد الصلب والسيارات منذ عام 1980.

المبلغ الذي فرضته إدارة ترامب رسومًا جمركية لا يمثل سوى 8% فقط من قيمة واردات المنتجات الصينية إلى الولايات المتحدة، أي أن العقبات محدودة على البلدين، لكن محدوديتها لن تمنع توتر العلاقات التجارية بينهما. فالتكلفة الحقيقية التي تستنزف أمريكا بالمليارات هي سرقة الشركات الصينية الملكية الفكرية للمنتجات الأمريكية.

في حربه التجارية، حاول ترامب منذ البداية تجنب الصدام مع حلفائه، مثل الاتحاد الأوروبي والأرجنتين والبرازيل وكوريا الجنوبية وأستراليا، وكان يفكر في استثناء الجارتين المكسيك وكندا. لكنه وجد أن الاستثناء يضم أكبر أربعة دول مُصَدِّرَة للألومنيوم والحديد الصلب إلى الولايات المتحدة، فألغى كل وعوده، وأعلن تطبيقه الرسوم الجمركية دون تمييز. وكانت ردود حلفائه هي المعاملة بالمثل، ما أجَّج مخاوف حرب عالمية تجارية.

اقرأ أيضًا: الحرب العالمية الثالثة: هل يقع الصدام بين الصين وأمريكا؟

أسلحة في جعبة بكين

لم تُشهِر الصين، حتى الآن، أسلحتها على الملأ، بل يُفهم بين السطور أن جُعبتها ممتلئة حتى آخرها. المتحدث الرسمي باسم وزارة التجارة الصيني «جاو فينغ» لم يجد أي منطق في ما ذهبت إليه الإدارة الأمريكية من إجراءات تطبيق زيادة لرسوم جمركية حمائية أحادية الجانب، لدرجة أن المسؤولين في البلدين لم يجتمعوا على طاولة المفاوضات لحل المسألة.

وفقًا لفينغ، فإن باب المفاوضات سيظل مفتوحًا على مصراعيه من جانب الصين، بالرغم من أن كل أفعال ترامب ستؤذي الشعب الأمريكي أولًا.

النبرة الهادئة التي يتحدث بها المسؤولون في الصين لا تنمُّ عن مخاوف أو استهتار، لأنهم يعلنون نيتهم تجنب الحرب التجارية، لكنهم مستعدون لها «بأي ثمن».

الإجراءات التي اتبعتها الصين انسجمت مع نبرتها الهادئة، فأعلنت عن رسوم جمركية بنسبة 25%، ما يعادل 50 مليار دولار، تمامًا نفس المبلغ الذي طبقته إدارة ترامب. وضمت قائمة بـ106 منتجات أمريكية، مثل فول الصويا والذرة والسيارات والطائرات.

في نفس الوقت، لم تجد الصين بُدًّا من توفير حلول اقتصادية للولايات المتحدة، فقد دعا نائب وزير التجارة الصيني «وانغ شوه» أمريكا إلى زيادة الصادرات بدلًا من إحكام القبضة على وارداتها ذات التكنولوجيا الفائقة. معاناة الولايات المتحدة بعجز تجاري يبلغ 300 مليار دولار مع الصين فقط، لن تُحَل بفرض 100 مليار دولار.

وبالرغم من سعي الصين إلى تنمية برنامجها الصناعي، فقد وَجَّه شوه الدعوة إلى جميع الشركات الأمريكية لحضور أول معرض صينى للواردات الدولية في نوفمبر 2018. وفي رده على ما أسماه ترامب سرقة الملكية الفكرية، أكد أن استراتيجية الصين وفقًا لخطة «صنع في الصين 2025» لا تتعارض مع قواعد منظمة التجارة العالمية، ما يدل على توازن معادلة الصين في حقها بالتنمية والارتقاء بمستوى التصنيع من جانب، ومشاركة هذا النجاح مع الآخرين في الاقتصاد العالمي من جانب آخر.

لم يلوِّح المسؤولون في الصين بورقة امتلاكهم 20% من الدَّين الحكومي الأمريكي، بواقع 1.17 تريليون دولار. لكن خبراء الاقتصاد يؤكدون أن الصين ستسعى إلى استخدام تلك الورقة الرابحة.

قد يعجبك أيضًا: كيف تطمح الصين لقيادة العالم بلعب دور أمريكا؟

انتصار في حرب دون جدوى

الصورة: Mikhail Svetlov

استخدمت الصين ورقة المنتجات الاستراتيجية، مثل فول الصويا الذي تستورده من الولايات المتحدة (أكبر ثاني دولة مصدرة له)، كضربة قاصمة ينتج عنها إضراب السوق العالمية، ومن ثَمَّ السوق المحلية التي يُعتمد فيها هامش قليل من الربح. الإنتاج الأمريكي من فول الصويا يزيد عن حاجة سوقها المحلية، إذ يُصَدِّر نصف المحصول إلى الخارج، وبالتالي ستُحدِث الإجراءات الجديدة خللًا يؤدي إلى إعادة التفكير في زراعة محاصيل أخرى.

كما أن الخصومة التجارية التي بدأتها الولايات المتحدة مع الجميع ستصب في مصلحة البرازيل والأرجنتين كمصدرين لفول الصويا ليحلا محل الولايات المتحدة التي ستسقط من حسبة المنافسة العالمية عاجلًا أم آجلا.

باعتبار أن أسعار فول الصويا البرازيلي أعلى من أسعاره في الولايات المتحدة، فإن الحرب قد تتمخض عن تحالفات اقتصادية بين الصين والأرجنتين والبرازيل مثلًا كرد انتقامي لما يصدر عن ترامب، أو أن الأسعار ستتساوى في البلدين المصدرين، ولن تختار الصين بالتأكيد من يراها عدوًّا، بحسب قول ترامب.

إذا كان ترامب جزم بأنه ليس في حرب مع الصين مرارًا وتكرارًا، فإن الإجراءات التي تلت التحقيق في ممارسات الصين التجارية بهدف تنفيذ وعوده الانتخابية للحفاظ على الأمن القومي أنتجت إرهاصات حرب سترثها لأجيال قادمة.

التخبط سيطر على تحركات ترامب بداية من قطع التحقيق الذي لم يُكمِل عامًا واحدًا كما توقع، ورفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الصين، والزيادة المستمرة المفاجئة في الرسوم الجمركية من 30 إلى 50، ثم إلى 60، ثم 100 مليار دولار سنويًّا على الواردات الصينية، والتردد في استثناء حلفائه من الإجراءات الجديدة، ثم العدول عن الفكرة، ثم مساومة هؤلاء الحلفاء بإلغاء الرسوم الجمركية على واردات الولايات المتحدة في حالة إزالتهم الرسوم الجمركية على واردات بلاده، ثم إقرار ترامب خطة الـ60 يومًا لإلغاء سياسات خرق الصين للملكية الفكرية، التي لن تؤتي ثمارها في هذا الوقت الضيق، لأن ذلك يتطلب تغييرات جذرية في السياسات الصينية.

ما زالت الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة في بدايتها، ولم تدخل حيز التنفيذ المتسارع، لكن ترامب اختار فتح جميع الجبهات، مما سينتقل بنتائجه إلى خلل في الاستثمارات العالمية وأسعار الأسواق المحلية، لأن المعركة بين أكبر اقتصاديين عالميين لن تمر بسلام على الأقل إن لم تتحول إلى حرب عالمية.