الملعب

رمضان صبحي.. حين يخدعك الجمهور

الصورة: Getty/Robbie Jay Barratt

قبل سنة ونصف، في نهايات 2015 وبدايات 2016، كانت الصحف تنشر يوميًّا أنباءً عن اهتمام أندية أوروبية مختلفة بالتعاقد مع رمضان صبحي، لاعب الأهلي الشاب حينها. قائمة المهتمين باللاعب ضمت أندية من الصف الأول في أوروبا، الكبار المرشحين للفوز بالألقاب في بلدانهم، وأنديةً أخرى أضعف.

كان رمضان يشارك أساسيًّا مع الأهلي للموسم الثاني على التوالي. عمره وقتها كان 19 عامًا. حجز مكانًا في قائمة المنتخب الأول، لكن الأرجنتيني هيكتور كوبر، المدير الفني لمصر، كان يعتمد عليه كلاعب بديل في أغلب المباريات.

تعامل الجمهور مع رمضان باعتباره طفرة في الكرة المصرية. مراوغاته المبهرة، قوته البدنية الفائقة، إصراره على تحقيق الفوز والقتال داخل الملعب، كلها أمور جعلت توقعاتهم لمسيرة اللاعب الشاب ترتفع إلى السماء.

أُضيف إلى رصيده تألقه في مباريات الأهلي أمام منافسه الزمالك، وحركته الشهيرة المُكررة حين قرر الوقوف على الكرة استهانةً بالخصم، تلك التي ضاعفت شعبيته لدى الجمهور الأحمر، وزادت رصيد كراهيته عند مشجعي الزمالك.

(1)

كانت الكرة المصرية تهيئ رمضان لخطوته التالية الكبرى، انطلاقة إلى أوروبا مُحمَّلة بآمال كبيرة. يملك الفراعنة لاعبًا في آرسنال هو محمد النني، وآخر في روما هو محمد صلاح، سيلحق بهما رمضان وبإمكانه التفوق عليهما.. هكذا كانت التوقعات.

كلما اقترب موسم (2015-2016) من نهايته، كثرت أنباء عروض الاحتراف، وكبرت معها الأحلام وحلَّقت بعيدًا. 

طغى صوت الجمهور على كل شيء في هذه الفترة، بدا للحظات أننا أمام نجم اكتمل نضجه، وبلغت مسيرته ذروتها قبل أن تطأ قدماه ملاعب أوروبا. طغى الصوت حتى على المحللين والنقاد الرياضيين، الذين ساروا في الاتجاه نفسه، ولم يكبحوا جماح هذه التوقعات ولو من باب الحفاظ على اللاعب نفسه.

في مايو 2016، كان خالد بيومي المحلل الشهير ضيفًا على أحد البرامج الرياضية، وقال إن رمضان ثروة قومية يجب مراعاتها بالشكل الأمثل، مقترحًا إنشاء «كونسولتو» يضم رياضيين وخبراء نفسيين لتهيئة اللاعب لمشواره الاحترافي. ورفض بيومي أن يبدأ رمضان تجربته الاحترافية من نادٍ صغير مثل النني وصلاح (بدايتهما كانت مع بازل السويسري)، مؤكدًا أن بإمكان لاعب الأهلي الشاب تمثيل ريال مدريد ومانشستر سيتي وليفربول.

دلل بيومي على ذلك بمقارنة عقدها بين رمضان و«نيمار دا سيلفا» لاعب برشلونة وقتها. كان الأخير قد انضم إلى الفريق الإسباني من سانتوس البرازيلي مباشرةً، ومنح بيومي رمضان أفضلية عن نيمار لأنه تُوج بعديد من الألقاب مع النادي المصري، بينما لم يحقق نيمار ذلك مع سانتوس.

وكيل رمضان صبحي أكد أن إنجلترا كلها «ستقف على الكرة بعد عام واحد»، في إشارة إلى حركة رمضان أمام الزمالك.

حسام حسن، أسطورة الكرة المصرية، قال إن رمضان صبحي بإمكانه الانتقال إلى ريال مدريد الإسبانيكثيرون توقعوا أن يرتقي رمضان من درجة دُنيا في سُلم كرة القدم إلى الدرجة الأعلى بقفزة واحدة. توقعوا أن يكون فتاهم المدلل في طريقه إلى أكبر أندية العالم، دون المرور على أي محطات في منتصف الطريق.

انتهى الموسم، قفز رمضان عاليًا، من مصر إلى إنجلترا، إلى الدوري الإنجليزي الممتاز مباشرةً، اقتناه ستوك سيتي مقابل ستة ملايين يورو. ارتقى درجات كثيرة بقفزة واحدة، لكن هذا لم يكن كافيًا لشريحة كبيرة من محبيه، كان ستوك أقل من طموحاتهم وأقل من إمكانات اللاعب الشاب في نظرهم.

وقتها حاول نادر شوقي، وكيل اللاعب، أن يكون أكثر هدوءًا واتزانًا. قال إن رمضان سيحتاج وقتًا للتكيُّف في إنجلترا داخل الملعب وخارجه، لكنه رغم ذلك لم يَبدُ معارضًا بالكلية للصوت الطاغي. كان نادر يرى هو الآخر أن رمضان بإمكانه اللعب أساسيًّا في ستوك سيتي، وأن منافسيه في الفريق، مهما كانت أسماؤهم، لن يتفوقوا عليه متى أصبح جاهزًا للعب في الدوري الإنجليزي. قال إن إنجلترا كلها «ستقف على الكرة بعد عام واحد»، في إشارة إلى حركة رمضان أمام الزمالك.

وقف شوقي مع الجمهور في خانة واحدة، واثقين جميعًا في قدرة لاعب الأهلي على التألق بسهولة في إنجلترا، لكنه خالفهم فقط في الوقت الذي يحتاجه رمضان للتأقلم. في البداية أعلن أن رمضان سيحتاج نحو ثمانية أسابيع للتأقلم، ثم عاد لاحقًا ليؤكد أن الموسم الأول بأكمله سيكون للتأقلم.

قد يهمك أيضًا: هل تحارب كرة القدم العنصرية أم تدعمها؟

(2)

مهارات وأهداف رمضان صبحي مع الأهلي قبل انتقاله إلى ستوك سيتي

لسنوات طويلة عجز الأهلي عن تقديم موهبة بارزة تتألق في الملاعب الأوروبية. آخر رحلة كُتب لها النجاح على مدى زمني طويل كان بطلها هاني رمزي، بين عامي 1990 و2006.

الوجوه التي تألقت خارج مصر أخيرًا لم تخرج من البوابة الحمراء. النني وصلاح ودَّعا مصر من نادي المقاولون العرب، والأول استغنى عنه الأهلي ناشئًا، أما أحمد المحمدي، المعمِّر في الملاعب الإنجليزية، فكان نادي إنبي آخر محطاته المحلية وقبله غزل المحلة.

بدا أن احتراف رمضان سيرفع اسم الأهلي في جولات المكايدة مع جماهير الزمالك، لأن كفة أنصار القلعة البيضاء كانت أرجح في ما يتعلق بالمحترفين.

في صيف 2015، استقبل الأهلي أحد طيوره المهاجرة. عاد رامي ربيعة إلى مصر منكَّس الرأس بعد عامين في البرتغال لم يوفق فيهما مع سبورتينغ لشبونة. وفي البلد نفسه كان هناك نبأ حزين لأحد أبناء الأهلي أيضًا، أحمد حسن «كوكا»، الذي فشل انتقاله إلى بنفيكا خلال إجراء الفحوصات الطبية، بسبب معاناة اللاعب مع «مشكلة في القلب» كما تردد وقتها، ليحط رحاله في سبورتينغ براغا بعد ثلاث سنوات قضاها مع ريو آفي البرتغالي كذلك.

كان رمضان اللاعب المنتظر لتكرار نجاح هاني رمزي والتفوق عليه أيضًا. تعثُّر محمود حسن «تريزيجيه» في موسمه الأول مع أندرلخت البلجيكي وعدم مشاركته أساسيًّا جعل الآمال معلقة على «رمضونا»، كما أُطلق عليه.

رمضان، كما سيرفع اسم الأهلي عاليًا خارج مصر، بدى أنه سيكون أيضًا ورقة رابحة في جولات المكايدة الكروية المعتادة بين جماهير الأهلي والزمالك، فكفة أنصار القلعة البيضاء كانت أرجح حين يتعلق الأمر بالحديث عن المحترفين في أوروبا، استنادًا إلى تجربة أحمد حسام «ميدو» الذي لعب في أندية قوية مثل روما ومارسيليا وتوتنهام وغيرها.

وبعيدًا عن ذلك، كانت الجماهير الحمراء تبحث عن شيء آخر، تبحث عن خليفةٍ لأسطورتها محمد أبو تريكة، الذي اعتزل الكرة عقب الإخفاق في التأهل إلى كأس العالم. كان رمضان الوريث الكروي لأبو تريكة لدى كثير منهم.

لم يكن رمضان مرشحًا لكل ذلك من فراغ، فابن الأهلي الشاب له نكهة كروية مميزة، مزيج غير مألوف في الملاعب المصرية. اللاعب الحريف في ملاعبنا يكون في الأغلب ضعيف البنية الجسدية، لكن رمضان كان مختلفًا، قويًّا للغاية في الالتحامات، إذا وضع جسده بين المنافس والكرة سيكون الوصول إليها أقرب إلى المستحيل، وفي الوقت نفسه كان مراوِغًا مميزًا.

ورغم صغر سنه، امتلك جرأة كبيرة، لا يخشى منافسًا داخل الملعب، ما جعل الجماهير والمحللين يتغنون بما وصفوه بـ«قوة شخصية اللاعب»، ويمكن أن نضيف إلى ذلك قدرًا لا بأس به من الالتزام الخططي والجدية في الملعب.

نقاط القوة الكثيرة التي يمتلكها رمضان جعلت بعض المشجعين يغض الطرف عن نقاط ضعف يعاني منها اللاعب الشاب، كانت وما زالت تهدد مسيرته بشكل واضح.

يحب رمضان أن يأتيه المنافس قُرب خط التماس أو على طرف منطقة الجزاء، ثم يراوغه بحركة قدميه والتمويه بالجسد، مما يتسبب في إبطاء الهجمات.

خلال موسمين ونصف لعبهما مع الأهلي، خاض رمضان 58 مباراة في مسابقة الدوري وسجل خلالها 13 هدفًا، بمتوسط هدف كل 247 دقيقة، وصنع تسعة أهداف، ثمانية منها في الموسم الثاني. لا تبدو تلك الحصيلة التهديفية لرمضان، الذي اعتاد اللعب في مركز الجناح المهاجم، مرتفعة. ومنطقيٌّ أنها ستكون مرشحة للتراجع حين ينتقل إلى مسابقة أقوى من الدوري المصري.

قلة أهداف رمضان مردُّها بشكل رئيسي إلى أن اللاعب لم يكن يسدد على المرمى كلما أتيحت له الفرصة، بل يفضِّل أن يراوغ أو يمرر. تسديداته قليلة وأغلبها من مسافات قريبة.

افتقد رمضان إلى أحد أهم الأسلحة التي يجب أن يمتلكها الجناح المهاجم: التصويب على المرمى، فسلاحه الأول كان المراوغة، وهنا أيضًا أكثر من أزمة.

لا يُفضل لاعب الأهلي الشاب المراوغة من وضع الحركة، مراوغاته بينما يركض قليلة للغاية، يحب رمضان أن يأتيه المنافس قُرب خط التماس أو على طرف منطقة الجزاء، ثم يراوغه معتمدًا على حركة قدميه والتمويه بالجسد.

هذا النوع من المراوغة يتسبب في أحيان كثيرة في إبطاء الهجمات. نعم، ستنتزع الآهات من الجماهير، لكن فريقك قد يخسر فرصة ثمينة لهز شباك المنافس بسبب الوقت الذي تستغرقه المراوغة.

كذلك، المراوغة في تلك المساحات الضيقة من الثبات لا الحركة تجعل خيارات التمويه قليلة، ما يعني أن رمضان سيضطر إلى تكرار المراوغة نفسها أكثر من مرة، وهو الأمر الذي يزيد احتمالات قطع الكرة منه، خصوصًا إذا كان المنافس يعي طريقته جيدًا ويملك القوة البدنية الكافية لمواجهته، أو لم يكن مندفعًا كي ينخدع بحركة قدمي رمضان.

يضاف إلى ذلك أن رمضان، في أوقات كثيرة، لا يروي ظمأه القليل من المراوغات، فإذا تمكن من لاعب وراوغه ووجب عليه التمرير أو حتى التصويب، يعود إلى المراوغة مجددًا، وإذا تخطى لاعبًا يُفكر في تجاوز الثاني والثالث، دون النظر إلى حاجة الفريق بأكمله إلى مثل تلك المراوغات.

هناك أزمة أخرى تتعلق بطريقة ركض رمضان والكرة بين قدميه، فاللاعب الشاب الذي يركض سريعًا دون كرة يبدو أبطأ كثيرًا حين تداعبها قدماه، والسبب في ذلك أنه حتى عندما تتاح أمامه مساحة كبيرة للركض، يفضِّل أن لا تبتعد الكرة كثيرًا عن قدميه، لذلك يلمسها لمسة ضعيفة للغاية لتبقى على مقربة منه، وتتكرر اللمسات وكلٌّ منها يستغرق وقتًا، يجعل مهمة المدافع في اللحاق به سهلة للغاية. لا يلمس رمضان الكرة بقوة إلى الأمام ويركض وراءها.

قد يهمك أيضًا: كلاسيكو المتعة والصناعة: من يفوز بـ«كرة القدم»؟

ملخص ما قدمه رمضان صبحي خلال مسيرته مع الأهلي

(3)

صوت نادر شوقي هو الأبرز الآن. يحاول وكيل رمضان في مداخلاته الهاتفية مع البرامج المختلفة أن يمتص جرعات الحماس الزائدة، يطالب الجماهير بالصبر على رمضان في بداية رحلته الاحترافية، يدرك أن الضغط الجماهيري على لاعبه الشاب سيأتي من مصر وليس من إنجلترا.

رمضان خارج القائمة، كانت هذه هي البداية. أولُ مباراة خاضها ستوك سيتي في الدوري موسم (2016-2017) لم نرَ فيها اللاعب الشاب. في المباراتين التاليتين شارك كبديل في الدقائق الأخيرة، سعى لتقديم نفسه إلى الجماهير، احتفظ بالكرة بين قدميه وحاول أن يراوغ، ونجحت بالفعل بعض محاولاته.

اختفى رمضان ست مباريات متتالية: جلس مباراة على مقاعد البدلاء، وخرج من القائمة في خمسة لقاءات.

يلعب رمضان في مركز الجناح المهاجم على الطرف الأيسر. هذا المركز يشغله «ماركو أرناوتوفيتش»، هداف ستوك في موسم (2015-2016) برصيد 11 هدفًا وأبرز لاعبي الفريق، أما الطرف الأيمن فيشغله «شيردان شاكيري»، السويسري الموهوب الذي سبق له اللعب في صفوف بايرن ميونيخ وإنتر ميلان.

وهناك على مقاعد البدلاء «بويان كريكتش»، لاعب برشلونة الإسباني السابق، و«جوناثان وولترز» الأيرلندي المخضرم، والسنغالي «مامي ضيوف»، وهذا الثلاثي كان يلجأ إليه المدير الفني «مارك هيوز» للعب على طرفي الملعب في أحيان كثيرة.

بدت المهمة صعبة، انتصف الدور الأول من الموسم ورمضان خارج الصورة تمامًا، المشاركة بشكل أساسي بعيدة المنال طالما ظل اللاعب الشاب خارج قائمة الفريق.

في مصر، كان الإحباط يتسرب شيئًا فشيئًا إلى قلوب أنصار رمضان، الآمال التي حلقت بعيدًا تبدو في طريقها إلى أرض الواقع، لكنها لم تصل بعد، ما زالت عالية.

أكد وكيل رمضان أنه «بيزعل» لاعبي الفريق في التديبات، في إشارة إلى مراوغاته.

الزمالك كان يمتلك لاعبًا موهوبًا هو مصطفى فتحي، كان أنصار الفريق الأبيض يقارنونه برمضان دائمًا. حين تعثر ابن الأهلي في أشهره الأولى مع ستوك، أطلَّ مسؤولو الزمالك برأسهم ليقولوا إنهم رفضوا احتراف فتحي في أوروبا الصيف الماضي «حتى لا يتعرض لمصير رمضان» ويجلس على مقاعد البدلاء.

الضغوط تتزايد، ونار المكايدة الكروية تشتعل مجددًا، والجماهير لا تعرف منطقة وسطى بين التألق والإخفاق، وبين النجاح والفشل، صوتها الأعلى دائمًا.

مرةً أخرى يظهر وكيل رمضان. قبل أشهر كان يحاول امتصاص حماس الجمهور، أما الآن، وبعدما طغى صوتهم مجددًا، يحاول أن يعزز ثقتهم في اللاعب، أن يثبت أحقية رمضان باللعب في إنجلترا.

في 30 أكتوبر 2016، أكد شوقي أن رمضان يتألق في تدريبات ستوك، وأنه «بيزعل» لاعبي الفريق، في إشارة إلى مراوغاته المهينة لبعضهم، ثم عاد للحديث عن حاجة اللاعب إلى بعض الوقت لتعلم الإنجليزية والتأقلم مع الفريق.

بعد تصريحات وكيله بيوم واحد، وضع رمضان بصمته الأولى مع الفريق في مباراة سوانزي سيتي. بدأ المباراة على مقاعد البدلاء وشارك في الدقيقة 26 بعد إصابة شاكيري، راوغ داخل منطقة الجزاء وسدد على المرمى، اصطدمت الكرة بأحد لاعبي سوانزي وسكنت الشباك. لم يُحتسب الهدف لرمضان، لكنه كان أول هدف يتسبب فيه اللاعب المصري.

رمضان صبحي يتسبب في هدف ستوك سيتي الثاني في مرمى سوانزي سيتي

كانت كأس الأمم الإفريقية فرصة جديدة لرمضان، ليعزز خلالها ثقة الجماهير في قدراته ويحصل على دفعة معنوية تساعده مع ستوك.

في المباراة التالية، وجد رمضان مكانًا شاغرًا في التشكيل الأساسي في غياب شاكيري للإصابة وأرناوتوفيتش للإيقاف، لكن بعد عودتهما احتضنته مقاعد البدلاء، قبل أن يغادر القائمة مجددًا.

انتصف الموسم وما زال رمضان يعاني. الوضع هادئ في ستوك، مضطرب في مصر. الصحف تتحدث عن خطوة جديدة في مسيرته الاحترافية، لكن أي خطوة الآن لن تكون إلى الأمام، فالتراجع إلى الوراء قليلًا قد يساعد رمضان وينقذ مسيرته الاحترافية في مهدها.

قالوا إن الأهلى يرغب في استعادة لاعبه الشاب على سبيل الإعارة حتى نهاية الموسم، وقالوا إن أندرلخت البلجيكي يحاول ضمه أيضًا، وكذلك هال سيتي الإنجليزي، لكن وكيله نفى كل شيء وقال إن اللاعب مستمر في «سنة التأقلم» مع ستوك سيتي.

كانت كأس الأمم الإفريقية في يناير بمثابة فرصة جديدة لرمضان، يعزز خلالها ثقة الجماهير في قدراته ويحصل على دفعة معنوية تساعده مع ستوك سيتي.

ومنذ اللحظات الأولى للبطولة، بدا أن الجماهير تناست معاناة اللاعب في الأشهر الخمسة الماضية مع فريقه الإنجليزي. مراوغات رمضان مع الأهلي وأهدافه حضرت بقوة في ذاكرتهم، ورممت تلك الثغرات التي عرفتها بداياته مع ستوك. أصوات كثيرة طالبت بالدفع به أساسيًّا، لكن هيكتور كوبر كان عقبة في طريقهم.

في أَوج تألق رمضان مع الأهلي كانت مقاعد البدلاء تنتظره مع المنتخب. المدرب الأرجنتيني كان يفضل الاعتماد على تريزيجيه بدلًا منه، وكان الأول يجلس وقتها احتياطيًّا في أندرلخت. ومع انطلاق البطولة كان الوضع قد تبدل: تريزيجيه انتقل إلى موسكرون في بلجيكا وعرف طريق التألق، ورمضان لا يزال متعثرًا في بداياته مع ستوك.

قطعت مصر خطوة تلو الأخرى في البطولة حتى وصلت إلى نهاية المطاف، وأمام الكاميرون تعثر كوبر كعادته في النهائيات، ليكتفي المنتخب بالمركز الثاني.

بدأ رمضان البطولة على مقاعد البدلاء، وشارك لدقائق معدودة أمام مالي في المباراة الافتتاحية، ثم لعب أساسيًّا أمام أوغندا في الجولة الثانية، وحين استبدله كوبر في منتصف الشوط الثاني اعترض وقذف زجاجة مياه.

اعتذر رمضان عن انفعاله، عفا كوبر عنه، لم يشارك في المباراتين التاليتين، قبل أن يلعب لدقائق أمام بوركينا في نصف النهائي وأمام الكاميرون في المباراة النهائية.

انتهت أول بطولة لرمضان مع المنتخب دون بصمة واضحة.

قد يعجبك أيضًا: كيف استغل الساسة شغف جماهير كرة القدم؟

رمضان صبحي يتحدث عن خلافه مع كوبر

(4)

خلال كأس الأمم اتضح أن شيئًا لم يتغير. الأصوات التي رفعت اللاعب إلى السماء عادت تظهر بقوة مع كل لمسة للكرة وكل مراوغة ناجحة يؤديها.

انتهت مباراة نصف النهائي أمام بوركينا فاسو بالتعادل الإيجابي (1-1). ركلات الترجيح ستحدد المتأهل للنهائي. أهدر عبد الله السعيد الركلة الأولى، وجاء الدور على رمضان لتسديد الركلة الثانية.

سددها اللاعب بطريقة مخادعة وسكنت الشباك. بدأ المديح، جيوش وكتائب تتغنى بثقة رمضان في نفسه: كيف سَكَنه الهدوء إلى هذا الحد؟ ما كل هذه الثقة والجرأة؟ ارتفعت الأصوات عاليًا، عدنا مجددًا إلى نقطة البداية.

حين عاد رمضان إلى ستوك كان الطريق ممهدًا للمشاركة أساسيًّا، فشاكيري تعرض لإصابة جديدة.

ست مباريات متتالية شارك فيها رمضان بصفة أساسية مع ستوك، غلبت عليه النزعة الدفاعية، يصعب النفاد إلى مرمى ستوك من الجبهة اليسرى التي يلعب فيها رمضان، لكن مردوده الهجومي كان أقل كثيرًا، صنع هدفًا واحدًا فقط.

أعلن ستوك سيتي تمديد عقد رمضان حتى 2022، ووجه رمضان الشكر لستوك، لكن هذه الخطوة قد تحمل في طياتها دلالات أخرى.

«مارك هيوز» مدب ستوك أبدى إعجابه بمستوى رمضان، قال إن اللاعب الشاب تحسن مستواه ويحتاج إلى مزيد من الدعم حتى يتطور في الفترة المقبلة.

بينما في مصر، بلغت الإشادة حدًّا غير مسبوق، كل مباراة يشارك فيها رمضان تولِّد معها آمالًا كبيرة. يسألون عن الخطوة التالية في مسيرته ومتى يلعب في أكبر أندية العالم. بعضهم ذهب بعيدًا وقال إن رمضان بإمكانه أن يصبح أفضل لاعب في العالم، ويحصل على الكرة الذهبية يومًا ما.

كان الموسم قد اقترب من النهاية. في آخر ثماني مباريات شارك رمضان أساسيًّا مرةً واحدة، ولعب ثلاث مباريات كبديل، وجلس على مقاعد البدلاء في أربع مباريات.

انتهى الموسم. شارك رمضان في 17 مباراة في الدوري، صنع هدفين ولم يسجل على الإطلاق. انتهى الموسم ورمضان عاجز عن التسجيل، عاجز عن المشاركة أساسيًّا، عاجز في بعض الأحيان عن الدخول في القائمة الأساسية لفريقه.

(5)

قبل بداية موسم 2017، أعلن ستوك سيتي تمديد عقد رمضان حتى 2022. وكيل اللاعب اعتبر التجديد دليلًا على ثقة النادي في النجم الشاب، وجَّه رمضان الشكر إلى ستوك، لكن هذه الخطوة قد تحمل في طياتها دلالات أخرى. فإذا كان ستوك مجرد محطة في مشوار رمضان الاحترافي نحو أكبر أندية العالم، كما قال وكيله، فإن المكوث في تلك المحطة طويلًا يعني أن الأمور لا تسير على ما يرام.

يبدو التحدي الآن مختلفًا، وعلى رمضان أن يستغل الفرصة كلما أتيحت له. مدربه كان واضحًا في حديثه قبل بدء الموسم، طالبه بأن يبذل جهدًا كبيرًا ويتطور أكثر إذا أراد المشاركة بشكل أساسي، وقال إنه ينتظر الكثير من اللاعب الشاب.

(6)

رحل أرناوتوفيتش عن ستوك، فرصة جديدة أتيحت أمام رمضان لاقتحام التشكيل الأساسي، لكن رغم ذلك احتضنته مقاعد البدلاء في أولى مباريات الموسم أمام إيفرتون. وقبل المباراة الثانية، تعاقد ستوك مع «خيسي» لاعب ريال مدريد ليعوض رحيل أرناوتوفيتش. ما زال رمضان خيارًا ثانيًا، وفي بعض الأحيان يأتي ثالثًا.

لم يتغير الحال إلى الأفضل بل زادت الأمور سوءًا. الأعذار تنفد بمرور الوقت، رمضان يحاول في كل مباراة يشارك فيها أن يُثبت أحقيته باللعب أساسيًّا، وسلاحه لتحقيق ذلك هو المراوغة فحسب. نفس المراوغات المعتادة التي يحفظها المنافسون عن ظهر قلب. حين تصل الكرة بين قدمي رمضان يدرك الجميع، المنافسون والجمهور وزملاؤه في الملعب، أنه لن يمررها سريعًا، وأن الأمر سيستغرق في الأغلب بعض الوقت.

يحتاج رمضان أن يُسِقط من حساباته أنه «رمضونا» الذي طُبعت صورته على قمصان المشجعين، الشاب الفذ الذي كان يراوغ اللاعب تلو الآخر بكل سهولة وينتزع الآهات.

مرت حتى الآن 11 جولة من منافسات الدوري، لعب رمضان أساسيًّا ثلاث مرات فقط، وشارك كبديل في أربع مباريات، وجلس على مقاعد البدلاء أربع مباريات أخرى. لم يقدم اللاعب شيئًا بارزًا في مشاركاته بالدوري، وتمكن من تسجيل هدف في مباراة كأس أمام أحد فرق الدرجة الثانية.

ملخص لمسات وأهداف رمضان صبحي أمام روشديل في الكأس

مرَّ 15 شهرًا على انطلاق الرحلة الأوروبية لمعجزة الأهلي الذي «يستحق اللعب في ريال مدريد ومانشستر سيتي»، وما زال رمضان عاجزًا حتى عن إقناع ستوك بأحقيته في اللعب أساسيًّا.

تبدو مسيرة اللاعب الشاب في حاجة إلى خطوة للخلف، كتلك التي اتخذها محمد صلاح حين وجد الأبواب مغلقة أمامه في تشيلسي، فقرر الرحيل إلى فيورنتينا الإيطالي، لكن حتى تلك الخطوة لن تكون وحدها كفيلة بإنقاذ مشوار رمضان الاحترافي ما لم يدرك اللاعب أنه في حاجة إلى تعديل طريقة لعبه بشكل كبير، وأن قوة الشخصية لا تعني الإصرار على تكرار الأخطاء نفسها داخل الملعب.

يحتاج رمضان قبل ذلك أيضًا أن يُسِقط من حساباته العامين اللذين قضاهما في مصر حيث ولدت نجوميته، أن ينسى أنه «رمضونا» الذي طُبعت صورته على قمصان المشجعين، الشاب الفذ الذي كان يراوغ اللاعب تلو الآخر بكل سهولة وينتزع الآهات، وأن يدرك أن كل ما جناه في مصر كان بمثابة فخ نصبه الجمهور له، حين طغى صوتهم على سائر الأصوات.