فكر فيها

مسألة مهارة: كيف ندرب أنفسنا على اتخاذ القرارات؟

الصورة: Getty/Plumb Images

في عام 1838، قرر عالم الأحياء الشهير «تشارلز داروين»، الذي كان في التاسعة والعشرين حينئذ، اتخاذ قرار مهم لا علاقة له بنظرية التطور أو الأسئلة العلمية، قرار وجودي وشخصي في نفس الوقت: كان عليه أن يختار بين أن يتزوج أو يظل عزبًا.

وضع داروين أمامه قائمة بالمميزات والعيوب لكلا الاختيارين. تحت عنوان «البقاء عزبًا» وضع مميزات مثل «الحديث مع رجال أذكياء في النوادي»، وتحت عنوان «الزواج» وضع مميزات مثل «إنجاب الأطفال» و«سحر الدردشة مع امرأة».

بعد ما يقرب من قرنين من الزمان، ما زال وضع قائمة بالمميزات والعيوب هو الطريقة ربما الوحيدة التي تُستخدم بشكل منتظم  للفصل في القرارات المهمة، فهل لم يتطور علم اتخاذ القرار؟ هذا ما يسعى مقال نُشر على «نيويورك تايمز» إلى الإجابة عنه.

اتخاذ القرار: علم يتطور

الناس لا يفكرون في قراراتهم، بل يعتمدون أكثر على غرائزهم وانطباعاتهم الأولية. 

يتطور علم اتخاذ القرار، لكن ما قدمه لم يلقَ التقدير المناسب حتى الآن.

هذا المجال البحثي المتنامي، الذي يشمل اختصاصات متعددة مثل علم الإدراك، ونظريات الإدارة، ومزجها بالدراسات الأدبية، منحنا مجموعة من الأدوات التي يمكن استخدامها لاتخاذ قرارات أفضل حين نواجه اختيارًا صعبًا يتطلب فترة طويلة من التفكير والتأمل.

لو كنت على وشك اتخاذ قرار قد تؤثر تبعاته فيك لسنوات أو عقود، يخبرك كاتب المقال أن بين يديك أدوات أكثر من مجرد فكرة رصد مميزات القرار وعيوبه. لا تقدم هذه الأدوات حلولًا للقرارات التي تواجهها، بل هي فقط وسائل تفتح لك الطريق أو توجهك.

الهدف من هذه الأدوات مساعدتك على رؤية الوضع الحالي من مناظير مختلفة، وتخيل احتمالات جديدة، وتقييم الخيارات بشكل أكثر عمقًا. فلا توجد خوارزمية بعينها لحسم خيارات الحياة الصعبة، لكن الأبحاث تُظهر أن اتخاذ القرارات مسألة مهارة في النهاية، وفي إمكانك أن تصبح أكثر مهارة.

البدائل: روح عملية اتخاذ القرار

من أهم ما أبرزته هذه الجهود أهمية وضع بدائل لأي إجراء نفكر فيه.

في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، سعى «بول نت»، أستاذ إدارة الأعمال، إلى وضع قائمة شاملة تتضمن كل القرارات التي قد نتخذها في حياتنا، بنفس الطريقة التي يضع بها عالم نباتات قائمة تشمل الأنواع المختلفة من النباتات التي تنمو في الغابات المطيرة مثلًا.

في دراسته المبدئية التي نُشرت عام 1984، حلل الرجل 78 قرارًا يتخذه المديرون في عدد من المنظمات العامة والخاصة في أمريكا وكندا، شملت شركات تأمين ومؤسسات حكومية ومستشفيات وشركات استشارية.

المدهش في هذه الدراسة أن 15% فقط من القرارات التي درسها نت، وجد أن متخذي القرار وصلوا إلى مرحلة يعكفون فيها على إيجاد خيار جديد، بعيدًا عن الخيارات المطروحة بالفعل.

في دراسة لاحقة ينقلها مقال «نيويورك تايمز»،، ظهر أن 29% فقط من صانعي القرارات في المنظمات فكروا في أكثر من بديل واحد لدى اتخاذ قراراتهم.

عبر سنوات من الأبحاث، أظهر نت وغيره من الباحثين وجود علاقة قوية بين عدد البدائل التي نفكر فيها ونجاح القرار.

في إحدى دراساته، وفي الحالات التي بحثها، وجد بول نت أن المشاركين الذين فكروا في بديل واحد رأوا قرارهم النهائي فاشلًا في أكثر من نصف الحالات، لكن عندما كان الاختيار بين أكثر من بديلين، رأى المشاركون قرارهم ناجحًا في ثلثي الحالات.

النتيجة واضحة. إذا وجدت نفسك تقارن بين بديلين فقط: إما هذا القرار وإما ذاك، اعمل على توسعة الخيارات ليصبح سؤالك: أي هذه الخيارات المتعددة أفضل؟

أفضل طريقة لزيادة الخيارات المتاحة

ينقل المقال اقتراحات من خبراء بتنويع المصادر التي تلجأ إليها لمساعدتك في اتخاذ القرار. ففي عام 2010، أجرى عالم النفس الاجتماعي «صامويل سومرز» مجموعة من المحاكمات التجريبية، ناقشت فيها هيئة المحلفين (المحمكون) حالة اعتداء جنسي، وقيَّمت الأدلة.

تكونت بعض الهيئات من أشخاص بيض فقط، بينما ضمت هيئات أخرى أجناسًا مختلفة. وعند تطبيق معايير القياس المهمة لتقييم الأداء، كان أداء الهيئات ذات القوام المتنوع أفضل، فقد فكروا في عدد أكبر من التفسيرات المحتملة للأدلة، وتذكروا تفاصيل القضية بدقة أعلى، وشاركوا في المداولات بحماس ومثابرة أشد.

المجموعات الأكثر تجانسًا من ناحية الخلفية الإثنية (السلالة أو اللغة أو التاريخ أو الثقافة)، أو النوع الجندري أو الهوى السياسي مثلًا، تميل إلى اتخاذ القرارات بصورة أسرع من اللازم. هؤلاء يتوصلون مبكرًا إلى سيناريو أكثر احتمالية، ولا يتشككون في افتراضاتهم.

في عام 2008، توصلت دراسة قادتها أستاذة الإدارة «كاثرين فيليبس» إلى نتيجة غريبة نوعًا ما: رغم قدرة المجموعات الأكثر تنوعًا على الوصول بشكل أفضل إلى الحقيقة، فإنهم يتشككون أكثر في ما توصلوا إليه من قرار. أي أنه من المحتمل بشكل أكبر أن يكونوا على حق، لكنهم في نفس الوقت أكثر تقبلًا لفكرة أنهم قد يكونون على خطأ.

بعد البدائل، تأتي السيناريوهات

بمجرد أن تضع أمامك البدائل، كيف يمكنك أن تقيمها؟

يدعوك منهج «تخطيط السيناريو» (Scenario Planning)، الذي طورته مجموعة من مستشاري الإدارة في السبعينيات، إلى تخيُّل ثلاث بيئات مستقبلية مختلفة لكل بديل:

  •         الأول: تتطور فيه الأمور إلى الأفضل
  •         الثاني: تتدهور فيه الأمور إلى الأسوأ
  •         الثالث: تتحول فيه الأمور إلى وضع غريب

نحكي القصص بشكل غريزي في أي مرة نفكر فيها في قرار مهم. لو كنت تفكر في الهجرة إلى الخارج، تحكي لنفسك قصة عن إلحاق أولادك بمدارس أفضل، وإيجاد فرصة عمل أحسن وذات دخل أكبر.

منهج تخطيط السيناريو يختلف قليلًا، ففيه يكون تحليلك السيناريوهات المختلفة أكثر عمقًا ليشمل القوى المختلفة التي تُشكِّل القصة، وهو أمر نادرًا ما نفعله. يهدف هذا الأسلوب أيضًا إلى خلق سيناريوهات متعددة، وهو ما يندر أن نفعله كذلك. فيكون عليك أن تتخيل ما سيحدث لو لم يحب أبناؤك المدرسة الجديدة وزملاءهم الجدد، وتتخيل نفسك في وظيفة لا تناسب طموحك، وفق هذا «التكنيك».

من الأشياء التي نعجز عن فعلها مهما يكن تحليلنا عميقًا وخيالنا واسعًا: كتابة قائمة بالأشياء التي لن تحدث لنا أبدًا.

عالم النفس «غاري كلاين» عدَّل قليلًا على الأسلوب السابق، وأسمى منهجه «Premortem»، وهو ما يمكن ترجمته حرفيًّا إلى «سابق على الوفاة»، عكس مصطلح «Postmortem» الطبي، الذي يعني تشريح الجثة لتحديد سبب الوفاة.

في منهج كلاين، الأمر فعلًا معكوس. طريقته تطلب من المخططين أن يتخيلوا المستقبل، ويتصوروا أن خطتهم التي نفذوها فشلت. هذا كل ما يعرفونه، وعليهم أن يقفوا على الأسباب التي أدت إلى فشل الخطة.

أثبت نهج كلاين أنه أكثر فعالية في الوقوف على العيوب المحتملة لاتخاذ قرار معين، وفق ما يؤكده كاتب المقال. كثير من العادات الإدراكية السيئة، مثل التفكير الجماعي (مَيل المجموعة إلى تقريب وجهات النظر لتجنب الصراع) والانحياز التأكيدي (الانحياز لتفسير الأمور بشكل يتوافق مع معتقداتنا)، تعمي أبصارنا عن العيوب المحتملة لأي قرار. عندما تجبر نفسك على التفكير من نقطة في المستقبل ثبت فيها فشل القرار، يمكنك أن تتفادى تلك النقاط العمياء التي تعطي إحساسًا زائفًا بالثقة.

خطوة واحدة من القرار النهائي

يأتي بعد هذا اتخاذ القرار نفسه. في بعض الحالات، يقودنا اجتياز المراحل الأولى لعملية اتخاذ القرار إلى توضيح القرار الأفضل. لكن لو وجدت أن القرار ما زال صعبًا، يمكنك أن تستخدم ما يُعرف بـ«نموذج القِيم» (Value Model)، وهو نسخة أقوى من قوائم المميزات والعيوب.

اكتب أولًا القيم التي تراها الأهم بالنسبة إليك. فلو كان القرار بين أن تتزوج أو تظل عزبًا، فكِّر في المميزات والعيوب، وأعط كلًّا منها رقمًا يعكس أهميتها عندك، وليكن بين الصفر والعشرة. فلو كانت الحرية ذات أهمية صغرى، أعطها مثلًا 2، ولو كان تكوين أسرة مهمًّا جدًّا، أعطه 9.

بعد أن تعطي كل بديل وزنه أو درجته، عُد إلى السيناريوهات التي طورتها لكل خيار متاح أمامك. قيِّم كل خيار بناءً على مدى تحقيقه قيمك الجوهرية، مستخدمًا مقياسًا من 1 إلى 100. فمثلًا، بقاؤك عزبًا يحقق درجة متدنية جدًّا لو وضعت قيمة «تكوين الأسرة» في اعتبارك، لكنه من ناحية أخرى، يحقق درجة أعلى من ناحية قيمة الحرية.

الخطوة التالية تتضمن بعض الحسابات البسيطة: اضرب درجة كل سيناريو في وزن كل قيمة، واجمع الأرقام لكل بديل أو سيناريو. يفوز السيناريو الذي يحقق أعلى رصيد.

العيب الأساسي في استخدام تكنيك قائمة المميزات والعيوب أنه ترجمة لفهمنا القرار، ولا يجعلك ترى القرار بعين جديدة.

ينقل المقال عن «توماس شيلينغ»، الاقتصادي الفائز بجائزة نوبل، أن واحدة من الأشياء التي نعجز عن فعلها، مهما كان تحليلنا عميقًا وخيالنا واسعًا، كتابة قائمة بالأشياء التي لن تحدث لنا أبدًا.

القرارات الصعبة تتطلب منا أن نجعل خيالنا خصبًا ما استطعنا، أن نكتشف طرقًا جديدة، ونتائج لم تظهر لنا حين فكرنا في القرار لأول مرة. القرارات المعقدة مجموعة من المتغيرات الفريدة، أما الوسائل التي تساعدنا على اتخاذ القرارات، فما هي إلا أدوات تعيننا على رؤية كل مجموعة من هذه المتغيرات بشكل أوضح، ومن زوايا جديدة.