هناك لحظات في سجل الأمم لا يمكن أن تقدر بحجم ما جرى وإنما بما كان يمكن أن يجري لو لم يكن من يقف في المكان والتوقيت الصحيحين بالقرار والفعل اللازمين، فما تم كشفه في الساعات الأخيرة وقبلها بأيام من إحباط مخططات خبيثة للحرس الإيراني للإضرار بدولة الكويت، لا يمكن التعاطي معه كخبر أمني يقرأ في بداية نشرة المساء أو مانشيت على صدر الصفحة الأولى لجريدة يومية، إنه صورة مقربة لصراع بين إرادتين، إحداهما في وطن تغار منه الشمس ويعشق العيش في سلام، والأخرى لنظام يقبع في أقبية الظلام لا يجد معنى لوجوده إلا بزعزعة هذا السلام.
إن البواسل الذين أحبطوا هذه المخططات لم يكن يعنيهم لحظتها التوازنات الإقليمية والرهانات السياسية، فقد كان همهم أبسط وأعمق من كل ذلك، إنه أمن المواطن وسلامة الوطن، وهو بالضبط ما يجعل البواسل المرابطين في الثغور أعظم من أي خطاب أو مقال، فيما يقف الحرس الإيراني بكل أدواته وتوابعه وخبثه على الطرف الآخر من تخوم الكويت كعدو يتسلل في جنحة الليل، مراهنا على أن غفلة لحظة واحدة كافية لتحقيق ما عجز عنه طيلة عقود من التآمر الإيراني العابر لحدود الجيرة.
ما يثير الاستبصار حقيقة ليس المخططات العدائية الإيرانية في حد ذاتها، بل الوقاحة التي بات يتصرف بها النظام الإيراني تجاه دول تربطه بها صلات دبلوماسية رسمية، وكأن الخطاب الرسمي عن حسن الجوار والأخوة الإسلامية لم يكن يومًا إلا ديكورًا للاستهلاك الإعلامي بينما تعمل آلة التخريب السافر في الخفاء عبر خلايا نائمة تصحو في لحظات التآمر.
إن هذا النفاق الصارخ هو ما يجعل إدانة السلوك الإيراني واجبًا وطنيًا في ظل الاستهداف المتعمد للبنية المدنية لدول الجوار بهذه الطريقة الخسيسة التي تتجاوز حدود القانون الدولي وكل أعراف التعايش بين الدول.
الكويت اليوم لم تحبط مخططًا إيرانيًا للنيل من أمن حدودها وسلامة مجتمعها فحسب بل أثبتت مرة أخرى أنها تملك ما يكفي من الجاهزية والحصانة لحماية نفسها، وهذا في حد ذاته رسالة لمن يريد أن يعي بأن هذا الوطن الغالي الصغير بمساحته، لديه من العزيمة ما يفوق جغرافيته بكثير، مع الإقرار بأن إحباط المخططات الشيطانية الإيرانية لا يفي وحده بكل غاياته ونتائجه من دون أن يقترن بموقف خليجي موحد بشأن مراجعة عميقة لطبيعة التعامل مع نظام لم يثبت يومًا أن اتفاقيات الجوار تعني له شيئًا حين تتعارض مع أجندته السافرة.