فكر فيها

كيف ينقذنا الشك من محدودية إدراكنا؟

الصورة: Joe deSousa

كتب «هنري ديفيد ثورو» في مذكراته: «يستقبل الإنسان فقط ما هو مُستعد لاستقباله جسديًّا أو فكريًّا أو أخلاقيًّا. نسمع ونفهم فقط ما نعرفه بالفعل. إذا كان هناك شيء لا يُقلقني، أو خارج نطاق اهتمامي، لا يلفت انتباهي تمامًا. ومهما تبلغ حداثته أو روعته، إن كان منطوقًا، فلا أسمعه، وإن كان مكتوبًا، فلا أقرأه. كل إنسانٍ يتبع ذاته في الحياة، في ما يسمعه أو يقرأه أو يتأمله، وتصنع ملاحظاته سلسلة. والظاهرة أو الحقيقة التي لا يتمكن من ربطها بأي شكل من الأشكال مع بقية ما لاحظه، فإنه لا يلاحظها».

تُشكِّل معتقداتنا توقعاتنا، والتي بدورها تشكل مفاهيمنا، ثم تتشكل استنتاجاتُنا، بالتالي نرى ونستنتج ما نتوقع أن نراه وأن نستنتجه، أي نُدرك. إننا نعكسُ صياغة حقيقة بديهية، فنقول إننا سنرى الشيء عندما نؤمن به، بدلًا من أننا سنصدق الشيء عندما نراه بأم أعيننا، وبهذا يظهر مصطلح «الانحياز التأكيدي» في حياتنا دون أن نشعر، إذ إنه نتيجة للطريقة التي يعمل بها الإدراك. ويُعرَّف بأنه الميل النفسي لتبني معلومات جديدة تؤكد صحة المعتقدات السابقة، وتتجاهل الأدلة التي لا تفعل ذلك.

إنه أشبه بمنطقة مريحة للعقل. لذلك، ورغم كونه ميلًا خاطئًا، فإنه شائع، فقد يلجأ الشخص إليه ليحميه من الحيرة، وليبتعد عن كل ما يخالفه في رأيه أو معتقده باعتباره خاطئًا، أليس هذا حجبًا عن التنوع الموجود في الواقع؟

محدودية الإدراك

خداع بصري للضفدع يؤثر في إدراكه للحقيقة

في محاضرة ألقاها عالم الأعصاب «بو لوتو» على منصة «TED»، فسر كيف أن الإدراك يقوم على أساس تجاربنا الماضية فقط. يأخذ الدماغ معلومات لا معنى لها، وينشئ منها معنى، ما يعني أننا لا نرى أبدًا ما يوجد هناك، ولا نرى أبدًا المعلومات، نحن نرى فقط ما كان مفيدًا أن نراه في الماضي. عندما يتعلق الأمر بالإدراك، نحن جميعًا مثل هذا الضفدع. إنه يحصل على معلومة، ويُولِّد سلوكًا مفيدًا بناءً عليها:

في بعض الأحيان، عندما لا تسير الأمور كما نريدها، ننزعج قليلًا. ولكن نحن نتحدث عن الإدراك الذي يُمثل كل شيء نعتقده ونعرفه ونؤمن به، وآمالنا وأحلامنا والملابس التي نرتديها، والوقوع في الحب، كل شيء يبدأ بالإدراك. الآن إذا كان الإدراك يستند على تاريخ تجاربنا، فهذا يعني أننا نستجيب فقط بما يتفق مع ما قمنا به سلفًا. لكن في الواقع، هذه مشكلة لأنه كيف يمكننا أن نرى بشكلٍ مختلف على الإطلاق إذا كان إدراكنا يستند على ماضينا؟

عندما نبدأ العمل على شيء جديد، نُجمِّع كثيرًا من معرفتنا وأفكارنا المُسبَقة حول كيف نتوقع أن ننجز ما لم نبدأه بعد.

جميع حالات الإدراك الجديدة تبدأ بنفس الطريقة، بسؤال. المشكلة مع الأسئلة أنها تخلق حالة شك. يؤكد لوتو أن الشك أمر سيئ من الناحية التطورية. مثلًا، دوار البحر يأتي نتيجة الارتياب. إن كنتَ على متن قارب وذهبت إلى الأسفل، أذنك الداخلية ستُخبرك بأنك تتحرك. وعينك، لأنها تتحرك مع القارب، ستقول إنك تقف ساكنًا. دماغك لا يمكنه التعامل مع هذا التضارب في تلك المعلومات، فيمرض، ويصاب بدوار البحر.

أنا أشك.. إذًا أنا موجود

لوحة «Contemplation» - الصورة: Jozef Israëls

السؤال «لماذا؟» أو «ماذا لو؟» من أخطر الأسئلة التي تخطر على بالك لأنه يقودك إلى الشك. وحتى الآن، المفارقة أن السبيل الوحيد الذي سنتمكن به أن نفعل أي شيء جديد هو أن نخطو نحو هذه المنطقة الخطرة. وتكون الأسئلة أفضل كلما طرحت مجالًا أكبر للشك والريبة التي تُشكك في الأمور التي تؤمن بأنها صحيحة.

قد يهمك أيضًا: العقل كمعضلة: بحثًا عن فكرة أصيلة

يُمثل الانحياز التأكيدي حمايةً غير ذات نفع من الشك، أنه يسحبك بعيدًا عن كل الأفكار التي في دماغك، ويجعلها غير قابلةٍ للربط أو التحليل. ونتجنب التشكيك في ما نفعله لأنه لا يجعلنا نشعر بالسيطرة على حيواتنا وفقًا لقواعدنا الخاصة.

عندما نبدأ العمل على شيء جديد، نُجمِّع كثيرًا من معرفتنا وأفكارنا المُسبَقة حول كيف نتوقع أن ننجز ما لم نبدأه بعد. فيتنهى الأمر بنا إلى التشويش على خيالنا ليناسب توقعاتنا، بدلًا من السماح لدماغنا بمفاجأتنا بشيءٍ غير متوقَّع. هذا لا يعني أنه لا أهمية للمعرفة والمهارات والخبرة، فلن نتمكن من التقدم من دونهم. ولكن عندما نبدأ عملًا جديدًا، نحتاج أن ننظر له بعيون جديدة، ونضع افتراضاتنا وتوقعاتنا جانبًا، ونفتح لعقولنا مصادر جديدة للإلهام. نحتاج في بعض الأحيان إلى أن نلجأ لعدم اليقين والجهل الإبداعي.

كيف نحتاج إلى الغموض؟

لوحة «The Passion of Creation» - الصورة: Leonid Pasternak

قال «فرانك زيناسني»، الباحث الرئيسي للدراسة وأستاذ علم النفس في جامعة السوربون، إن التسامح مع الغموض في الأفكار يُمكِّن الأفراد من عدم الاكتفاء بحلول جزئية أو غير مثالية للمشكلات المعقدة. قد يتمكن الأشخاص الذين يتحملون الغموض من التعامل بفعالية مع مجموعة أكبر من المواقف المثيرة للتفكير، بما في ذلك الحالات الغامضة العصية على الفهم، بينما يتجنب الأفراد الذين لا يتقبلون الغموض، أو يتوقفون بسرعة عن معالجة مثل هذه المعلومات، الأمر الذي يُعيقهم عن الإبداع.

قد يعجبك أيضًا: هل تعمل أدمغة المبدعين بشكل مختلف؟

كتب الشاعر «كيتس» عن «القدرة السلبية»، أي عندما يكون الإنسان قادرًا على أن يكون في حالة عدم يقين، حالة مليئة بالألغاز والشكوك، ودون أي استعجال في الوصول إلى ما بعد الحقيقة والمنطق. الشك جزء لا يتجزأ من الإبداع، ويمثل حاجةً للمبدعين لأن يمجدوها ويفسحوا الطريق لوجودها، أنه يمكن أن يكون مصدرًا لإثارة فضولهم ورؤية مختلفة لمحيطهم. إن أي شخص لديه القدرة على اكتشاف شيء جديد عبر الأسئلة، وأي سؤال يمكن أن يؤدي إلى اكتشاف كبير.