حرف جر

اختر كتابك: هكذا تُسهِم القراءة في تحديد مصائرنا

الصورة: Getty/PeopleImages

«لا أذكر بالطبع كل الكتب التي قرأتها في حياتي، مثلما لا أذكر الوجبات التي تناولتها، لكن تلك الكتب، مثل الطعام، هي ما جعل مني الشخص الذي أنا عليه الآن». الأديب والشاعر الأمريكي «رالف والدو إمرسون».

يسعى القائمون على أنظمة التعليم في مختلف أنحاء العالم إلى تشجيع النشء على القراءة، وترغيبهم فيها كهواية وليست واجبًا مدرسيًّا ينتهي بانتهاء وقت مذاكرة الدروس، وفي وسائل الإعلام قد نذكر، حتى رغم مرور السنوات، الأعمال الفنية التي تحث الأطفال على القراءة باعتبارها وسيلة للترفيه والتسلية.

ما لا ينتبه إليه الكثير منا أن القراءة عامل أساسي في تشكيل مصائرنا وما نسلكه من طرق في حياتنا، فالأمر لا يقتصر على أنها هواية مفيدة يحبها بعضنا ويراها آخرون نشاطًا مملًّا، بل إنها تحدد كثيرًا من معالم حياتنا، كمستقبلنا المهني على سبيل المثال، وهذا ما تناوله تقرير منشور على موقع «كوارتز».

القراءة: رأسمال مشروعك

الصورة: StockSnap

عندما أعلن «إيلون ماسك»، أحد أشهر رجال الأعمال والمخترعين في العالم، ومؤسس شركة «سبيس إكس» المختصة بصناعات تكنولوجيا الفضاء، اعتزامه تأسيس شركة تعمل في هذا المجال، بدا للمحيطين به مجنونًا، خصوصًا أنه لم يكن يملك أي خبرة فيه، وعندما سُئل قال: «قرأت كتبًا كثيرة في هذا المجال».

كان رد ماسك على السؤال كفيلًا بإثارة ضحك وزيادة اندهاش المحيطين به، فالسواد الأعظم من البشر يقللون من دور القراءة في تغيير حياة الإنسان وإعادة توجيه مساره، ينظرون إلى القراءة كإحدى وسائل إشباع النهم المعرفي فقط. لكنهم بعيدون كثيرًا عن الحقيقة، وهي أن ما نقرأه يحدد ما سنصبح عليه في مستقبلنا.

القاعدة المنطقية تقول إن مُدخَلات أي آلة أو جهاز كمبيوتر تُسهِم في تشكيل مُخرَجاته، واللغة بطبيعة الحال هي الأداة المستخدمة لإدخال المعلومات إلى آلة «العقل البشري»، فضلًا عن كونها وسيلة إدراكنا للواقع وجميع الحقائق من حولنا، فالمعلومات التي تجمعها حواسنا، نُشكِّل منها نماذج لغوية نستطيع بها التفاعل مع العالم من حولنا، ذلك التفاعل الذي قد يكون في شكل كلام نتحدثه أو نسمعه أو نقرأه. نحن كائنات لغوية بالدرجة الأولى.

المعلومات الداخلة إلى عقولنا تشكل النماذج، التي بدورها تتشكّل في قوالب للتفكير، نتخذ بها قراراتنا وتمثل منهجنا خلال المناقشات وإنتاجنا في عملنا، أي أنها تتحكم في جميع أشكال تفاعلنا في الحياة. فإذا كانت القراءة أحد الروافد الأساسية لجلب المعلومات إلى ذلك الكمبيوتر البشري المسمى العقل، فلا بد أنها تتحكم بشكل أو بآخر في تفاعلاتنا الحياتية.

الأسطورة تقول: ليس لديّ وقت

الصورة: Annie Mole

العذر الأكثر شيوعًا لعدم القراءة هو قلة الوقت المتاح بين جدول أعمال اليوم المزدحم، لكن هذا السبب ليس حقيقيًّا على الأقل بالنسبة إلى معظم البشر، فأغلبنا لم يكلف نفسه عناء التفكير في كيفية قضاء الوقت. هل نحن حقًا لا نملك مُتسعًا من الوقت لقراءة بعض السطور يوميًّا؟

لو كنت تظن أنك لا تمتلك الوقت الكافي للقراءة، ربما يكون هذا هو الوقت المناسب لإعادة التفكير.

إذا ضربنا مثلًا بالموضوع الذي تقرأه الآن، فمن بين قرائه من صادفه خلال تصفح الإنترنت، واتخذ قراره بقراءته فقط ليقتل بعض وقت الفراغ الذي لديه. المقصود هنا طبعًا أننا نقرأ، بينما نعتقد أننا لا نقرأ.

قد يهمك أيضًا: القفزعللفقرات: أسرار القراءة السريعة

عندما نمضي 20 دقيقة في تصفح فيسبوك، فنحن في حقيقة الأمر نقرأ، وعندما يستفزنا عنوان خبر ما وننقر على رابطه فإننا نقرأ، وعندما نتصفح الإنترنت دون هدف فإننا نقرأ، حتى عندما نمشي في الشارع أو نقود سيارتنا، نقرأ طيلة الوقت لافتات الطريق أو المحلات. من غير المنطقي إذًا أن نتخذ ضيق الوقت ذريعة لعدم القراءة، فنحن في حالة قراءة دائمة، الفارق الوحيد بين النوعين، هو أن ما اعتدناه قراءةً عشوائيةً أصبحت روتينًا يوميًّا، وما نتهرب منه قراءة منظمة مقصودة.

القراءة المفيدة لا ينبغي أن تكون شيئًا عارضًا يحدث بمحض الصدفة، بل ينبغي ممارسته بوعي تام، وليس مجرد تضييع لدقائق الفراغ التي تتخلل أنشطتنا اليومية. فإن كنت تظن خطأً أنك لا تمتلك الوقت الكافي للقراءة، ربما يكون هذا هو الوقت المناسب لإعادة التفكير في تلك الأسطورة.

اختر مصيرك مما تقرأ

الصورة: AhmadArdity

ركز تفكيرك نحو قراءة ترغبها، وقلل من القراءة بالصدفة. لا تدع مواقع التواصل تحدد نوعية أفكارك ومصيرك، عليك أن تختار بنفسك.

لا يَخفى على أحد أن عصرنا الحالي يشهد سَيلًا من المعلومات مقارنةً بالعصور السابقة، ولا بد أن المستقبل سيشهد المزيد، إذ تضاعفت أعداد الكتب التي نُشرت في السنوات العشرة الأخيرة، بحسب التقرير، ومن المتوقع أن يشهد عام 2020 نشر 10 أضعاف ما نُشر في 2013، لذا فالقدرة على تمييز ما يفيد من بين هذه الأمواج الثقافية العاتية أمر ضروري، وهو ما يعيدنا إلى نقطة أهمية النوعية وليس الكمية.

مع التفاتنا إلى نوعية وجَوْدَة ما نقرأ، ينبغي أن نضع في حسباننا آلية تأثير القراءة في عقولنا، وبالتالي مصائرنا. في الغالب لا نلقي بالًا إلى الكيفية التي تعالج بها عقولنا المعلومات التي تتلقاها على مدار اليوم، لكن تأثير تلك المعالجة يظهر يوميًّا في تطور تفكيرنا بسبب تحصيل كمية من المعلومات، دون أن نشعر أن معلومة بعينها طورت لدينا مهارة ما.

أثر القراءة سيظهر في كل كلمة تنطق بها، في نمط تعبيرك عن نفسك، في حدة أو لطف ردود أفعالك. ليس المطلوب أن تجبر نفسك وتدفعها دفعًا نحو القراءة، بل مجرد تغيير نوعيتها. ركز تفكيرك نحو قراءة ترغبها، وقلل من القراءة بالصدفة. لا تدع مواقع التواصل الاجتماعي تحدد نوعية أفكارك ومصيرك، عليك أن تختار بنفسك.

اقرأ أيضًا: نُبوءَة «نهاية الكتاب المطبوع» تفضح خوفنا من التغيير

هذا يعيدنا إلى اقتباس رالف والدو إيمرسون في بداية الموضوع. الكتب التي نقرؤها تؤثر فينا كما يؤثر فينا الطعام الذي نتناوله. ليست كل الكتب مفيدة، المضر منها أكثر انتشارًا وحظوةً بالضوء والانتشار، مثلما تنتشر الأطعمة السريعة المضرة في كل مكان. علينا أن نختار بعناية، وأن نخوض الصفحات مصطحبين وعينا معنا.