عيب يا لولو عيب

سياسة التلويح بالأعضاء: لماذا تفاخر ترامب بحجم زره؟

 الصورة: Getty/David Corio

أصبحت تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقرة شبه يومية تتناقلها وكالات الأنباء والصحف والبرامج، ومن ثَمّ مرتادو شبكات التواصل الاجتماعي، بل صار كثيرون يترقبونها، سواء أكان دافعهم الاهتمام الحقيقي أم مجرد السخرية، ليعرفوا من الذي سيهينه الرئيس الأمريكي أو يحُط من قدره هذه المرة، أو طبيعة قراره الجديد الذي يبدو أحيانًا كأنه أتى من العدم، أو حتى أي سر من أسرار الدولة سيكشفه كما فعل مرارًا.

لا أهتم كثيرًا بما يقوله ترامب، لكن لفتت نظري تغريدته التي يقول فيها لـ«كيم جونغ أون»، رئيس كوريا الشمالية، ردًّا على قوله إن زر إطلاق القنابل النووية على مكتبه: «أنا أيضًا عندي زر نووي، لكنه أكبر وأقوى كثيرًا، ويعمل أيضًا».

ما أن قرأت هذا الكلام حتى تذكرت تسجيلًا لحفل الكوميديان الأمريكي الراحل «جورج كارلين» في نيويورك عام 1992، يتكلم فيه بأسلوبه اللاذع المعتاد ولسانه السليط عن كراهيته للحرب، التي يراها «تمرينًا على التلويح بالأعضاء الذكرية»، مجرد فريقين من الرجال الواقفين على طرفي ميدان القتال يلوِّحون بأعضائهم، ويصيح كلٌّ منهم أن عضوه أكبر.

جورج كارلين: عن الحرب والأعضاء الذكرية

يقول كارلين إن الأمر لا يتعدى خوفًا ذكوريًّا من عدم عمل عضو الرجل بكفاءة، يدفعه إلى المنافسة والاستعاضة عنه بأشياء أخرى يثبت بها رجولته. ولمَّا كانت الحرب أقصى درجات التنافس، فالرجال يدخلونها ويقتل بعضهم بعضًا لتعزيز احترامهم لذواتهم.

فجَّر كلام كارلين ضحك الجمهور ليلتها، وسيبعث من يشاهد الفيديو على الضحك أيضًا دون شك، لكن حتى إن كان الكلام لا ينبغي أخذه حرفيًّا، فإنه لا يخلو من حقيقة، بدليل تغريدة ترامب التي يكفي أن تحذف منها «زري النووي» وتضع «عضوي الذكري» لترى أن كارلين كان محقًّا تمامًا في ما قاله قبل ربع قرن، رغم أنه كان يقصد به جورج بوش الأب وصدام حسين إبان حرب الخليج الأولى، ووقتها كان كلامه رمزيًّا تمامًا، إلى أن جاء ترامب ليجعله حرفيًّا تمامًا.

ترامب وأون: مسابقة الأعضاء.. الكُبرى؟

ما يتكلم عنه جورج كارلين معروف عند الأمريكيين باسم «مسابقة قياس الأعضاء الذكرية»، وهو موقف يكون فيه الطرفان المتنافسان مخطئيْن عادةً، لكن كلاهما يرفض التراجع خشية أن يبدو الأضعف أو «صاحب العضو الأصغر»، ولذا تستمر المنافسة على هذا المنوال.

هذا هو البادي في معركة التلاسن بين ترامب وأون المستمرة منذ شهور، وقد سبق أن استُخدم التعبير في الكلام عن السباق النووي والفضائي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة.

الصورة: Kais Hassainya

تنظم اليابان مهرجانين كل عام لقياس الأعضاء الذكرية، وتمارس إحدى جمهوريات روسيا ذلك النشاط بانتظام.

يقول علماء النفس إن مقارنة الأعضاء الذكرية، والأنثوية أيضًا، بمعناها الحرفي جزء من الطبيعة الإنسانية، خصوصًا عند الأطفال من أربعة إلى ستة أعوام، ففي هذه السن المبكرة يشعرون بالفضول نحو أجسادهم ويبدؤون استكشافها، وبطبيعة الحال يراودهم الفضول عن سؤال أصدقائهم عن الشيء نفسه وعقد المقارنة معهم.

صغر سن الأطفال يجعلهم لا يستشعرون حرجًا اجتماعيًّا، فبالنسبة إليهم، لا يتعدى الأمر اللعب البريء وليس له أي جانب جنسي، بينما إذا حدث هذا في سن العاشرة ستكون له دلالة على وجود اضطراب سلوكي عند الطفل، بما أنه من المفترض أن يكون على وعي كافٍ في تلك السن بأن تصرفه غير مقبول اجتماعيًّا.

في إحدى حلقات مسلسل الكارتون الشهير «South Park»، يذهب الأطفال إلى المدرسة فيرون على الحائط لوحة فيها ما يعتقدون أنه «قياسات أعضائهم». ولمّا كانت تلك «القياسات» مغلوطة من وجهة نظرهم، يشرعون من فورهم في تصحيحها، ويغضب أحدهم لاكتشافه أنه صاحب أصغر عضو في المدرسة كلها، ثم يتطور الأمر إلى ثورة للرجال ذوي الأعضاء الصغيرة، تُجبر الحكومة الأمريكية على تغيير متوسط المقياس المحلي لحجم العضو الذكري، فيرضى الجميع.

الجميع راضون بعد تغيير متوسط قياس حجم العضو الذكري في «South Park»

المقياس حقيقي وقائم على أسس علمية، والحلقة تناقش بشكل كوميدي ساخر العلاقة بين معدلات الغضب عند الرجال وأحجام أعضائهم.

كان الرئيس الأمريكي السابق «ليندون جونسون» يتباهى بعضوه ويخرجه أمام الآخرين، وإذا اعترض أحدهم كان يلوِّح به: هل رأيت شيئًا أكبر من هذا؟

أما عند الكبار فلا يعدُّ هذا سلوكًا لائقًا في أغلب أنحاء العالم، لكن هناك استثناءات قليلة، منها اليابان التي تنظم مهرجانين سنويين لقياس الأعضاء الذكرية في طوكيو وناغويا، وقرية أورالس في جمهورية باشكورستان الروسية، التي تمارس هذا النشاط بانتظام ويعدُّ من تقاليدها.

جونسون وراسبوتين: أعضاء تاريخية

ليست هذه المرة الأولى التي يقول فيها ترامب شيئًا كهذا، فبخلاف كلامه المعتاد عن أنه الأول والأفضل في كل شيء، وتباهيه بقوته ومتانته الجسدية وولع النساء به بمناسبة أو دونها، فقد سبق له في مؤتمر للحزب الجمهوري الأمريكي عام 2016 أن رد على «ماركو روبيو»، الذي نافسه على أن يكون مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية، والذي قال ساخرًا إن يدي ترامب صغيرتان، فما كان من الرئيس الأمريكي إلا أن رد بأن روبيو يعني أن في جسده شيئًا آخر صغيرًا، بينما هو «لا يعاني من مشكلة في هذا الشأن على الإطلاق».

ليس ترامب أول رئيس أمريكي يتكلم عن عضوه الذكري على الملأ، بل سبقه إلى هذا «ليندون جونسون»، الذي اعتاد أن يتباهى بحجم عضوه ويُخرجه متى شاء ليتبول أمام الآخرين، وإذا اعترض أحدهم كان يلوِّح به ويقول: «هل رأيت شيئًا أكبر من هذا قبل ذلك؟».

ويؤكد «روبرت دالك» كاتب سيرة جونسون أن الأخير كان يستغل حجم عضوه في إرهاب خصومه السياسيين في الكونغرس، وإجبارهم على تنفيذ رغباته.

من الشخصيات التاريخية الأخرى التي عُرف عنها السلوك نفسه، الراهب الروسي الرهيب «غريغوري راسبوتين»، الذي كان يفخر بفحولته وعلاقاته الجنسية العديدة. وبعد اغتياله، قطع قاتلوه عضوه نكايةً فيه، وبشكلٍ ما وصل العضو المبتور إلى باريس، حيث احتفظت به مجموعة من الروسيات المهاجرات باعتباره رمزًا للخصوبة وعاملنه بتقديس، إلى أن بلغ الأمر مسامع ابنته فطالبت بعودته، والآن يستقر بين المعروضات في متحف الإيروتيكا الروسي.

أمراض نفسية: ليست مسألة حجم، بل سيطرة

ترامب ورئيس كوريا الشمالية طفلان مريضان، تحت تصرفهما ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية بدلًا من السيوف وبطاقات البيزنس.

يؤكِّد كلام كارلين العالمان الفرنسي «جيلز فوكنييه» والأمريكي «مارك ترنر»، المتخصصان في العلوم الاستعرافية، في كتابهما «The Way We Think»، ويوضحان أن هذا النوع من المنافسة لا يختلف كثيرًا عن المبارزة بالسيوف في العصور القديمة، التي حل محلها الآن ضمن مظاهر أخرى التنافس على صاحب أكثر بطاقات البيزنس أناقةً، وهو ما قد يذكِّرك، إذا كنت قد شاهدت فيلم «American Psycho»، بالمشهد الشهير الذي يستعرض فيه عدد من رجال الأعمال بطاقاتهم وتفاصيل طباعة كلٍّ منها.

في اللغة الإنجليزية، يسمى هذا السلوك «الإفراط في التعويض» (overcompensation)، ويُستخدم للإشارة إلى أصحاب السيارات الفارهة والثياب المبالَغ في أناقتها والمقتنيات الثمينة، بافتراض أنهم يستغلونها لتعويض أنفسهم عن أحجام أعضائهم الصغيرة، وإن كان هذا ليس صحيحًا بالضرورة.

من الناحية النفسية، يقول «ألفريد آدلر»، مؤسس علم نفس الفرد، إن أي نوع من النقص أو الإحساس بالدونية لدى الإنسان يدفعه، بصورة واعية أو غير واعية، إلى تجربة مختلف الأشياء في سبيل التعويض، بدايةً من مخاطبة الناس باستعلاء لا داعي له، والحرص على الالتصاق بالأشخاص المشهورين المحبوبين، حتى الولع بإبداء القوة أو الجمال أو الثراء، أو ادعاء القدرة على فعل شيء غير ممكن أو صعب المنال، وكل هذا في سبيل أن يبدو قويًّا مسيطرًا.

الفرق في حالة ترامب ورئيس كوريا الشمالية أن تحت تصرفهما ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية بدلًا من السيوف وبطاقات البيزنس، وأن المنافسة بينهما لا تتضمنهما فحسب، وإنما تشمل العالم كله، الذي قد يدفع ثمن صدام بين طفلين مختلَّين، أحدهما مصاب بجنون العظمة والآخر بعقدة نقص شديدة.