تحولات

كيف تطمح الصين لقيادة العالم بلعب دور أمريكا؟

الصورة: Cheong Wa Dae

في ظل حديث دونالد ترامب عن «أمريكا أولًا»، وتوجيه الصين عديد من الانتقادات إلى إدارة الولايات المتحدة والتزامها بإعادة التفاوض بشأن كثير من الصفقات التجارية، بالإضافة إلى احتمال اتباعها سياسة تقتضي حماية اقتصادها من أي منافسة أجنبية، يبدو أن الصين تتجه نحو إعلان نفسها كزعيم للعولمة.

حاول «كيري بولتون» في مقال له على موقع «فورين بوليسي جورنال» بحث هذه التطورات في السياسة الصينية، وما يمكن أن تعنيه لمستقبل العولمة.

هل يعلن ترامب حربًا اقتصادية على الصين؟

تحركات ترامب الاقتصادية تنذر بحرب تجارية مع الصين

استمرت العلاقات التجارية بين أمريكا والصين رغم عدم جدوى محادثاتهما لعقود، لكن أسلوب ترامب ربما يؤدي لنتائج مجهولة.

يرى بولتون أنه من الصعب معرفة كيف يمكن لترامب المضي قُدمًا في سياسته الاقتصادية «أمريكا أولًا»، نظرًا للأدوار القيادية التي مُنحت للمديرين التنفيذيين لمؤسسة «غولدمان ساكس» (مؤسسة خدمات مالية واستثمارية أمريكية متعددة الجنسيات) في إدارته، ممَّا يعني دورًا متزايدًا لمؤسسات العولمة في الحكومة الأمريكية.

رغم ذلك، أعربت «غولدمان ساكس» عن قلقها إزاء نوايا ترامب، وحذرت المستثمرين من حرب تجارية محتملة بين الولايات المتحدة والصين. وذكر تقرير أعده اقتصادي بارز في الشركة أن الرئيس الأمريكي كان ينتقد السياسة التجارية لبلاده علنًا لعقود، وجعل ذلك جانبًا رئيسيًّا من حملته.

اقرأ أيضًا: «غولدمان ساكس»: الإمبراطورية المالية التي تحكم العالم

وضَّح التقرير عدم وجود سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن ترامب لن يتابع هذا الخط السياسي عمومًا، وأوضح أنه من الصعب الثقة في الإدارة الأمريكية الجديدة التي كان عمرها أسابيع آنذاك، لكنه ما زال يأمل فى أن يحقق أكبر اقتصاديي العالم تفاهمًا متبادلًا، ويحاولوا تجنب الصدام.

أشار بولتون إلى مقال نشرته مجلة «فانيتي فير» بعنوان «لماذا يرتعد وول ستريت من حرب تجارية مع الصين؟»، جاء فيه أن المحادثات بين الصين وأمريكا كانت دون جدوى على مدى عقود مضت، إلا أن العلاقات التجارية كانت مستمرة رغم ذلك، لكن أسلوب ترامب غير المتوقع ربما يؤدي إلى نتائج مجهولة.

الصين تطمح لقيادة العالم

الرئيس الصيني يدافع عن العولمة والتجارة الحرة في مؤتمر «دافوس»

في منتدى «دافوس» الاقتصادي العالمي يناير 2017، أعلنت الصين استعدادها لتولي قيادة العولمة. وكان مسؤولون صينيون قد أعربوا قبل ذلك، خلال اجتماع منظمة التجارة العالمية في جنيف، عن نية الرئيس الصيني التوجه إلى دافوس للدفع من أجل التنمية والتعاون والعولمة الاقتصادية، لبناء مجتمع إنساني له مصير مشترك.

أعلنت الصين أن تزايد العداء تجاه المهاجرين، والشعبوية، واتباع الدول سياسات تقتضي حماية اقتصادها من أي منافسة أجنبية، كل ذلك أوصل العالم إلى مفترق طرق تاريخي، فأصبحنا أمام الحرب والفقر والهيمنة من ناحية، أو السلام والتنمية والتعاون والحلول المربحة لجميع الأطراف من ناحية أخرى.

في الوقت نفسه، صرح نائب وزير الخارجية الصيني «لي باو دونغ» في مؤتمر صحفي بأن بلاده ستستجيب لمخاوف المجتمع الدولي عن العولمة، بطرح وجهات نظرها الخاصة بشأن «توجيه العولمة الاقتصادية نحو مزيد من الشمولية»، بحسب ما يذكر بولتون. أشار دونغ كذلك إلى أن الانتقادات التي طالت الصين بخصوص سياسة الحماية الاقتصادية، من جانب ترامب وآخرين، كانت ظالمة، لأن الحماية الاقتصادية تؤدي إلى العزلة وليست في صالح أحد.

قد يهمك أيضًا: كيف يمكن للعولمة أن تكون أكثر عدالة؟

يضيف بولتون أن الرئيس الصيني بدء بالدفاع عن العولمة منذ اليوم الأول للمنتدى الاقتصادي العالمي،  إذ أقر لهجة واضحة للمؤتمر لمدة أسبوع، لافتًا نظر النخب المتفائلة من عالم المال والأعمال إلى أنه ليس هناك فائز في حرب تجارية بين الصين وأي دولة كبرى.

ردود الفعل تجاه الصين كقوة مركزية

بعد انتخاب ترامب، ما مصير اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي؟

بدت ردود الفعل تجاه موقف الصين في دافوس حماسية حسب ما يذكر بولتون، إذ تساءل بعض المراقبين عن إمكانية ظهور الصين كقائد للنظام العالمي، في الوقت الذي تشهد فيه أمريكا وأجزاء من أوروبا تعرض العولمة والتجارة الحرة للخطر.

أعلن الرئيس الصيني في «دافوس» أن بلاده مستعدة لتحمل قيادة العالم، مشيرًا إلى أن الصينيين كانوا «قادةً لهذا العصر»، كما قال إن بلاده مستعدة لجعل العولمة صالحة للجميع، وإن شعوب العالم لا تتوقع منهم أقل من ذلك، وإنها مسؤولية تقع على عاتقه كقائد عالمي.

«الصين مركزًا للعالم» فكرة قديمة في رأي بولتون، إذ اجتمع الأباطرة الصينيون في العصور القديمة بعد فتوحاتهم في آسيا، ممَّا أنتج حضارة وشعبًا موحدًا ودولة مركزية قوية، واعتُبِر الإمبراطور الصيني حاكمًا للعالم، فكان يجسد الألوهية ويُجري طقوسًا سنوية لضمان استمرار الكون بطريقة منظمة.

قد يعجبك أيضًا: الوصفة الصينية لترويج القمع

نظرًا لتراثها، لا تقبل الصين بالمركز الثاني، وإذا كانت قد استخدمت سابقًا خطاب تحرير العالم مع «الماوية»، فإنها تستعمل الآن خطاب العولمة الحرة الذي يَعُد بدخول عصر جديد من التقدم البشري والسعادة، حسب بولتون.

كيف انتقلت الصين من رفض العولمة إلى تبنيها؟

تعرف إلى مبادرة العولمة الصينية

توصلت الصين إلى شراكة مع روسيا تحت مسمى «عالم متعدد الأقطاب»، بذريعة معارضة الهيمنة العالمية الأمريكية، لكن يبدو أن الصين حققت كل أهدافها من هذه الشراكة وتركت روسيا وحدها، بعد أن فرضت دورًا قياديًّا على أجزاء كبيرة من الشرق الأقصى وآسيا الوسطى، وهي المناطق التي كانت في السابق مجالًا لسيطرة روسيا.

عندما سعت أمريكا سابقًا إلى الهيمنة العالمية باسم العولمة، ظهرت الصين كمعارض لها بالشراكة مع روسيا، لذا مثلت مجموعة «بريكس» (تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا) تحديًا للعولمة دائمًا، ممَّا أثار شكوكًا بشأن كون سياسة الصين الحالية بابًا خلفيًّا لتخريب جهود هذه المجموعة.

يشر بولتون إلى أن الصين قدمت نفسها كزعيم للعولمة من أجل الإنسانية، إذ وضَّح تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي أنها ظهرت كصوت عالمي في التجارة الحرة. ففي حديثه عقب شهرين فقط من إعلان ترامب خططه للتخلي عن «الشراكة العابرة للمحيط الهادي»، دعا الرئيس الصيني «شي جين بينغ» إلى رفض الحماية الاقتصادية التي تهدد اتفاقيات التجارة متعددة الأطراف، واحتضان إمكانيات النمو المترابط للجميع.

أضاف جين بينغ أنه علينا أن نلتزم بتنمية اقتصاد عالمي مفتوح، لذا لا بد من التساؤل بشأن وضع أمريكا كقوة اقتصادية رئيسية في العالم، وقدرة الصين على الظهور كقوة اقتصادية منافسة.

هل تتحول الصين إلى إمبريالية جديدة؟

المنافسة الآسيوية على الصناعة والاستثمار في إفريقيا  

لا يبدو أن الطموحات الصينية تقف عند أي حد، فقد تبنت الصين نموذجًا اقتصاديًّا غربيًّا للهيمنة العالمية.

قبل توجه رئيس مجلس الدولة الصيني «لي كه تشيانغ» إلى نيوزيلندا في مارس 2017، بصحبة وفد مكون من مئتي عضو، وجه خطابًا عنونه «إلى نيوزيلندا، مع الحب»، أوضح فيه خططه للتعامل مع التجارة الحرة.

اقترحت الصين إدماج نيوزيلندا في كتلة تجارية إقليمية تضم منطقة المحيط الهادي، في ظل فترة طويلة من التفكك الصناعي ومبيعات الأصول التي لم يتعافَ منها الاقتصاد النيوزيلندي بعد. نيوزيلندا هي أول دولة متقدمة تدخل في اتفاقية التجارة الحرة مع الصين، بَيْدَ أنه بسبب مستويات الديون النيوزيلندية، تحولت إلى ضحية لبرامج الخصخصة.

كانت نيوزيلندا ضحية سهلة للصين رغم أنها ليست دولة صغيرة، فأعلن تشيانغ مؤخرًا نية بلاده الاستثمار في البنية التحتية النيوزيلندية، فضلًا عن إمكان توريد العمالة، نظرًا لأن أعداد العاطلين المتزايدة في نيوزيلندا قد ترفض فرص العمل المتاحة.

بدا بعض مسؤولي نيوزيلندا متحمسين لمبادرات الصين، فأعلن المستشار الاقتصادي «ستيفن جاكوبي» أن تدفق السلع والخدمات والناس ورؤوس الأموال والتقنية وكل شيء آخر هو استراتيجية متكاملة للتنمية الاقتصادية، تعمل على جلب اقتصادات الدول المختلفة معًا وضمِّها بسلاسة، كما تضمَّن بيان جاكوبي شكوكًا بخصوص نظرية المؤامرة التي تقلق من السياسة الصينية.

لا يبدو أن الطموحات الصينية تقف عند حد، فقد تبنت الصين نموذجًا اقتصاديًّا غربيًّا للهيمنة العالمية، خصوصًا بعد عُقم العقيدة الماركسية في أكثر صورها حدَّة، أي الماوية، وتحول الصين إلى تبني خطاب مماثل لخطاب الولايات المتحدة الأمريكية بشأن العولمة والازدهار الاقتصادي العالمي والتقدم والسعادة.