عالمنا

كوريا الشمالية: محاولات للنظر إلى ما وراء التعتيم

الصورة: Getty/Christian Aslund

نتيجةً للتوتر المتزايد بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية، الذي تفاقم بسبب التجارب التي بدأتها كوريا الشمالية مؤخرًا لإطلاق صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية، وإطلاقها صواريخ فوق جارتها اليابان، امتلأت الصحافة الأمريكية والأوروبية بتقارير عن جنون الرئيس كيم يونغ أون، وعن الحياة في ظل القمع في كوريا الشمالية.

ربما يكون الآن وقتًا مناسبًا للتعرف إلى ثقافة كوريا الشمالية المُعتَّم عليها، ببعض الهدوء والتعمق، لمعرفة ما الذي يشاهده ويقرؤه شعب القائد كيم يونغ أون.

كوريا الشمالية: النظر عبر الأيديولوجيا

الحياة اليومية في كوريا الشمالية

تقول الدكتورة «جويون ري»، أستاذة الدراسات الآسيوية، لجريدة «هآرتس»، إننا نبالغ كثيرًا في التقارير المتعلقة بكوريا الشمالية، خصوصًا تلك التي تبثها وسائل الإعلام المؤدلجة في الولايات المتحدة.

من المستحيل فصل هذه الدعاية المضادة لكوريا الشمالية عن الدعاية التي تنتجها حكومة كوريا الشمالية نفسها، ومع ذلك، فإن العديد من الأعمال الإعلامية التي تُبث في الغرب تحتوي على تفاصيل تمكننا من رسم صورة للحياة اليومية في ذلك البلد المنغلق،  والحصول على لمحة عن العلاقات بين الجنسين، وإيجاد تفسيرات لمشاعر الكراهية المعلنة بين كوريا الشمالية وأمريكا.

تتميز الحياة الأسرية في كوريا الشمالية بالاستقرار، وهذا يظهر في الإنتاج السينمائي الخاص بهم، عكس التفكك الأسري الذي يظهر في أفلام كوريا الجنوبية.

تقول ري إننا سنرى حجم معرفة الشباب الكوري الشمالي بالتاريخ الاستعماري وتاريخ الحرب الكورية، مقارنةً بشباب كوريا الجنوبية، فهناك الكثير من التركيز في الوسط الثقافي الكوري الشمالي على أيديولوجيا جوش.

أيديولوجيا جوش هي فلسفة أطلقها كيم الأب، تركز على الإنسان باعتباره سيدًا لكل شيء، وتعتبر الجماهير القوة الدافعة للثورة والبناء، وتهتم بزرع صفات شخصية في الإنسان مثل الاعتماد على الذات والترويج لنمط حياة بسيط ومقتصد، عكس نمط الاستهلاك المفرط الذي نراه في الجارة الجنوبية.

بحسب ري، تتميز الحياة الأسرية في كوريا الشمالية بالاستقرار، إذ نرى ارتباطًا وثيقًا جدًّا بين أفراد الأسرة، وكذلك بين الأجيال المختلفة، وهذا يظهر في الإنتاج السينمائي لكوريا الشمالية، عكس التفكك الأسري الذي يظهر في أفلام كوريا الجنوبية، فالترابط بين أفراد المجتمع الكوري الشمالي فريد من نوعه مقارنةً بالجنوبي

سينما كوريا الشمالية

أغنية الفيلم الكوري الشمالي «فتاة الزهرة»

تحتل شخصية «فتاة الزهرة» موقعًا متميزًا للغاية في كوريا الشمالية، وتظهر على العملة الرسمية للبلاد.

للتعرف إلى الفيلم الكوري الشمالي، توصي ري بالبدء بمشاهدة الفيلم الذي أخرجه «تشوي إك كيو» عام 1972، «The Flower Girl»، وهو واحد من الأفلام التي يجب أن تُرى لفهم سينما كوريا الشمالية، إذ يعكس الرؤية الثورية للشيوعية، ويُظهر أسباب جاذبيتها للشعب الواقع تحت الاستعمار آنذاك.

«فتاة الزهرة» فيلم موسيقي تدور قصته في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، عندما كانت كوريا تحت الحكم الاستعماري الياباني، وتدور الأحداث حول معاناة فتاة من الطبقة الفقيرة تعمل في تجميع وبيع الزهور لمساعدة أمها المريضة وأختها العمياء، وتواجه في سبيل هذا الكثير من الشر والعناء، إلا أنها تصل إلى الوعي السياسي للوقوف ضد كل هذه المشقة.

الآن، تحتل شخصية «فتاة الزهرة» موقعًا متميزًا للغاية في كوريا الشمالية، حتى أنها تظهر على العملة الرسمية للبلاد.

تركز السينما الكورية الشمالية كذلك على صراع الطبقات ونضال الفقراء ضد الأثرياء، وهو ما يمكن رؤيته في الفيلم الكلاسيكي «My Home Village»، الذي يجسد بطله شخصية مزارع فقير يكافح ضد الطبقية وكل من يستعبد الفقراء، ويشارك في جيش كوريا الشمالية في الحرب الكورية.

حديثًا، يُطلعنا فيلم «The Schoolgirl's Diary» عام 2007، الذي يُصنف كعمل فني راقٍ في كوريا الشمالية بحسب ري، على صراع تلميذة شابة مع والدها الذي تعتقد أنه لا يولي اهتمامًا كافيًا لأسرته، وتصالحهما في النهاية.

الفيلم ذو طابع عائلي، ونرى من خلاله مشاهد من الريف الكوري الشمالي وحياة أطفال المدارس والأُسَر، مع أنه فيلم أيديولوجي تمامًا، يُكرِّس لنمط حياة معين، لكنه يعطينا وصفًا مفصلًا ودقيقًا للحياة في كوريا الشمالية.

وفي عام 2012، ظهر أول فيلم كوري شمالي ذو صبغة غربية، أُنتج في أمريكا، هو «Comrade Kim Goes Flying». ولأن الفيلم لم يكن مؤدلجًا كالمعتاد، دُعي إلى المهرجانات السينمائية الدولية، وحَظِي بدعم النقاد الأوروبيين.

يحكي الفيلم عن محاولات فتاة تعمل في مناجم الفحم لتحقيق حلمها في أن تصبح لاعبة أكروبات، وتقول ري إنه «دراما إنسانية حميمة تمكِّننا من إلقاء نظرة على العلاقات بين الجنسين في كوريا الشمالية».

مساواة الرجل والمرأة: القمع ليس كل الصورة

الصورة: Roman Harak

للمرأة حضور بارز في سينما كوريا الشمالية ومنتجها الثقافي عمومًا، ويعود هذا، بحسب ري، إلى السياسة الرسمية للدولة منذ عام 1945، التي غيرت الوضع الاجتماعي للمرأة الكورية الشمالية ودورها بصورة جذرية، فأصدرت الدولة عام 1946 قانون للمساواة بين الجنسين، وأكد دستور عام 1972 أن «المرأة تتمتع بوضع اجتماعي مساوٍ للرجل»، ونصَّ دستور عام 1990 على أن الدولة تهيئ الظروف المختلفة للنهوض بالمرأة في المجتمع.

يُفترض بكوريا الشمالية إذًا أنها تدعم المساواة بين الجنسين، نظريًّا على الأقل، وتسعى إلى تحسين حياة المرأة في المجتمع، لكن المراقبين الغربيين يرون أن صورة المرأة العاملة القوية والصلبة لا تمثل بالضرورة واقع النساء الكوريات.

مع ذلك، تظن ري أن النساء يحظين باهتمام أكثر نسبيًّا في مختلف أشكال التعبير الثقافي في كوريا الشمالية بالقياس إلى الجنوبية، وعادةً تكون صورهن إيجابية ومتطلعة وعاطفية وقوية.

الأدب الكوري الشمالي

الصورة: stephan

لم يتمكن الكوريون الجنوبيون من الوصول إلى الفن والأدب الشمالي حتى أواخر التسعينيات. وحتى اليوم، لا يزال الاطلاع عليها محدودًا.

تشير ري إلى إن الترجمات الإنجليزية للأدب الكوري الشمالي غير موجودة تقريبًا، مما يجعل التعرف إلى أدب هذه البلاد مستحيلًا للقارئ الغربي.  أكثر الكتب مبيعًا دائمًا داخل كوريا الشمالية هي مجموعة كاملة من كتابات كيم سونغ الأب، وهي مجموعة من المقالات والخطب ومسوَّدات الاجتماعات.

تنتشر بالإضافة إلى ذلك القصص القصيرة وبعض الكتب غير المؤدلجة التي كُتبت في السنين الأولى بعد الحرب الكورية، ويتمتع فن الرواية بشعبية كبيرة رغم رقابة الدولة، التي أسهمت في زيادة الإنتاج الروائي الموجه لنقد الواقع الداخلي، مثل رواية «Escape from Camp 14»، التي تحولت إلى فيلم لاحقًا.

يظل الحصول على هذا الإنتاج وتقديمه إلى العالم صعبًا، لذا تقول ري إن كثيرًا من الأعمال الكورية الشمالية لا تحظى بشعبية كبيرة في كوريا الجنوبية، لكن بعضها يثير الاهتمام أحيانًا، خصوصًا لأن الكوريين الجنوبيين لم يتمكنوا من الوصول إلى الفن والأدب الشمالي حتى أواخر التسعينيات. وحتى اليوم، لا يزال الاطلاع عليها محدودًا.

مستقبل الثقافة في كوريا الشمالية

الصورة: Nicor

في عام 2016، أعلن كيم يونغ أون أن الناس «يحبون الحب، وينبغي أن نعرضه لهم على الشاشة»، وهو ما تراه ري إشارة إلى مرحلة جديدة في الثقافة الكورية الشمالية عمومًا، والسينما خصوصًا، لعرض قصص عن الحب، وهو ما كان محظورًا سابقًا.

ترى ري أن درجة مفاجئة من الانفتاح ظهرت في كوريا الشمالية منذ السماح بتصوير التقبيل، ففي السنوات الأخيرة، بثَّ تلفزيون كوريا الشمالية عروضًا لفرق موسيقية نسائية تظهر على المسرح بتنانير قصيرة، ربما، وفقًا لري، تأثرًا بشعبية فرق الفتيات الموسيقية في كوريا الجنوبية، التي أثبتت قدرتها الهائلة على جذب الجماهير.

مع الإدارة الحكومية الجديدة لكوريا الجنوبية، ورغبتها في التعاون مع كوريا الشمالية بدرجة أكبر من أي وقت مضى، تأمل ري أن ترى نمو هذا النوع من التبادلات الثقافية في المستقبل القريب.


هذا الموضوع نتاج فكرة اقترحها أحد قرَّاء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويرها، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.