الأقل حظًّا

ميزلمان؟ أطفال اللاجئين في السويد بين الحياة والموت

الصورة: RapidEye

تخبرنا الأخصائية النفسية «شارلوت ينس»، في مقال نشرته على موقع «أطباء بلا حدود» عن تجاربها مع لاجئين سوريين في مدنية إربيل العراقية، عن شاب سوري يبلغ من العمر 27 عامًا، تشير له باسم مصطفى لأسباب أمنية، شُلَّ نصف جسده السفلي جراء التعذيب الذي تعرض له في السجن.

كان مصطفى يخبر ينس في جلساته الأسبوعية عن أحلامه الرمزية عن الحرية، والرياضة التي يمارسها بإصرار في حواري المخيم الطينية، وحبه الأول، وفخره حين يناشده الناس للغناء في أعراسهم. لكن إضافةً لكل ذلك، يخبرها مصطفى كذلك بأنه يفكر في الانتحار، فهو لا يرى فائدة للعيش بهذه الطريقة لأن شيئًا لن يرجع كما كان.

هذا الإحساس بعدم الرغبة في الحياة قد يبدو طبيعيًّا نتيجةً لما عاشه مصطفى قبل أن يصبح لاجئًا في إربيل، لكن بعض أطفال السويد، وغالبيتهم من دول أوربا الشرقية، تضاعف عندهم هذا الإحساس ليصل إلى اضطراب نفسي أُطلق عليه «Uppgivenhetssyndrom»، أي الاضطراب الاستسلامي الذي يجعل اللاجئين الصغار يدخلون في حالة كالغيبوبة حالما يصلهم خبر رفض الحكومة السويدية طلب لجوء عائلاتهم.

رغم أن هذا الموضوع شغل الشارع السويدي منذ أكثر من عقد من الزمان، إلا أن الصحفية «ريتشل أفيف» لفتت أنظار العالم إلى هؤلاء الأطفال في مقال نشرته مجلة «ذا نيويوركر».

قد يهمك أيضًا: لاجئ سوري يحكي تجربته في السفر إلى أوروبا

أطفال فقدوا دافع الحياة

طفل يجلس مع كلبه
الصورة: Mojpe

يقول أحد الأطفال إنه شعر كأنه في صندوق زجاجي في المحيط، سيتهشم فورًا لو أبدى أي حركة، ليغرق في المياه.

بحسب أفيف، بدأت المستشفيات السويدية تستقبل هذه الحالات مع بداية الألفية الجديدة، وظن الأهالي أن أبناءهم يعانون الكوليرا أو وباءً آخر مجهولًا، لكن في عام 2005 تم تشخيص أكثر من 400 طفل بين سن 8 و15 عامًا بهذا الاضطراب، وأعراضه هي الاستسلام الكُلِّي وانعدام الحركة والانسحابية والصمت، وعدم القدرة على الأكل أو الشرب أو الاستجابة لأي محفز جسدي، وكذلك سلس البول.

أحد الأطفال الذين تحدثت عنهم أفيف في مقالها تعرض لهذا الاضطراب بعد تلقيه خبر رفض طلب لجوء عائلته، والآن صار أخوه يسقيه الكوكاكولا بملعقة شاي، إلا أن كل ما في الملعقة يصب خارج فمه. كان يشعر وقتها كأنه في صندوق زجاجي هش غارق في المحيط، إذا أبدى أي حركة أو بدأ بالحديث سيتهشم الزجاج حوله ليموت غرقًا.

تقول أفيف إنها لم يكن ليخطر ببالها مرور الطفل بحالة كهذه، إذ أنها لم تقابله إلا بعد شفائه التام، ورغم هذا فإن بعض الأطفال المصابين فقدوا سنتين من أعمارهم في هذه الحالة بالفعل، وهذا ليس بالأمر الهين.

اقرأ أيضًا: رحِّبوا بالمهاجرين: اقتصاد الدول يستفيد من تنوع ساكنيها

الحقيقة أغرب كثيرًا من كل ما قد تقرأ عنه

كيف ينسحب الأطفال المصابون بالاضطراب الاستسلامي من الحياة؟

فقدت «إيباداتا» القدرة على المشي وأصبحت خائرة القوى، فظلت في السرير لشهور بعد ذلك.

كانت أفيف قد قرأت بحثًا أكاديميًّا عن هذا الاضطراب على موقع «فرونتيرز»، جعلها تظن أنها ستكون متأهبة للقاء أطفال السويد المرضى، إلا أن الرؤية الفعلية لفتاتين طريحتَي الفراش لا تستجيبان لما حولهما لفترة طويلة جعلها تدرك غرابة الحالة.

عندما زارت أفيف هاتين الأختين كان قد مضى على الصغرى، «جينيتا»، سنتان ونصف منذ إصابتها بالاضطراب، وكانت تبلغ من العمر 12 عامًا آنذاك، ثم لحقتها أختها الكبرى «إيباداتا»، وعمرها 15 عامًا، وكل ذلك قبل أن يمضي على تلقي العائلة رسالة رفض طلب اللجوء 24 ساعة.

ذكرت أم الفتاتين في مقابلة لها في مجلس الهجرة أن سبب هروبهم من بلدهم كوسوفو أنهم تعرضوا لمضايقات كثيرة بسبب أنهم من الغجر الرومان.

من بين الأعراض التي ظهرت على إيباداتا عدم القدرة على المشي، لكن والدها حاول إجبارها على الذهاب إلى المدرسة بوضعها على دراجتها ودفعها، إلا أنها كانت خائرة القوى فحملها إلى فراشها، حيث ظلت حتى وقت كتابة المقال بعد خمسة أشهر.

تتذكر أفيف كيف فتحت الطبيبة عين الأخت الصغرى جينيتا ووجهت ضوء المصباح إلى عينيها مباشرة، لكن جينيتا صوبت نظرها نحو الطبيبة وكأن الإضاءة المشعة في عينيها ليست موجودة. 

أطفال على هامش الحياة، وشيوخ مُتعَبون

لقطات لمعتقلين لدى ألمانيا النازية بعضهم من «الميزلمان» - تحذير: بعض القُراء قد يجدون الفيديو مؤلمًا

يؤكد هذا الاضطراب رغبة الطفل في الموت، كما كان أسرى المعتقلات النازية يتوقفون عن الأكل والكلام والحركة حتى الموت.

الغريب في الأمر أن هذا الاضطراب الذي يظهر عند اللاجئيين الأطفال لم تسجل حالاته إلا في السويد فقط، وحاولت أفيف البحث عن حالات مشابهة فلم تجد  طفلًا سوريًّا لاجئًا يعاني مثل هذا الاضطراب، رغم كل ما مروا به وكل الآثار السلبية النفسية التي تركتها الحرب على الأطفال.

لكن أقرب مثال وجدته أفيف هم «الميزلمان» أو  «الشيوخ المتعَبون»، وهو ما كان يطلَق على اليهود المحتجزين في معسكرات اعتقال ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية. وصل هؤلاء إلى درجة من الهزال حتى صاروا يمشون محنيِّي الظهر من التعذيب، وأصبحوا لا يهتمون بشيء واستسلموا تمامًا للأمر الواقع، وفقدوا الأمل في الخروج من معسكرات الاعتقال.

يقول «ماغنس كيلبوم»، وهو رئيس مؤسسة لعلم نفس الأطفال في ستوكهولم عاصمة السويد، إن هذا الاضطراب يؤكد رغبة الطفل في الموت، كما كان المحتجزون في المعتقلات النازية يتوقفون عن الأكل والكلام والحركة حتى يقضون نحبهم.

لماذا السويد حصرًا؟

أم تحتضن طفلتها المريضة
الصورة: taylormackenzie

يظل السؤال: لماذا يصيب هذا الاضطراب الأطفال اللاجئين في السويد بالذات؟

هذا سؤال لم تهتدِ أفيف لإجابته، فالسويد أفضل دول العالم في معاملة اللاجئين، ويشعر السويديون كلهم، بدايةً من الملك وحتى الساسة ورجال الإعلام وعامة الشعب، بالقلق تجاه هؤلاء الأطفال، إذ وقَّع 160 ألف مواطن عريضة يطالبون فيها بعدم ترحيل الأطفال المصابين بالاضطراب، عقب عرض مَشاهد في الإعلام تُظهر أطفالًا على نقالات يتم ترحيلهم على متن طائرات خارج البلاد.

يرى المختصون أن الأطفال يصابون بالمرض لخوفهم من العودة إلى أهوال الحرب في بلادهم مجددًا.

يرى أحد أشهر صحفيي السويد أن «هذه القضية كفيلة بأن تُسقط الحكومة في ساعات»، ممَّا دفع البرلمان إلى تمرير قرار مؤقت بوقف جميع الترحيلات، خصوصًا بعد أن خلص تقرير إرشادي عن هذا الاضطراب، ضمن عدة كتابات أخرى للمختصين، بأن أكثر العلاجات فعاليةً هو السماح للأطفال وعوائلهم بالعيش في السويد.

مع ذلك، يمكن الاستفادة من آراء بعض المختصين لفهم سبب ظهور الاضطراب في السويد فقط.

الفيلسوف الكندي «إيان هاكينغ» قال إن الأمراض النفسية تتكيف حسب المخاوف والمشاغل الشائعة في ثقافة ما، وكان عالم الاجتماع الإسرائيلي «آرون أنتونوفيسكي» يعتقد أن الصحة العقلية تعتمد على إيمان الشخص بأن الحياة ذات بناء منظم وواضح، فلا يصعب فهمها ولا التنبؤ بما سيحصل فيها، وهو نفس ما قاله فرويد، فالمرض النفسي يظهر عندما تخرج قصة حياتنا عن الإطار الذي خُصِّص لها.

يعتقد المختصون أن هذا المرض رد فعل للمضايقات التي يواجهها الأطفال في بلدانهم، وخوفهم من الرجوع بعد استقرارهم في السويد. لكن في ظل التشديدات الأخيرة على اللاجئين في السويد، ومع تزايد التأييد الشعبي للتيار اليميني، يصعب التنبؤ بمصير هؤلاء الأطفال.

بعد لقاءات عدة مع الشاب السوري مصطفى، تقول شارلوت ينس إنه صار يرى أملًا في المستقبل، فقد عاد إليها ذات مرة ليعلن بخجل أنه أحب فتاة التقاها في المخيم ويريد الزواج منها.

مصطفى، الذي لم يكن يتوقف عن الحديث عن سوريا وعن رجليه، بدى وكأنه قد نسي غضبه الذي يظهر كلما تذكر أنه لن يمشي مرةً أخرى، فهل ثمة ما قد يعيد الحياة إلى الأطفال المهاجرين في السويد كذلك؟

, , , ,