من نراقب؟ من يراقبنا؟

أنت مخترَق: غوغل تعرف عنك أكثر مما تتخيل

الصورة: Getty/Thomas Koehler

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر نوفمبر «من نراقب؟ من يراقبنا؟». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


يدرك كثير من مستخدمي الهواتف الذكية أن هذه الأجهزة بريئة المظهر، التي يمسكونها في أيديهم طيلة الوقت، تتعقب أماكنهم التي يتحركون فيها، بل وربما تسجل محادثاتهم بشكل عشوائي، وذلك في حالة تفعيل خواص تحديد المكان أو تشغيل الميكروفون.

لكن ماذا لو أغلقت خدمة تحديد موقعك، أو لم تستخدم أيًّا من التطبيقات الموجودة على هاتفك، بل حتى لو أخرجت وحدة تعريف المشترك (SIM card) من جهازك أصلًا؟

بفرض أنك اتخذت كل احتياطاتك، فإن الهواتف الذكية التي تعمل بنظام أندرويد تجمع بيانات حول موقعك، ومكانك بالتحديد، وترسلها إلى غوغل بمجرد اتصال هاتفك بعد ذلك بالإنترنت، حسبما كشف تحقيق أجراه موقع «كوارتز».

غوغل يجمع مواقعنا

الصورة: freestocks-photos

منذ بداية عام 2017، بدأت الهواتف المحمولة التي تعمل بنظام أندرويد في جمع عناوين أبراج الشبكات القريبة منك وإرسالها إلى غوغل، حتى لو كانت خدمة تحديد الموقع معطلة. والنتيجة أن غوغل تمتلك الآن بيانات عن مواقعنا وتحركاتنا بصورة تتجاوز كل حدود الخصوصية الطبيعية التي يتوقعها كل واحد منا.

أكدت غوغل تلك المعلومات، حسبما يورد التحقيق، إذ تُضاف عناوين أبراج الشبكات إلى المعلومات التي يجرى إرسالها دوريًّا إلى نظام غوغل الذي يتولى عملية إدارة الإشعارات (التي ترسلها التطبيقات إلى الجهاز دون أن تطلبها)، وكذلك الرسائل التي تصل إلى هواتف أندرويد خلال الأحد عشر شهرًا الماضية. وهذه العناوين لم تُستخدَم أو تخزّن، ومن المفترض أن الشركة بصدد إنهاء تلك الممارسات.

حتى لو أعدت «ضبط المصنع» في هاتفك، أي أن خدمة تحديد الموقع صارت مقفلة، ترسل موقعك إلى غوغل.

بدأت غوغل، في يناير من عام 2017، في استخدام شفرات التعريف الخلوي (Cell ID)، وهي جزء أساسي من هيكلية النظام العالمي للمواصلات الجوالة، لتحسين سرعة وأداء عملية توصيل الرسائل. لكن الشركة لم تُدخِل تلك الشفرات في نظام التزامن الشبكي حتى تتخلص منها فورًا، بالإضافة إلى أنها حدّثت أنظمتها بالطريقة التي لا تحتاج فيها حتى إلى تلك الأكواد، على الأقل هذا ما يؤكده المتحدث الرسمي باسم شركة غوغل.

اقرأ أيضًا: تعرَّف إلى دماغ «غوغل» والعقول التي تقف خلفه

بعيدًا عن التصريحات والتحديثات، وُجد أن حتى تلك الهواتف التي استرجع مستخدموها إعدادات «ضبط المصنع»، التي تغلق خدمة تحديد الموقع، ترسل عناوين أبراج الشبكات إلى غوغل كلما تحركت في نطاق أحد الأبراج، سواء كنت تتصل بالواي فاي أو البيانات الخلوية (cellular data). وعندما يحدث اتصال بالإنترنت عن طريق الواي فاي، ترسل هواتف أندرويد عناوين الأبراج إلى غوغل، حتى لو لم يكن بداخلها شريحة «SIM».

بيانات لها قيمة سياسية وتسويقية

الصورة: afromusing

من الممكن تحديد موقعك عبر عدة أبراج محيطة به، تساعد في تحديد المكان في حدود دائرة قطرها نصف ميل.

يأتي هذا الكشف عن خرق خصوصية المستخدمين في الوقت الذي تواجه فيه غوغل وشركات أخرى هجومًا من المشرِّعين في أمريكا، بخصوص جمعهم بيانات عن عملائهم.

تلك البيانات، التي تتضمن توجهاتك السياسية وتاريخك الشرائي وأماكن وجودك، أساسية لنجاح شركات مثل فيسبوك وغوغل، اللتين تُقدّر قيمتهما بأكثر من 1,2 تريليون دولار، وترتكزان في أرباحهما على الإعلانات الموجهة والتخصيص (تفصيل منتَج أو خدمة لتناسب شخصًا أو مجموعة بعينها).

قد يهمك أيضًا: عيون إلكترونية في كل مكان: كيف تراقبنا التكنولوجيا؟

مخاطر خرق غوغل لخصوصيتنا

الصورة: Foundry

يفضل أشخاص بعينهم أن لا تتعقبهم غوغل، مثل قوات الشرطة وضحايا العنف المنزلي، الذين يوقفون بشكل شخصي خدمة تحديد الموقع ظانين أنهم في مأمن.

يؤكد التحقيق أنه إذا كان برج واحد لا يعطي سوى معلومة تقريبية عن المكان، فإن مواقع عدة أبراج يمكن أن تساعد في تحديد المكان في حدود دائرة قطرها نصف ميل، ويمكن تحديد المواقع بشكل أدق في المناطق الحضرية، حيث تكون الأبراج أكثر قربًا من بعضها.

يرى «بيل بادينغتون»، مهندس البرمجيات لدى «Electronic Frontier Foundation»، وهي منظمة غير هادفة للربح تدافع عن الخصوصية الرقمية، أن تلك الممارسات التي تخترق خصوصيتنا لها عواقب مثيرة للقلق، ففي حالات معينة، قد تكون تلك البيانات التي يحصل عليها غوغل شديدة الحساسية، وربما تعرِّض صاحبها للخطر.

قد يفضل أشخاص بعينهم أن لا يتعقبهم غوغل، مثل قوات الشرطة وضحايا العنف المنزلي، الذين يوقفون بشكل شخصي خدمة تحديد الموقع ظانين أنهم في مأمن. ورغم أن المعلومات المرسلة إلى غوغل مشفرة، فقد يحصل عليها طرف ثالث لو أن الهاتف مراقَب أو مخترق، فلكل هاتف رقم تعريف فريد يمكن ربطه بمعلومات عن موقعه.

غوغل: سياسة خصوصية مبهمة، وتصريحات تخالف الحقيقة

الصورة: smailox

سياسة الخصوصية لدى غوغل تغطي مسألة البيانات المتعلقة بمواقع المستخدمين، وتشير إلى أن الشركة قد تجمع معلومات عن موقعك من الأجهزة التي تستخدم، لكنها لا توضح ما إذا كانت ستجمع هذه المعلومات من أجهزة الأندرويد عندما تكون خدمة تحديد الموقع مقفلة.  

تنص سياسة غوغل على أنه «عندما تستخدم خدمات غوغل، فإنك توافق على أننا قد نجمع معلومات عن موقعك ونعالجها. نستخدم تقنيات متنوعة لتحديد الموقع، تشمل عنوان بروتوكول الإنترنت (IP address)، ونظام التوقيع العالمي (GPS)، ومتحسسات أخرى قد تعطي غوغل معلومات عن الأجهزة القريبة، ونقاط الوصول اللاسلكي (Wifi access points)، وأبراج شبكات الهواتف».

لو كنت تستخدم أندرويد أو تطبيقات غوغل، يمكن للشركة تحديد دخولك إلى أي متجر، كي توجه إعلانات معينة إلى هاتفك.

يقول المتحدث باسم غوغل إن نظام الشركة الذي يحكم الإشعارات والرسائل «منفصل عن خدمات تحديد المواقع التي توفر موقع الجهاز لتطبيق غوغل»، ويؤكد أن هواتف أندرويد لا توفر لمستخدميها طريقة لمنع جمع بيانات عن أبراج الشبكات، في ما يبدو إخلاءً لطرف شركته من المسؤولية.

اقرأ أيضًا: خبير سابق في غوغل يرصد كواليس هوسنا بوسائل التواصل الاجتماعي

أما «ماثيو هيكي»، الخبير الأمني والباحث لدى شركة الأمن البريطانية «Hacker House»، فيرى الأمر غامضًا لأنه لا يجعل جمع تلك البيانات اختياريًّا، فيصير تطفلًا غير مفهوم من غوغل، ولا يمكن إدراك أبعاده.

ورغم أن غوغل تؤكد أنها لا تستخدم البيانات التي تصلها عن مواقع وجودك، فإنها تسمح للمعلنين بأن يستهدفوك بناءً على تلك المعلومات، لما لها من قيمة تجارية.

لو كنت تستخدم أندرويد أو أيٍّ من تطبيقات غوغل، يمكن للشركة أن تحدد متى تدخل إلى متجر ما، ثم تستخدم تلك المعلومة كي توجه إعلانات معينة إليك فتراها على هاتفك.

أصبحنا في عالم تُخترق فيه خصوصيتنا بشتى الطرق وحتى دون أن ندري، بل وفي الأوقات التي نظن أننا قد اتخذنا كل التدابير الكفيلة بالحفاظ عليها، وغلق جميع الأبواب التي قد تؤدي إلى تجاوزها.