فكر فيها

قسمة ونصيب: لماذا يصعب على جيل الألفية العثور على شريك الحياة؟

الصورة: Thomas Leuthard

يقولون إن أبناء جيل الألفيَّة أكثر حظًّا من غيرهم، إن التكنولوجيا وفرت لهم سبلًا لا تُحصى لارتياد مجالات الحياة بشتى أنواعها، إن ما كان يعدُّ مستحيلًا عند أجدادهم هو شيء في غاية البساطة الآن، إنهم جيل لا ينقصه شيء. يقولون هذا وأكثر، ويتهمون أبناء هذا الجيل بالكسل والتراخي وتبديد الوقت في أشياء فارغة.

وقد يكونون مصيبين في بعض ما يقولون، لكن لكل عملة وجهين، وهذه السبل الوفيرة تحديدًا هي أكبر عائق يحول الآن بين أبناء جيل الألفيَّة وبين عثور أكثريَّتهم على شريك حياة، كما ورد في مقال على موقع (Psychology Today) لـ«كارولاين بيتون» (Caroline Beaton)، الكاتبة والباحثة في علم النفس، والمتخصصة في المشكلات التي يعانيها جيل الألفيَّة، وتستعرضها على مدونتها (The Gen-Y Mind).

الفكرة القديمة عن لقاء شاب بفتاة في مكان عام وبدء حوار بينهما وجهًا لوجه توشك على أن تصير أثرًا من آثار الماضي.

تقول بيتون إنه ليس مفاجئًا أن نعلم أن أبناء جيل الألفيَّة هم الأقل بين جميع الأجيال السابقة في الدخول في علاقات طويلة الأمد، أما عن الاعتقاد الشائع بأن لأبناء هذا الجيل حياة جنسية نشطة خارج إطار العلاقات، فقد ذكرت بيتون عدَّة إحصاءات تثبت خطأ هذه المعتقدات؛ فـأغلب المولودين في الفترة بين أوائل الثمانينات ومنتصف التسعينات غير متزوجين أو في علاقة ، بل إن تجاربهم الجنسية محدودة جدًّا إن لم تكن منعدمة تمامًا.

طيِّب، إذا كان أكثر أبناء الألفيَّة غير متزوجين، وليسوا في علاقة، ولا يمارسون الجنس دون ارتباط حتى، فماذا يفعلون إذًا؟

اقرأ أيضًا: المأساة الجنسية في العالم العربي

إنهم ما زالو حائرين

المواعدة عبر الإنترنت
مواقع التواصل الاجتماعي والمواعدة عبر الإنترنت لم تقرِّبنا في الواقع - الصورة: Wikimedia

من المعروف أن وفرة الخيارات تحيِّر المرء أكثر، وليس هناك في عالم العلاقات اليوم ما هو أوفر من المواعَدة عبر الإنترنت (Online Dating)، هذا النوع من العلاقات الذي بدأ مع ظهور مواقع التعارف وغُرف المحادثة (راجع فيلم You've Got Mail)، وأصبح الأكثر شيوعًا في العالم الآن مع وجود الجميع على شبكات التواصل الاجتماعي، حتى إن الفكرة القديمة عن لقاء شاب بفتاة في مكان عام وبدء حوار بينهما وجهًا لوجه توشك على أن تصير أثرًا من آثار الماضي بالفعل.

غالبًا ما تظل المواعَدة عبد الإنترنت محصورة في نطاق الشبكة العنكبوتية، ولا تتطور إلى لقاءات حقيقية.

في العام الماضي وجد مركز (Pew) للأبحاث في واشنطن أن واحدًا من كل خمسة أفراد بين الـ25 والـ34 من العمر جرَّب المواعَدة عبر الإنترنت. وطبقًا لمقال منشور على موقع (Forbes)، فإن هناك أكثر من 2500 موقع لخدمات المواعَدة عبر الإنترنت في الولايات المتحدة وحدها، ومعظم هذه المواقع، مثل (Tinder) و(Hinge) و(Bumble)، يستهدف أبناء جيل الألفيَّة بالتحديد، فعلى سبيل المثال، 90% من مستخدمي (Tinder) تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا.

من السهل إذًا أن يعتقد الناس أن أبناء جيل الألفيَّة لا يجدون أي مشكلة على الإطلاق في العثور على شريك عاطفي بسبب الانتشار المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي ومواقع المواعدة، لكن المشكلة لا تكمن في رغبة أبناء هذا الجيل في العثور على شريك لهم، أو حتى في أنهم يريدون  أن يمارسوا الجنس فقط دون ارتباط عاطفي، بل تكمن مشكلة أبناء الألفيَّة في عدم قدرتهم على الوصول لمرحلة اللقاء الأول من الأساس، فغالبًا ما يظل هذا النوع الرقمي من المواعَدة محصورًا في نطاق الشبكة العنكبوتية، ولا يتطور إلى ما هو أبعد من ذلك.

تشير الاستطلاعات التي أجراها مركز (Pew) إلى أن ثلث من بدأوا مواعَدة شخص ما على الإنترنت لم يلتقوا بهذا الشخص في الحقيقة ، وعلى الرغم من أن (Tinder) يتباهى برقم الـ26 مليون مستخدم الذين يعثرون على شريك في اليوم الواحد، فإن نسبة 8% فقط منهم تجاوزت علاقاتهم فضاء الإنترنت إلى عالم الواقع.

قد يعجبك أيضًا: التكنولوجيا عدو أم صديق؟

في البحث عن شريك خيالي

مواعدة دون اهتمام
 الصورة: torbakhopper

المشكلة الغالبة أن كثيرين من مرتادي هذه المواقع يكذبون في تقديمهم أنفسهم على حساباتهم، وطبقًا لمقال على (Huffington Post)، فإن 54% ممن التقوا أشخاصًا تعرفوا عليهم على الإنترنت وجدوا أنهم في الواقع يختلفون تمامًا عن الصورة التي يصدرونها لأنفسهم على مواقع المواعدة. علاوةً على هذا، يميل مرتادو هذه المواقع إلى البحث عن الشخص الأكثر جمالًا أو وسامة، ما يؤكده عالم النفس «روبرت بوريس» (Robert Burriss) بقوله إن الفتاة الجميلة تتلقى أربعة أضعاف الرسائل التي تتلقاها متوسطة الجمال، و25 ضعف الرسائل التي تتلقاها تقليدية الملامح.

يعتقد أغلبنا أن كثرة الخيارات شيء جيد، لكن الحقيقة أن هذه الكثرة تحديدًا من شأنها أن تشلَّ قدرتك على الاختيار تمامًا .

لا يقتصر الأمر على هذا فحسب، فمن يبحثون عن شريك على هذه المواقع يعملون على فلترة عملية البحث من خلال الاهتمامات المشتركة، بدايةً بأصغرها كالأفلام والكتب المفضلة مثلًا، وحتى أكبرها كالميول السياسية أو الديانة، كما ورد في مقال لـ«بول أوير» (Paul Oyer)، عالم الاقتصاد وخبير المواعَدة عبر الإنترنت، فهذا التدقيق الشديد في الاختيار يرجع إلى أن الأعزب لديه دائمًا صورة خيالية عن الشريك الذي يرغب في الارتباط به، فيقتصر بحثه على هذه الصورة فحسب، وحتى إذا نجح في الوصول إلى شخص بهذه الصورة على الإنترنت فإن اللقاء الأول الحقيقي غالبًا ما يهدم آماله المعلقة بهذا الشخص عن بِكرة أبيها.

متجر الأحباء

فتاة تستخدم الكمبيوتر
الصورة: Pexels

تذكر الكاتبة مقالًا سابقًا لها، قالت فيه إنه بينما يعتقد أغلبنا أن كثرة الخيارات أمام المرء شيء في صالحه ويحقق له سعادته، فالحقيقة أن هذه الكثرة تحديدًا من شأنها أن تشلَّ قدرته على الاختيار تمامًا، كما أن أصعب جزء على الإطلاق في المواعَدة عبر الإنترنت هي عدم قدرة من يستخدم هذه المواقع على لقاء كل من يبدون مناسبين في عالم الواقع. الأمر أشبه أن تدخل متجرًا بغرض شراء منتج ما فتجد أنواعًا لا حصر لها من هذا المنتج، لدرجة تجعلك عاجزًا عن الاختيار.

وتقول «برييا باركر» (Priya Parker)، الأستاذ بمعمل الابتكارات في جامعة هارفارد، إن أبناء جيل الألفيَّة بالذات يعانون حالة من البلبلة من هذه الخيارات، التي كلما ازدادت جعلتهم يخشون أن يكون اختيارهم خاطئًا، وهو الكلام الذي يدعمه المنتج الإذاعي «بي جيه فوجت» (PJ Vogt) بقوله، حين جرب المواعَدة عبر الإنترنت، إنه كان ليستريح أكثر كثيرًا لو وجد الخيارات أمامه محدودةً للغاية، بحيث يستطيع أن يلتقى فتاة واحدة فقط يشعر بالراحة معها.

بالإضافة إلى هذا، فالقلق المتولد من فكرة الاختيار الخاطئ يساهم إلى حد كبير في هشاشة العلاقات التي تبدأ على الإنترنت، فمع أن 70% ممن يدخلون هذه العلاقات يؤمنون بأن مواقع المواعَدة عبر الإنترنت تساعد الناس في العثور على شريك عاطفي أكثر من غيرها من الوسائل، فالأرقام تقول إن من يلتقون عبرها غالبًا ما تفشل علاقاتهم بشكل أكثر ممن التقوا شركاءهم بطريقة تقليدية .

الحل غير رومانسي

حفل زواج
قد يكون الطريق الوحيد للرومانسية هو أن نتخلى عنها - الصورة: sh112

لهذه الأسباب إذًا وأكثر، ترى شريحة كبيرة من أبناء جيل الألفيَّة أن العلاقات العاطفية أصبحت الآن أصعب كثيرًا مما كانت عليه بالنسبة لأي جيل سابق، وعلى الرغم من ذلك ما زالوا يرغبون في هذه العلاقات ويسعون إليها ويؤكدون أهميتها لديهم.

قد يهمك أيضًا: التطور والواقع: هل نرى ما نرى فعلًا؟

لكن للأسف حل هذه المشكلة الرومانسية غير رومانسي بالمرة، على الأقل طبقًا لـ«بول أوير»، إذ يقول إن «الرضا بالموجود» هو الحل الأمثل، لأن الأمر في النهاية لا يختلف عن قبول وظيفة لا تستوفي جميع شروط ومتطلبات المرء، وفي مرحلة ما عاجلة أو آجلة على كل منا أن يرضى بشريك حياة لا يستوفي جميع شروطه ومتطلباته كذلك.

الآن يجب أن تكف عن معاملة من تعجب بهم على الإنترنت على أنهم مجموعة من البيانات، ويجب أن تدرك أن العلاقات لا يمكن تصنيفها وتنسيقها وخوضها كأنها ملفات كمبيوتر، فلا أحد في حقيقته يكون كما يبدو على الإنترنت أبدًا، وهناك دائمًا الكثير من المفاجآت. إذا فعلت ذلك، قد تظفر بشريك مناسب لك.

الحل أن نكون واقعيين.

, , , ,