فكر فيها

أدمغتنا تحب القصص: كيف نستجيب للكلمات؟

لقطة من فيلم «Beauty and the Beast» كارتون - الصورة: Walt Disney Pictures

في غمرة انشغالنا بهواتفنا الذكية، ربما على حساب القراءة المتعمقة والاستمتاع بارتياد عوالم الروايات، يبدو الحديث عن فوائد قراءة الروايات لا جدوى له، وربما مملًّا. لكن الأدلة الجديدة التي يقدمها علم الأعصاب قد تغير رأينا بخصوص قراءة الأدب.

يُظهِر تصوير المخ ما يحدث من نشاط في أدمغتنا عندما نقرأ وصفًا تفصيليًّا، أو استعارة مثيرة للمشاعر، أو تبادلًا للعواطف بين شخصيتين في رواية.

القصص تحفِّز المخ، وتغير الطريقة التي نتصرف بها في حياتنا، وهذا ما يستعرضه مقال نُشِر في جريدة «النيويورك تايمز».

قراءة الأدب تستثير حواس مختلفة

لا يفرق المخ بين القراءة عن تجربة ما وممارستها في الحياة، ففي الحالتين تُستَثار نفس المناطق العصبية.

عرف الباحثون منذ زمن  منطقتي «بروكا» و«فيرنيك» الموجودتين في المخ، المسؤولتين عن فهم الكلمات المكتوبة. ما اكتشفه العلماء في السنوات الأخيرة أن القصص السردية تنشط مناطق أخرى كثيرة في المخ أيضًا،  الأمر الذي يجعل القراءة تجربة مفعمة بالحياة. فكلمات مثل «لافاندر» و«قرفة» و«صابون» تستدعي استجابة من مناطق معالجة اللغة في الدماغ، إضافة إلى المناطق المسؤولة عن التعامل مع الروائح.

في 2006 صوَّر باحثون من إسبانيا أدمغة مجموعة من الأشخاص بالرنين المغناطيسي الوظيفي وهم يقرؤون كلمات تقترن بالروائح بشكل قوي، وكلمات أخرى محايدة. أظهرت الصور نشاطًا في القشرة الشمِّية، وهي المنطقة المسؤولة عن تمييز النشاطات المرتبطة بالرائحة، حين قرأ المشاركون كلمات «عطر» و«قهوة»، بينما لم ترصد الصور نشاطًا مماثلًا حين قرأ المشاركون كلمات محايدة، مثل «كرسي» و «مفتاح»، وفق كاتبة المقال.

تناولت الدراسة كذلك الاستعارات بشكل مستفيض، فوجد العلماء أن وصفًا جماليًّا مثل «يوم صعب» بات معتادًا إلى درجة تجعل المخ يتعامل معه كما يتعامل مع الكلمات العادية ليس أكثر.

لكن فريقًا من الباحثين من جامعة إيموري الأمريكية وجدوا أن قراءة استعارات توحي بملمس تؤدي إلى حدوث نشاط في القشرة الحسية المسؤولة عن الإحساس بملمس الأشياء في الحقيقة. أدت استعارات مثل «كان صوت المطربة مخمليًّا» أو «كان ملمس يديه كجلد الحيوانات» إلى رصد نشاط في القشرة الحسية، في الوقت الذي لم تؤدِّ عبارات تحمل معاني مشابهة، لكنها لا تتضمن صورًا مجازية، مثل «كان صوت المطربة جميلًا» أو «كانت يداه قويتين»، إلى ظهور نفس النشاط في المخ.

تقول كاتبة المقال إن الباحثين وجدوا أن الكلمات التي تصف حركة تثير كذلك مناطق في المخ تختلف عن مناطق معالجة اللغة.

ففي دراسة أجراها معمل ديناميكيات اللغة في فرنسا، صوَّر الباحثون أدمغة المشاركين وهم يقرؤون جُمَلًا مثل «أمسك جون بالشيء» و«ركل بابلو الكرة»، فكشفت الصور عن نشاط في القشرة الحركية المسؤولة عن تنسيق حركة الجسم. الأكثر من هذا أن النشاط تركَّز في منطقة معينة بالمخ حين تعلقت الحركة بالذراع، فيما اختلفت عن تلك التي نشطت حين كانت الحركة بالقدم.

يبدو أن المخ لا يفرق كثيرًا بين القراءة عن تجربة ما، وممارستها أو مشاهدتها في الحياة، ففي الحالتين تُستَثَار نفس المناطق العصبية.

الأدب الحافل بالتفاصيل والاستعارات التخيلية والوصف الدقيق للأشخاص وأفعالهم يعطينا صورة غنية تقارب الواقع. بل إن الروايات قد تعطينا فرصة لخوض تجارب لا يتيحها الواقع، تتمثل في الولوج إلى داخل عقول الآخرين وقراءة أفكارهم ومشاعرهم. وعن هذا تقول «كيث أوتلي»، الروائية وأستاذة علم النفس الإدراكي في جامعة تورونتو الكندية، إن الأدب عند تأثيره في المخ يعمل عمل برامج المحاكاة التي تشغلها أجهزة الكمبيوتر.

قد يهمك أيضًا: اقرأ.. من مصلحتك أن تفعل

قراءة الروايات تعزز مهاراتنا الاجتماعية

الأشخاص الذين يقرؤون الأدب كثيرًا لديهم قدرة أعظم على فهم الآخرين والتعاطف معهم، ورؤية العالم من منظورهم.

الرواية مادة لا يضاهيها شيء في كشف جوانب الحياة العاطفية والاجتماعية للإنسان. وهناك أدلة على أن المخ البشري يتعامل مع تفاعلات أبطال الروايات كما لو كانت واقعية، مثلما تكون الروائح والحركات وملمس الأشياء الموصوفة في الحكايات حقيقية.

يشير تحليل أجرته جامعة كندية، استخدمت فيه 86 صورة للدماغ، إلى أنه يوجد تشابك كبير بين شبكات المخ التي نستخدمها في فهم القصص والشبكات التي نستخدمها في تفاعلاتنا مع الآخرين، وبخاصة تلك التفاعلات التي نحاول فيها فهم أفكار الآخرين ومشاعرهم. يسمي العلماء قدرة المخ على رسم خريطة لنوايا الآخرين «نظرية العقل». وتعطينا الروايات والحكايات فرصة فريدة لاستخدام تلك القدرة وإعمالها، عندما نتماثل مع إحباطات الشخصيات التي نقرأ عنها ونخمِّن دوافعهم ونتتبع مواجهاتهم مع أصدقائهم وأعدائهم وجيرانهم ومحبيهم.

تقترح مجموعة أخرى من الأبحاث أن قراءة الروايات تعزز مهاراتنا الاجتماعية، فمَن يقرأون الأدب كثيرًا لديهم قدرة أعظم على فهم الآخرين والتعاطف معهم، ورؤية العالم من منظورهم. وقد وجد العلماء أن هذا الاستنتاج صحيح، حتى بعد أن وضعوا في الاعتبار في أبحاثهم احتمال أن يكون الأشخاص الأكثر تعاطفًا مع غيرهم يفضلون قراءة الروايات.

اقرأ أيضًا: هكذا تُسهِم القراءة في تحديد مصائرنا

اقرؤوا القصص للأطفال

لا تتعجب إذا قارن دماغك بين أشخاص قابلتهم في روايات قرأتها وآخرين من لحم ودم، فالمخ يأخذ الاثنين على محمل الجد.

ينقل المقال كذلك نتائج دراسة حديثة، وجدت أن قراءة القصص للأطفال في سن ما قبل المدرسة تقوي قدرتهم على فهم مشاعر  الآخرين وأفكارهم، أو ما اصطُلح على تسميته «نظرية العقل». ووجدوا كذلك تأثيرًا مشابهًا حين يشاهد الأطفال الأفلام خصوصًا، وليس التلفزيون بشكل عام. ويُعتقَد أن سبب ذلك أن الأطفال كثيرًا ما يشاهدون التلفزيون وحدهم، إلا أنهم حين يذهبون إلى السينما يكونون في صحبة الأهل، ما يخلق فرصة لإجراء حوارات بينهم وبين والديهم بخصوص ما يشاهدونه من تفاعلات.

تقول أوتلي إن الأدب محاكاة مفيدة، لأن مناقشة العالم الاجتماعي بصورة فعالة صعب للغاية، فهو يتطلب وضع عدد كبير جدًّا من الأسباب والنتائج في الاعتبار. فمثلما تساعدنا برامج المحاكاة التي نستخدمها على جهاز الكمبيوتر في التعامل مع مشكلات معقدة مثل الطيران، أو توقع حالة الجو، تساعدنا الدراما والروايات والقصص في فهم تعقيدات الحياة الاجتماعية.

قد يهمك أيضًا: لماذا أفسدوا ليالي طفولتنا بحكاياتهم المخيفة؟

تؤكد هذه النتائج شعور كثيرين بأن قراءة رواية ما قد علمتهم شيئًا أو نوَّرت عقولهم. ولا تتعجب كثيرًا إذا وجدت دماغك يقارن بين أشخاص قابلتهم في روايات قرأتها وآخرين من لحم ودم تقابلهم هنا أو هناك، فالمخ يأخذ الاثنين على محمل الجد في ما يبدو. قراءة الأدب الثري تطورنا كبشر، وهذا ما يثبته علم الأعصاب اليوم.

, , , , , , , , ,