الأقل حظًّا

نعم تعني نعم: أسئلة الجنس والمتعة والأذى

الصورة: Getty/Chelsea Guglielmino

أثار موضوع ما بعد دولة القانون: حروب الجنس النسوية بين «نعم» و«لا» نقاشات مطولة في الاجتماع التحريري لـ«منشور»، ورأينا أن ننشره ونتيح فرصة الرد لمن يختلف معه، وهذا أحد الردود.


حين یمارس یساري عربي ماركسي النزعة جهدًا في تثقیف نفسه بأدبیات النسویة الغربیة، یكتشف أنه یتنازعها تیاران، الأول تیار «الأذى»، أي التیار النسوي، الذي یجعل إطاره السیاسي هو الانطلاق من العنف الجنسي الواقع على المرأة، والثاني تیار «الجنس» المتحالف مع بعض تیارات الحركة الكویریة (الكوير مصطلح عام يشير إلى الأقليات الجنسية من غير المغايرين)، والذي یكون إطاره السیاسي التمحور حول الحریة الجنسیة، فالحركة الكویریة تدعو إلى تحریر الجنس من مقولات الجندر، وتحریر الجندر من مقولات الغَیْریة.

بالنسبة إلى هذه الحركة، مشكلة الجندر لیست الحكم الأبوي بل الحكم الغیري، ولذلك فأجندتها الأساسیة هي التحرر الجنسي.

بعض تیارات الحركة الكویریة متحالف مع النسویة وینظر إلى الغیریة كأنها تعبیر عن الحكم الأبوي. وبعضها الآخر ینظر إلى تشریعات النسویة التي تنظم قوانين التحرش الجنسي والاعتداء الجنسي بارتیاب، بدعوى أنها تؤدي إلى رقابة اجتماعیة وقانونیة على ممارسات الكویریین ضد الجنس، ویتحالف مع تیار الجنس، الذي نشأ داخل الحركة النسویة في ثمانینيات القرن الماضي، كرد على محاولة بعض تیارات النسویة الرادیكالیة تنظیم استهلاك أدبیات البورنوغرافیا.

حین یرى الرجل ذلك، یحسم موقفه: «أنا مع تیار الجنس، تبًّا لحزب نسویات الأذى، الطهرانیات المتشككات في إرادة المرأة، في قدرتها على قول لا، في حریتها في التصرف في جسدها».

یكمل الرجل في غضب: «ما هذا یا ربي، حررناها من سلطة والدیها لنستمتع بها، فإذا بالنسویة الطهرانیة الفیكتوریة كارهة الجنس اللعینة تقف بیننا وبین نسائنا، لتفسدهن بحدیث حشدي شمولي عدواني تجاهنا، حدیث یغربهن عن جمالنا وجمال الجنس معنا. نسویة الأذى ما هي إلا تكرار لتیارات المحافظة الاجتماعیة بخطاب آخر، وهو ماضٍ في إعادة تنظیم الفضاء العام للفصل بین الجنسین، تمامًا كما تدعو إليه المحافظة الاجتماعیة».

«المستقبل للنسوية» - الصورة: James McNellis

المواجهة الحقیقیة بین نسویة تسعى لاستمتاع المرأة في الجنس، وأخرى تسعى لدفعها لممارسته حسب الشروط المهیمنة.

عندما یصبح الموضوع «جنس المرأة»، یتحول الماركسي إلى لیبرالي فج. «اللقاء الجنسي عقد اتفاقي»، یصر الماركسي، محض عرض وقبول. العقد مع عاملة الجنس هو، للرجل، العقد الجنسي بامتیاز. ینظر الرجل التقدمي إلى عاملات الجنس ثم یقترح: «فلننظمهن في نقابة». أما العقد مع الصاحبة أو الغریبة أو الزوجة، بالنسبة إليه، فلیس إلا صدًى للعقد الأصلي، محض عرض وقبول. أنا أعرض وهي تقبل، أو تعرض هي وأنا أقبل.

إنها مفارقة غریبة حقًّا، فالماركسي یحتقر عقد العمل اللیبرالي ولا یعتبره معرفًا لحق العامل، بل یصر أن العقد الاتفاقي بین صاحب العمل والعامل یخفي وراءه استغلالًا اقتصادیًّا شاملًا، فوراء عقد العمل تكمن «الطبقة»، سیطرة طبقة اقتصادیًّا وفكریًّا وقانونیًّا على طبقة أخرى، والتركیز على العقد یخفي فعل الطبقة، نسویة الأذى ماركسیة بهذا المعنى، فهي تعتبر العقد الجنسي (زواج، عشق، رفقة، هوى)، رغم لغته الرضائیة، یخفي وراءه استغلالًا جنسیًّا شاملًا.

وراء هذا العقد الرضائي مؤسسات وعلاقات اجتماعیة قائمة على تعریف المرأة على أنها «الجنس» الذي یمنح الجنس، والرجل على أنه «الجنس» الذي من أحقیته تملُّك هذا «الجنس». وراء عقد الجنس یكمن الجندر، و«نسویة الأذى» ماركسیة لأنها لا تفرق بین «الأذى» و«الجنس». فسؤال الأذى هو ببساطة سؤال الجنس، وسؤال الجنس هو سؤال الأذى.

المواجهة الحقیقیة لیست بین نسویة طهرانیة تكره الجنس ونسویة لیبرتانیة تحرریة تحب الجنس، بل بین نسویة تسعى لاستمتاع المرأة في الجنس، ونسویة تسعى إلى دفعها لممارسة الجنس حسب الشروط المهیمنة.

الجنس الواجب، والجنس المؤدب، والجنس المكره، والجنس المعنف، والجنس المربوط بسلطة، والجنس مع جثة، والجنس مع غائبة عن الوعي، كل هذا جنس في عرف فریق الجنس. لو كنت رجلًا لرأیته كذلك، فمتعة الرجل تظل موجودة في كل حالة، لكن أین متعة المرأة في كل ذلك؟ یا لها من مفارقة، إنها النسویة الطهرانیة التي تسعى إلى الجنس كمتعة للمرأة وتصر علیه: نعم یعني نعم، نعم یعني رغبتي في الاستمتاع بما سنفعل.

المشكلة من وجهة نظر النسویات الناشطات في معیار «لا تعني لا» أن الافتراض الضمني لهذا المعیار هو موافقة المرأة على الممارسة الجنسية، ونفیه یكون بتصریحها بذلك.

المشكلة أن المرأة في حالات كثیرة لا تستطیع التعبیر عن رفضها للجنس مع رجل معین، إما لخوفها من رد فعله، أو لسلطته علیها، أو بدافع الواجب الاجتماعي، أي أنه افتراض ضمني یعمل لصالح الرجل في معظم الأحیان. معیار «نعم یعني نعم» ینفي هذا الافتراض الضمني إلى عكسه تمامًا، ویُرغم الرجل على الاطلاع على رغبة المرأة الحقیقیة.

اقرأ أيضًا: ما بعد دولة القانون: حروب الجنس النسوية بين «نعم» و«لا»

طالبة أمريكية تعرضت لتحرش جنسي تشرح هدف ومعنى حملة «نعم تعني نعم»

یغیب عن الرجل أن رغبة النساء في تغییر القواعد القانونیة، أو في الاحتكام إلى «الناس» ووصم المتحرش، قد تكون ردًّا على فشل القواعد القانونیة الحالیة.

حین یصف الرجل روایات النساء عن التحرش الجنسي، الذي فتحت حملة «#MeToo» بابًا له، على أنه هستیریا جماعیة، فقد یكون ذلك تعبیرًا عن هستیریا مضادة عن طریق الإسقاط، وكأنه یقول: «أنا هسترت حقًّا، هسترت لأني لا أرى في هذه الروایات ما یضیر، ما هو طبیعي لي أن أصبح مساءَلًا اجتماعیًّا وعقابیًّا. یا إلهي، كیف سأكون رجلًا بعد الیوم؟».

یقولون إن رحم المرأة یجعلها هستیریة، أما ما لا یقولونه فهو أن «إخصاء» أحقیة الرجل الجنسیة تجعله هستیریًّا كذلك.

یستغرب الرجل كل شكاوى التحرش: أین كانت؟ لماذا صمتت النساء عن حقهن، بافتراض وجوده؟

ویغیب عن الرجل الماركسي أن لروایات النساء عن التحرش بِنیَة متشابهة: «كتمتُ الأمر سرًّا لفترة طویلة لأني خفت أن أحدًا لن یصدقني»، «أقنعت نفسي أن ما حصل ناجم عن سلوك مشین مني، ما حصل كان مسؤولیتي»، «حولت عدائي للمعتدي عليَّ إلى عداء نحو نفسي، فأصَبت بالاكتئاب»، «حملة #MeToo أعطتني الشجاعة لأصرح بما حدث. ما حدث سمم حیاتي، لن أسكت بعد الیوم، أشعر بالارتیاح». یغیب عن الرجل تواتر «كتمت الأمر سرًّا لمدة طویلة»، لیكتب وكأن النساء مسارعات للشكوى مخترعات للأذى، متمادیات في اتهام أي أحد بالتحرش.

أيُّ معرفةٍ بمجتمع النساء، ولو بسیطة، تشیر إلى أنهم یخفن الشكوى، مثلما شرحت كثيرات، إذا أجبر الرجل نفسه على الاستماع إلیهن.

تخاف النساء من التشكیك في أقوالهن، من خسارة مصدر الرزق، من صعوبة وتعقید إجراءات الشكوى، فمن الصعب إثبات ما حدث لأنه یقع في مكان خاص، وكذلك من الفضیحة، إلخ.

وحتى المؤسسات التي یُفترض بالنساء اللجوء إلیها، مثل الجامعات والشرطة والقضاء، كلها لها تاریخ طویل عریض في التشكیك في أقوال النساء.

الصورة: Gigi Ibrahim

یتهم الرجل نسویات «الأذى» بعداء دولة القانون، لكن دولة القانون بالنسبة إلى النساء هي دولة تحمیهن من الموت والاغتصاب قبل أن تطعمهن وتأویهن.

یغیب عن الرجل أن رغبة النساء في تغییر القواعد القانونیة، أو في الاحتكام إلى «الناس» ووصم المتحرش، قد یكون ردًّا على فشل القواعد القانونیة الحالیة، التي كشفتها حملة «#MeToo»، وقبلها حملة الطالبات في الجامعات.

شهدت عدة جامعات أمریكیة حملات نسویة طلابیة تعترض على الإهمال المزمن من الإدارة في التحقیق في حوادث الاعتداء الجنسي على الطالبات من الطلاب، أو التحرش الجنسي من أعضاء هیئة التدریس.

أیدت إدارة باراك أوباما الحملة النسویة، بتهدید الجامعات المعنیة بسحب التمویل الفیدرالي منها إن لم تنظر إلى هذه الشكاوى بجدية وتغیر قواعد التحقیق فيها، في اتجاه لتحویل عبء الإثبات من المتهِمة إلى المتهَم. أما إدارة ترامب فسحبت هذا التهدید، وأعفت الجامعات من شرط التمویل.

هذا تفسیر أكثر وضوحًا وسهولةً لصمت النساء طویلًا، لو اختار الرجل أن یستمع.

من المؤسف حقًّا أن الرجل الماركسي غیر قادر على التضامن مع النساء، وحتى یساریته لا تدفعه إلى التضامن مع الفقیرات، وهن الأكثر عرضةً للتحرش والاعتداء الجنسي والاغتصاب، والأقل قدرةً على الشكوى، لخوف العوز الاقتصادي.

قد يعجبك أيضًا: كيف أصبحت نسوية نكدية؟

یتهم الرجل نسویات «الأذى» بالعداء لدولة الرفاه ودولة القانون، لأنهن یحتمین بالمجتمع والناس ویؤلبونهم على المتحرش بدلًا من اللجوء إلى الدولة، لكن دولة الرفاه بالنسبة إلى النساء هي دولة تحمیهن من الموت والاغتصاب قبل أن تُطعمهن وتأویهن، ولهذا یتمسك بها النسویات بقوة، دولة القانون هي التي تستطیع أن تحاكم مغتصبیهن.

العكس هو الصحیح، فنسویات «الجنس»، عزیزي الرجل، حلیفاتك، هن اللواتي یكرهن الدولة والقانون، ویردن التحرر من رقابتها وقوانینها، خصوصًا قوانین العنف، لأن تحررهن يعتبر الدولة وقوانینها رقابةً على الجنس الذي یطالبون به.

عندما یكون الموضوع جنس المرأة، یصبح الماركسي لیبرالیًّا، شكلیًّا، إجرائیًّا.