اعرف نفسك

هكذا أصبحنا على بُعد خطوة من قراءة أفكار الآخرين

الصورة: Getty/NurPhoto

ظل حلم قراءة أفكار ونوايا الآخرين يراود الأدباء والمفكرين على مدار قرون، وتشعبت الطرق بالبشر لتحقيق هذا الحلم، فمنهم من اتجه إلى الروحانية وما تشتمله من عقائد أو غير ذلك من طقوس سحرية، ومنهم من اتجه إلى الطرق العلمية، وهذا الطريق تحديدًا هو ما شهد تطورا كبيرًا في هذا الصدد.

عرض موقع «ساينس أليرت» تقريرًا يقدم أحدث ما توصل إليه العلماء على طريق قراءة أفكار الأشخاص دون أن يتحدثوا عنها، ويؤكد التقرير أن الأبحاث الأخيرة جعلتنا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الحلم، بعد أن توصلوا إلى أنماط تكوِّن الجمل داخل عقولنا.

كيف تتكون الفكرة

الصورة: Senior Airman Julianne Showalter

كل جزء صغير من المخ مسؤول عن معالجة نوع معين من الأفكار، ولاحظ الباحثون أن بعض المسارات العصبية في المخ تضيء كالمصباح عند معالجة كل نوع.

توصلت الدراسات الحديثة إلى أنه يمكن التنبؤ بالأفكار التي تتكون في عقولنا عن طريق معرفة أنماط تكونها، وتبلغ نسبة دقة هذه التنبؤات 87% بحسب المقال. يعتمد التنبؤ بالأفكار على تقسيم الفكر البشري إلى أبجدية مكونة من 42 مفهومًا مختلفًا، تشمل الأحجام والأماكن والألوان والأفعال، وتحتوي كل فكرة مركبة على ترتيب معين لهذه المفاهيم، فنحن ربما نفكر في شخص يقف في مكان ويفعل شيئًا، أو في شيء له لون وحجم بعينهما، وما إلى ذلك.

يذكر المقال أن الباحثين من جامعة «كارنيغي ميلون» الأمريكية قطعوا شوطًا كبيرًا في مجال أبحاث قراءة العقول بالاعتماد على هذه الأبجدية، لكن لا يمكن القول مع ذلك إنهم استطاعوا قراءة جميع أنواع الأفكار، فإلى الآن ما تزال أسرارنا وخصوصياتنا آمنة، إذ ينحصر إنجازهم في ابتكارهم نظامًا يتعرف إلى نماذج من الأفكار بناءً على ما تقدمه صور أشعة للمخ، أي أنهم يستطيعون تحديد البناء العام للفكرة، دون تفاصيلها.

استند الباحثون في دراساتهم إلى أن كل جزء صغير من المخ مسؤول عن معالجة نوع معين من الأفكار، لذلك لاحظوا أن بعض المسارات العصبية في المخ تضيء كالمصباح عند معالجة كل نوع منهم، ومن ثَمَّ حددوا نوعية الأفكار التي تستثير كل منطقة من المخ.

قد يهمك أيضًا: هكذا وجد العلماء الله في مخ الإنسان

الإنجاز يكمن في تلك الخطوة

الصورة: Staff Sgt. Teresa M. Jennings

يقول «مارسيل جاست»، أحد كبار الباحثين المشاركين في إنجاز جامعة كارنيغي، إن إحدى القدرات الفائقة للعقل البشري أن لديه القدرة على تركيب الخواطر البسيطة لتصبح أفكارًا معقدة. فعلى سبيل المثال، عند التفكير في «الموز»، لا يفكر الإنسان في الثمرة فقط، بل ربما يفكر في مرة أكل فيها موزة أحد أصدقائه، أي أن الفكرة البسيطة تستدعي أفكارًا أخرى لتكوين فكرة ثالثة أكبر وأكثر تعقيدًا.

استخدم العلماء البيانات الناتجة من صور أشعة الرنين المغناطيسي الوظيفي في التعرف إلى نوع الأفكار التي تدور في رأس الإنسان، عن طريق جهاز لتصنيف الأفكار بناءً على علاقتها بمناطق المخ المختلفة، وعالجوا تلك البيانات عبر خوارزمية طلبوا منها التنبؤ بأنماط الأفكار الواردة.

التقدم الجديد الذي أحرزه العلماء في قراءة العقل البشري مكَّنهم من تحديد الأفكار التي تحتوي على عديد من المفاهيم المركبة.

شارك في التجربة سبعة متطوعين أدخلوا إلى الخوارزمية 239 عبارة، وطُلب منها معرفة «الفكرة التالية» عن طريق برامج ذكاء صناعي، أي الفكرة المعبرة عن العبارة رقم 240. استعرض العلماء مدى تعقيد الأفكار الناتجة عن تركيب تلك العبارات، وتوصلوا إلى البنية الأساسية التي تتكون منها الأفكار بغض النظر عن لغة الإنسان أو ثقافته.

تغلبت طرقة جاست على عيوب التصوير بالرنين المغناطيسي، الذي يمكن أن يخلط بين الأفكار المتعلقة بالأحداث المرتبطة ببعضها والتي حدثت في أوقات متقاربة، مثل قراءة كلمتين متتابعتين في عبارة واحدة.

قد يعجبك أيضًا: ليس صوت العقل: عوامل خفية تشارك في صنع قراراتنا

الخطوة القادمة

الصورة: Free-Photos

تأتي أهمية التقدم الجديد الذي أحرزه العلماء من أنه مكَّنهم لأول مرة من تحديد الأفكار التي تحتوي على عديد من المفاهيم المركبة، ومعظم أفكار العقل البشري تكون على هذا الوضع، وقدمت طريقتهم الجديدة فرصة معرفة تفاصيل أكثر عن قوالب التفكير العامة، فبعد أن كان العلماء يعرفون فقط ما إذا كان الإنسان يفكر في قبول أو رفض شيء ما، ظهرت لهم طبقة أكثر عمقًا من الأفكار.

أتاحت الخوارزمية الجديدة التعرف إلى الأفكار المرتبطة بالتفاعلات الاجتماعية، مثل طريقة التواصل والتفكير في المكان الذي وقع فيه حدث ما، والمهم أن كل ذلك يحدث بدرجة دقة عالية.

ربط العلماء نتائج تلك الدراسة بجهود سابقة، إذ استطاعت مجموعة من العلماء في عام 2016 استكشاف ما يدور في رأس الإنسان عبر تعبيرات وجهه، وابتكروا لذلك برنامجًا يمكنه استكشاف أفكار الإنسان عن طريق الوجه.

يبقى أمام العلماء خطوة واحدة على بلوغ حلم قراءة الأفكار بشكل كامل، كأن يقرؤوا بالضبط رأي الإنسان في مشروب احتساه لتوه، أو وجبة إفطار تناولها، وربما يصلوا إلى ما هو أبعد من ذلك وأكثر فائدةً، عندما يجدون طريقًا بديلًا لمن يعانون مشاكل في النطق والاستماع، للاستمتاع بحياتهم بشكل طبيعي.

, , , , ,