اعرف نفسك

شبكات الابتكار: هل تعمل أدمغة المبدعين بشكل مختلف؟

الصورة: SKOG Media

يُعرَّف الإبداع عادةً بأنه القدرة على الإتيان بأفكار جديدة لم يسبق التفكير فيها. الإبداع مثل الذكاء، يمكن اعتباره صفة يمتلكها الجميع بدرجات متفاوتة، ليست حِكرًا على العباقرة المبدعين.

لا يقتصر الإبداع على رسم صورة أو تصميم منتَج، فكلنا نحتاج إلى التفكير الإبداعي في حياتنا اليومية، التفكير في كيفية استخدام ما تبقى من الغداء لإعداد عشاء شهي هي صورة يومية بسيطة من الإبداع، وإعادة استخدام ملابس قديمة بطرق جديدة أيضًا مسألة إبداعية.

تتراوح المهام الإبداعية بين ما يسميه الباحثون «الإبداع الصغير/اليومي»، مثل تصميم موقع إلكتروني أو صنع هدية أو صياغة دعابة، و«الإبداع الكبير»، مثل كتابة خطاب أو نظم قصيدة شعر أو تصميم تجربة علمية.

بدأ الباحثون النفسيون والمتخصصون في العلوم العصبية فعلًا في تحديد عمليات التفكير ومناطق الدماغ المسؤولة عن الإبداع. وتشير الأدلة الحديثة إلى أن الإبداع يتضمن تفاعلًا معقدًا بين التفكير التلقائي والمنضبط، أو بقول آخر: القدرة على أداء عملية عصف ذهني (Brainstorming) لإيجاد أفكار جديدة، وتقييمها بشكل منضبط للوقوف على جدواها.

رغم هذا التقدم تظل الإجابة على سؤال واحد بعينه مستعصية: ما الذي يجعل بعض الناس أكثر إبداعًا من غيرهم؟

في دراسة جديدة، سعى كاتب المقال المتخصص في علم الأعصاب الإدراكي مع زملائه إلى محاولة كشف ما إذا كان يمكن تفسير قدرتنا الإبداعية، ولو جزئيًّا، عن طريق الوصلات الموجودة بين ثلاث شبكات موجودة في الدماغ، وهذا ما يستعرضه مقال نُشِرَ على موقع «Quartz».

كيف تستخدم جوربًا بشكل إبداعي؟

الأشخاص الأكثر إبداعًا في اختبارات «التفكير التبايني»، التي تهدف لإيجاد أفكار مبدعة عبر اكتشاف كثير من الحلول الممكنة، لديهم هوايات أكثر إبداعًا كذلك.

في الدراسة، طُلِب من 163 مشاركًا أن يجيبوا اختبارًا كلاسيكيًّا من اختبارات «التفكير التبايني» (Divergent Thinking)، التي تهدف إلى إيجاد أفكار مبدعة من خلال اكتشاف كثير من الحلول الممكنة. تطلَّب الاختبار أن يفكر المشاركون في استخدامات جديدة وغير اعتيادية للأشياء، مثل جورب أو قطعة قماش، وفي أثناء الاختبار، خضعت أدمغة المشاركين للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (FMRI) الذي يقيس تدفق الدم إلى المخ.

يقول كاتب المقال إن الاختبار كان يهدف إلى تقييم قدرة الناس على الانحراف عن الاستخدامات الشائعة للأشياء. على سبيل المثال، عُرِضَ على المشاركين أشياء مختلفة على شاشة، مثل غلاف قطعة علكة وجورب، وطُلِب منهم التفكير في استخدامات إبداعية لهما، فكانت بعض الأفكار أكثر إبداعًا من غيرها. فبالنسبة إلى الجورب، اقترح أحدهم استخدامه لتدفئة القدم، وهو استخدام شائع، فيما اقترح آخر استخدامه لتصفية المياه.

صورة الدماغ تنبئ بالقدرة على الإبداع

وجد الباحثون أن من كانوا أكثر إبداعًا في الاختبار لديهم هوايات وإنجازات أكثر إبداعًا كذلك، وهو ما يتسق مع دراسات سابقة تُظهِر أن هذا الاختبار يقيس القدرة على التفكير الإبداعي في العموم.

استُخدِم الرنين المغناطيسي الوظيفي في قياس الاتصال بين كل أجزاء المخ، وتحديدًا كيف يرتبط النشاط في منطقة معينة من المخ بالنشاط في منطقة أخرى.

رتب الباحثون الأفكار التي اقترحها المشاركون بناءً على أصالتها: حصلت الاستخدامات الشائعة على درجات أقل (مثل استخدام الجورب في تدفئة القدم)، بينما حصلت الاستخدامات غير الشائعة على درجات أعلى (استخدام الجورب في تصفية المياه).

عمل الباحثون بعدها على الربط بين درجة الإبداع التي حصل عليها المشارك والوصلات الدماغية الممكنة (نحو 35 ألف وصلة من نوع مختلف)، واستبعاد الوصلات التي لا ترتبط بدرجة الإبداع وفق أسلوب التحليل المستخدم في الاختبار. مثَّلت الوصلات المتبقية شبكة «الإبداع العالي»، أو مجموعة وصلات ذات صلة وثيقة بعملية الإتيان بأفكار مبدعة.

بعد تحديد الشبكة المسؤولة عن الإبداع، عكف الباحثون على عمل العكس: الكشف عما إذا كان يمكن استخدام نشاط الدماغ في التنبؤ بالقدرة الإبداعية، فسعوا إلى معرفة لو كان صاحب الوصلات الأقوى في تلك الشبكة سيحصل على درجات جيدة في الاختبار.

قاس الباحثون قوة وصلات كل شخص في شبكة الإبداع، ثم استخدموا النمذجة التنبؤية (أسلوب يسعى إلى التنبؤ بالسلوك في المستقبل) ليختبروا ما إن كان يمكنهم تقدير درجة الإبداع التي سيحصل عليها الشخص.

أظهر النموذج علاقة قوية بين الدرجات المتنبَأة وتلك التي حصل عليها المشاركون بالفعل. تمكَّن الباحثون من التنبؤ بمدى إبداع الشخص بناء على قوة الوصلات المكوِنة لشبكة الإبداع. اختبر الباحثون كذلك قدرتهم على التنبؤ بقدرة الشخص الإبداعية مستخدمين ثلاث عينات أخرى من المشاركين لم تُستخدم بيانات رصد نشاط أدمغتهم في بناء شبكة الإبداع. وإجمالًا، تمكَّن الأشخاص ذوو الوصلات الأقوى من اقتراح أفكار أفضل من غيرهم.

قد يهمك أيضًا: هكذا أصبحنا على بُعد خطوة من قراءة أفكار الآخرين

كيف يستخدم المبدعون أدمغتهم بشكل مختلف؟

هل يمكن تعزيز القدرة على التفكير الإبداعي عمومًا بإدخال تعديلات على المخ؟

وجد الباحثون أن مناطق الدماغ الواقعة في إطار شبكة الإبداع العالي تنتمي إلى ثلاثة أنظمة دماغية محددة:

  1. الشبكة الغيابية: مجموعة من المناطق في الدماغ تنشط حين نمارس التفكير التلقائي، كالشرود وأحلام اليقظة والتخيل. قد تلعب هذه الشبكة دورًا مهمًّا في الإتيان بأفكار أو عند العصف الذهني، وعند التفكير في عدة حلول ممكنة لمشكلة ما
  2. شبكة التحكم التنفيذي: مجموعة من المناطق التي تنشط عندما نحتاج إلى التركيز أو السيطرة على عمليات التفكير. دور هذه الشبكة تقييم الأفكار وتحديد ما إن كانت ستنجح، وتعديلها لتناسب الهدف الإبداعي
  3. شبكة الوثب/الشبكة البارزة: مجموعة من المناطق التي تعمل كآلية للانتقال بين الشبكتين الغيابية والتنفيذية، ودورها مهم في التحوُّل بين عملية إيجاد الأفكار وتقييمها

تُظهِر نتائج البحث، وفق الكاتب، أن وصلات العقل المبدع ترتبط ببعضها بشكل مختلف، وأن الأشخاص المبدعين أفضل من غيرهم في تشغيل شبكات دماغية لا تعمل في الوقت نفسه بشكل عام.

تأتي تلك النتائج متوافقة مع دراسات تعتمد على التصوير بالرنين المغناطيسي تناولت فنانين محترفين، مثل عازفي الجاز وهم يرتجلون ألحانًا، وشعراء ينظمون أبياتًا جديدة، ورسامين ينفذون أفكارًا لغلاف كتاب.

هناك حاجة إلى أبحاث مستقبلية تحدد ما إن كانت تلك الشبكات مرنة أو ثابتة نسبيًّا. نريد إجابات لأسئلة مثل: هل يؤدي حضور فصول الرسم إلى تقوية الوصلات بين تلك الشبكات؟ هل يمكن تعزيز القدرة على التفكير الإبداعي عمومًا من خلال إدخال تعديلات على وصلات شبكات المخ؟ ليس على الباحثين سوى تشغيل شبكات الإبداع في أدمغتهم للعثور على إجابات.

, , , , ,