فكر فيها

ماركس، نيتشه، فرويد: كيف زرعوا الارتياب بداخلنا؟

التصميم: منشور

تأسست الفلسفة الحديثة على المقولة الديكارتية ذائعة الصيت: «أنا أفكر إذن أنا موجود». وها هو ذاك الشعار يبلغ منتهاه في زماننا المعاصر ومجتمعاتنا الحديثة، بعد تسرُّب الشك والارتياب إلى الوعي نفسه عن طريق ثلاثة من أعظم ناقدي الحداثة، رغم نقاط خلافهم التي ربما تبدو أول الأمر أكبر من نقاط اتفاقهم، بل ربما يصل الأمر إلى أنهم لم يكونوا يرغبون في أن تُذكر أسماؤهم معًا.

إلا أن ثالوث الفلسفة الحديثة: ماركس ونيتشه وفرويد، لو جمعهم أمر واحد، فهو الشك في الوعي والطريقة التي يتكشَّف بها الواقع أمامهم، واتهامهم العقل والواقع الإنساني بالزيف، على الأقل في ظاهرهما.

نستطيع القول في إيجاز إن ما يجمع الثلاثة هو الارتياب ناحية كل ما نسميه عقلانيًّا ومنطقيًّا وحقيقيًّا. لذلك، فإنهم يشكلون ثالوثًا للارتياب، لأنهم يجددون الشك الديكارتي ويطبقونه على الشيء الوحيد الذي لم يطبقه عليه ديكارت، أعني «الأنا»، الذات الواعية.

نستطيع أن نلمس عند كلٍّ منهم نظريات تحاول فضح ميكانيزمات لاعقلانية داخلة في صميم العقل الإنساني، تُسيِّر واقعه، ومحاولات لكشف المقولات اللاواعية التي تعمل على تشكيل ما نطلق عليه «الوعي الإنساني الفردي»، الذي يرونه مجرد أمر عارض، وليس جوهريًّا بالنسبة إلى تلك القوى الخفية اللاعقلانية القابعة وراءه، والمسؤولة عن الحياة الواعية، والمُشَكِّلة لبنيات ذلك الوعي، ومن ثَم، فهي تشكل الواقع الإنساني كله.

تلك القوى تحمل أسماء كثيرة، وتتجلى بصور متفاوتة عند كل منهم، كالوجود الاجتماعي والصراع الطبقي عند ماركس، أو إرادة القوة عند نيتشة، أو ميكانيزمات اللاشعور عند فرويد.

هؤلاء الهادمون الثلاث الكبار، أسهموا بطرق مختلفة تتقاطع في ما بينها، في كشف الزيف، لكنهم ليسوا هادمين فحسب، وليسوا مشككين في طبيعة الوعي وقدرته على بلوغ الحقيقة بشكل جذري مطلق، بل رمى كلٌّ منهم إلى تحرير الوعي عن طريق معالجته ما يراه زيفًا في ذاك الوعي.

كان هدف ماركس تحرير الإنسان والطبقة العاملة بواسطة فهم العلاقات الجدلية التي تُسيِّر علاقات العمل والإنتاج، ومن خلال فهم الحتميتين: الاقتصادية والتاريخية. وقصد نيتشه هدم دوغمائية الإنسان ونرجسيته المرتكزتين على الوهم والخرافة، خرافة الأخلاق تارة، وخرافة الحقيقة التي فتنت عقول الفلاسفة سنين طوال تارة أخرى، ومن ثمَّ يستعيد الإنسان كيانه ونفوذه وسيطرته. كان فرويد ينوي تأسيس أسلوب جديد يستطيع الإنسان من خلاله معرفة نفسه ومواجهتها، واكتشاف المعنى المخبأ في باطن الوعي، كي يحيا حياة أفضل ويصبح أكثر سعادة.

كان الثالوث: ماركس ونيتشه وفرويد، من أعظم نقاد الحداثة، وامتد تأثير أفكارهم ونظرياتهم إلى الحركة التالية: «ما بعد الحداثة» وتياراتها المختلفة، فلماذا يستدعي الثلاثة الاهتمام وتسليط الضوء على أفكارهم؟

ماركس: كل ما هو صلب يذوب في الهواء

كارل ماركس - الصورة: Reminiscences of Carl Schurz

ذهب ماركس في ثورته على فلسفة هيغل إلى أن العامل الاقتصادي المادي هو الذي يحدد سيرورة التاريخ وأحداثه، لأن المادة هي المقوِّم لكل شيء، وكل ظواهر المجتمع وأحواله، كالدين والسياسة والفن والأخلاق، حتى عملية التفكير نفسها.

الدين عند ماركس لا يعني المقدس، بل هو غطاء للرأسمالية، ومهمته جعل بؤس الحياة أكثر احتمالًا.

وفقًا لماركس، ما يحدد ظهور فلسفات ونظريات علمية معينة في زمان ومكان معينين هو ذلك العامل المادي والظروف المواتية له، من قبيل نظام تقسيم العمل وأشكال الإنتاج في المجتمع وأنماطه، ومن ثمَّ تصبح الحياة المادية أساس الوعي والشعور الإنسانيين، فالوعي مشروط بالوجود المادي والاجتماعي.

كيف تنبع الظواهر الإنسانية الفكرية والإجتماعية وما يشكل الوعي الإنساني الفرد، من منبع المادة والعامل الاقتصادي وحده؟ يجيبنا ماركس بأن ظاهرة كالدين مثلًا، في أي مجتمع، تعتمد على أحوال ذلك المجتمع المادية.

فالدين عند ماركس في واقع الأمر لا يعني المقدس والمطلق والأمور الروحية وكل ما يزعمه الدين حول نفسه، وما يقوله عن غايات ممارساته، بل الدين في حقيقة الأمر غطاء للأحوال غير الإنسانية التي تشوب منظومة العمل والإنتاج داخل المجتمعات. في حالتنا تلك، هو غطاء للرأسمالية، ومهمته جعل بؤس الحياة أكثر احتمالًا، لذا تذيع مقولته الشهيرة عن الدين بوصفه «أفيون الشعوب».

أوضح ماركس في نظريته عن الاغتراب، التناقض الصارخ الذي يعانيه الإنسان في منظومة العمل الرأسمالي. فالعمل عند ماركس هو علاقة بين الإنسان والطبيعة، يتمثل دور الإنسان في إنتاج واقع جديد محدثًا تغيرات في الواقع الطبيعي. لذلك، فالعمل تعبير عن قدرات الإنسان وإبداعاته.

لكن ما يحدث داخل أنماط العمل في الواقع الرأسمالي هو العكس، إذ يفقد ناتج العمل طابعه الأصلي، ويتحول إلى وجود منفصل عن الإنسان، في شكل منتجات وسلع استهلاكية تكون غريبة وخارجة عن العامل الذي صنعها، لأنها تنتمي إلى صاحب العمل، ويكون العامل غريبًا عنها. أي إن الشيء المصنوع النابع من قدرات العامل في فعل العمل، يتحول إلى موضوع غريب يجابه العامل الصانع، ليس يجابهه فحسب، بل يعادي الكائن الحي الذي عمل وأَنتج.

هنا يحدث تحوير في مفهوم العمل، فلا يظل تعبيرًا عن قدرات الإنسان. لقد تحول وأصبح نفيًا لها. أصبح العامل غير قادر على تحقيق ذاته في نطاق العمل. وعلى النقيض تمامًا، صارت ذاته مسلوبة منه. وبدلًا من أن يطور طاقاته الذهنية والجسدية من خلال العمل، فإنه يقتل جسده ويفسد فكره، ولا يعود يشعر بأنه إنسان ما دام يعمل. إن الوعي الإنساني يتشكل في عمليات الجدل والاغتراب هذه، كنتيجة لها، ويتشكل كذلك بؤس هذا الوعي كمحصلة لعمليات مادية أساسًا.

العمل في النظام الرأسمالي نزع لإنسانية الإنسان وهبوط به إلى مستوى الشيء.

يقول ماركس في مخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية: «يصبح العامل أكثر فقرًا كلما زاد مقدار الثروة التي ينتجها، وكلما ازداد إنتاجه في قوته ومداه، والعامل يصبح سلعة أرخص كلما زادت السلع التي يخلقها. فالقيم المتزايدة لعالم الأشياء تسير جنبًا إلى جنب مع زيادة تدهور عالم الإنسان».

تحمل السلعة أو الشيء المصنوع عند ماركس، قيمة ميتافيزيقية بجانب قيمتها المادية. فهي عبارة عن طاقات العمل الذي بذله الإنسان مجسدة أو متموضعة في شيء مادي. إنها «تموضع» للعمل، أو تموضع لجزء من الإنسان خارج الإنسان. هذا الجزء يتحول إلى شيء غريب عنه، ويعاديه. إذ أصبحت السلعة هي التي تستعبد الإنسان بدل أن يصبح العكس. يقول ماركس عن العامل: «يشعر بأن العمل ليس له، وإنما لشخص آخر. إنه لا ينتمي إليه، لأنه في العمل لا ينتمي إلى نفسه، ولكن لشخص آخر».

لا يحقق العمل في المجتمع الحديث ذات العامل كإنسان، وكذلك لا يحقق علاقات اجتماعية وثيقة الصلات. والاغتراب عند ماركس في مجال العمل أساس جميع الأشكال الأخرى للاستلاب.

العمل في النظام الرأسمالي نزع لإنسانية الإنسان وهبوط به إلى مستوى الشيء. ويتمثل قهر الاغتراب عند ماركس في قهر ما ليس إنسانيًّا في الإنسان، محققًا الوعي اللازم، ليثور على تلك الآلية الرأسمالية، كخطوة صوب المجتمع اليوتوبي الشيوعي، خطوة نحو حرية الإنسان واسترجاع ماهيته الحقة.

وعي الإنسان الحالي إذًا، وعي مغترب وزائف، وكذا كل مكونات هذا الوعي. يصبح العلم والحقيقة والدين والأخلاق، وكل الجدالات النظرية القائمة بشأنهم، أمورًا مثيرة للارتياب، بما أن الوعي مشتق من شروط الإنتاج المادية وتابع لها، ومن ثمَّ يجب فضح زيفه، ويتحد مشروع الفلسفة باعتباره محاولة لمعرفة الحقيقة، مع مشروع سياسي يرمي إلى تحرير الإنسانية من الرأسمالية. هذه العلاقة بين المعرفة والحرية تجد تعبيرًا واضحًا عند ضلعي الثالوث الآخرين، أي نيتشة وفرويد.

نيتشه: كيف نتعاطى الفلسفة قرعًا بالمطرقة؟

فريدريك نيتشه - الصورة: Materialscientist

كان نيتشه، مثل ماركس، مهووسًا بتتبع أصول الأشياء ونشأتها بغرض كشف شروط وجود الأفكار وتطورها. وهو في هذا يمارس منهجه «الجينيالوجي» الشهير، الذي يعتمد على النقد التاريخي والبحث في الأصول التاريخية والنفسية التي تأسست عليها مفاهيم الفلسفة. إن الماضي عند نيتشه حاضر في الحاضر، والاعتقاد في الأوهام يحدث نتيجة التغافل عن تلك المسألة البسيطة.

فلا توجد حقائق موضوعية عند نيتشه، بل كل الأفكار تنطلق بالضرورة من منظور شخصي ما. هذا المنظور يُفرض على الأفراد من خلال الفئات المهيمنة اجتماعيًّا، لتصبح المصلحة العامة تخص هؤلاء الأسياد، أي مصلحة السلطة، تبعًا لإرادة القوة التي تَسُد وتتجلى في كل شيء، وخصوصًا في الحياة.

في كل هذه الأفكار يقترب نيتشه كثيرًا من ماركس، الذي رأى في الحقيقة سلاحًا طبقيًّا، لكن نيتشه يُغيِّب العامل الاقتصادي لصالح البحث في دقائق السيكولوجية الإنسانية، التي تسعى باستمرار نحو التفوق وتحركها «إرادة القوة».

إن المجتمع الإنساني البدائي المولود حديثًا جراء تاريخ طويل من التطور البيولوجي، كان لا بد له من أن يضمن مصالحه، مصالح المجتمع وسلامة بقاءه واستمرار النوع، لذلك تعمَّد في البداية اتباع إجراءات لها طابع الإجبار والإلزام، وبمرور الوقت اكتسبت تلك القوى الإجبارية شكل التقاليد والأعراف، وتحولت إلى ما نسميه «الضمير الشخصي»، الذي لا يراه نيتشه أكثر من سلطة مستبطَنة، وهكذا نشأت مفاهيم «الفضيلة» و«الإنسان الفاضل».

يتتبع نيتشه تاريخيًّا الجذور التي استقت منها البشرية في جميع الحضارات الكبرى أحكامها المتعلقة بالأخلاق، ليميز بشكل أوليٍّ بين نوعين من الأخلاق: أخلاق السادة وأخلاق العبيد، أو الأخلاق التي كان مصدرها السادة والنبلاء وصفوة الناس، والأخلاق التي كان مصدرها الرعاع والطبقات الدنيا والمنحطة. تقوم أخلاق السادة على قيم القوة والفخر والاعتزاز بكل ما هو جليل وقوي، مثل البسالة والشجاعة والصدق الذي قد يصل إلى حد التبجح.

أما أخلاق العبيد الذين اصطنعوا معايير موازية لقيم السادة الأخلاقية، فتتضمن مفاهيم من قبيل الإحسان وتقدير الضعف والرحمة، وكل شكل من أشكال الشفقة والتعاطف الفج.

هذان النمطان المختلفان من الأخلاق موجودان في مختلف الحضارات الإنسانية. بل يمكن أن توجد عناصر كلٍّ منهما في الإنسان الواحد.

تستمد الأخلاق شرعيتها في نظر نيتشه من غريزة حب السيطرة، أو إرادة القوة. فهذا هو مصدر التشريع الوحيد للأخلاق.

يتميز ذوو أخلاقيات السادة بالاستقلالية والفردية، مقابل النظام الجماعي الذي تتميز به أخلاقيات العبيد، فقيم العبيد جمعية، تخدم جماعة الضعفاء وإحساسهم بالعجز. لذلك هم القطيع، وأخلاق العبيد هي أخلاق القطيع، وتعبِّر عن حاجات القطيع، وينظرون دومًا إلى الأفراد الأقوياء المستقلين على أنهم تهديد وخطر وأشرار، ودائمًا ما يرغب القطيع في تأكيد قيمه، من حيث إنها مطلقة، وفرضها على الأفراد الأقوياء من المجتمع. ويجري تجاوز كل ذلك بواسطة الإنسان الأعلى الذي سيقدر على خلق قيمه الخاصة، وتحقيق إمكاناته التي تتجاوز الإنسان الحالي.

من النتائج الضرورية للنقد الجينيالوجي الذي طبَّقه نيتشه في مسألة الأخلاق وأصلها، أنه لا توجد أي معايير أخلاقية موضوعية، بل لا توجد أخلاق موضوعية أصلًا. فكل ما هنالك هو جماعة من الناس عاشوا في سياق تاريخي وجغرافي معين، وتأصلت في ثقافتهم ركامات من المفاهيم والأحكام التي تُسمَّى أخلاقية، في حين أنها لا تعدو أن تكون مجرد عادات مارسها الإنسان في بدايات تاريخه ليحفظ وجوده واستمرار بقائه، في سياق صراع القوى بين البشر. إن الأخلاق بالنسبة إلى نيتشه، وعي زائف، ومحصلة تفاعل أفراد الفصيلة الإنسانية، بما يطمح كل واحد منهم إلى فرض سيادته على الآخرين.

تستمد الأخلاق شرعيتها في نظر نيتشه من غريزة حب السيطرة، أو إرادة القوة. فهذا هو مصدر التشريع الوحيد للأخلاق. لا يوجد آمر أعلى أو سلطة إلهية تُشرِّع الأخلاق، ولا حتى العقل الإنساني بما فيه من حب للخير وتمييزه عن الشر. العقل غير مفطور على تلك المفاهيم أصلًا. في الأساس، تشريع الأخلاق مهمة غريزية، والغرائز لاعقلانية في جوهرها، ويكون الغرض منها، كغرض باقي الغرائز وأعضاء الحس، البقاء واستمرار النوع. وتتسم الأفعال الإنسانية بالحيادية الكاملة، ما دامت بمعزل عن أي تقييم ذاتي لها في موقف معين.

ذلك يعني في كلمات بسيطة: لا يوجد الخيِّر بذاته والشرير بذاته، لا وجود سوى للإنسان الذي يستطيع أن يقيِّم الأفعال، ذلك في حدود ما يناسبه، ويقسمها إلى خير وشر. أي إن الخير والشر مقولات محض إنسانية، ومصدرها الإرادة الشخصية، ولا وجود لها بمنأى عن أي إنسان.

يوجه نيتشه النقد نفسه إلى قيمة المعرفة باعتبارها حقيقة، ويُثني الفيلسوف الألماني «مارتن هايدغر» على نيتشه لأنه أول من أثار مشكلة الحقيقة التي تناساها الفلاسفة خلال حقبة الميتافيزيقا، من أفلاطون حتى هيغل، أي طيلة تاريخ الفكر الفلسفي السابق على نيتشه، في الوقت الذي باتت فيه ماهية المعرفة معتركًا لنظريات الفلاسفة.

متناسيين السؤال عن طبيعة الحقيقة نفسها وماهيتها: ما هي الحقيقة؟ ولماذا يبتغي الإنسان المعرفة والحقيقة؟ لِم لا يبتغي الإنسان، في المقابل، عدم المعرفة/الجهل واللايقين بدلًا من الحقيقة؟ يلاحظ نيتشه أن الفلسفة، عن قصد أو بغير، تناست مشكلة الحقيقة، أي البحث في أصل مفهوم الحقيقة نفسه، وهي إشكالية تجرأ نيتشه على طرحها لأول مرة.

في البداية، يرى نيتشه أن الاعتقاد في الحقيقة أساسه الاعتقاد في الله، أي الاعتقاد بكائن أعلى يضفي القداسة على الحقيقة. إن عنصري الثبات والإطلاق يميزان الحقيقة كقيمة، ولكن نيتشه كما يعودنا في نقده الجينيالوجي، يتخطى الثابت والمطلق ليعود إلى الأصل، ويُنزِل الحقيقة إلى الواقع المتحول الذي هو منبع كل شيء وأصله.

فالحقيقة عند نيتشه وثيقة الارتباط بالحياة، وهدف المعرفة ليس أن ندرك «الحقيقة» التي توجد متعالية، بل أن نسيطر على عالمنا، فنحن «نفرض نماذج ثابتة على تدفق الصيرورة، وهذا النشاط تعبير عن إرادة القوة، وبذلك نستطيع أن نعرِّف العلم أو نصفه بأنه «تحويل الطبيعة إلى مفاهيم من أجل التحكم فيها». ما هي الحقيقة؟ يتساءل نيتشه ويجيب بأن الحقيقة هي رد كل ما هو غريب ومجهول وفوضوي، إلى أمور معلومة ومعروفة وأكثر ألفة. أي إن الحقيقة عند نيتشه مجرد «إجراء» للحفاظ على الحياة.

كان تحرير الإنسان من أوهام الحقيقة في قلب مشروع نيتشه الفلسفي. وإذا كان سعي ماركس منصبًّا على تحرير الإنسانية من النظام الرأسمالي الذي يتشكل الوعي وينتج أوهامه وفقًا له، فإن فلسفة نيتشه لا تفرق في نقدها بين أنظمة إنتاج طبقية وأخرى غير طبقية، بل ترد زيف الوعي وأوهامه مباشرة إلى القوة الوحيدة المحركة للتاريخ، والتي يجب تحريرها لتخليص الإنسان من اغترابه، أي «إرادة القوة».

فرويد: جرح ثالث في نرجسية الإنسان

سيغموند فرويد - الصورة: Srishti.muralidharan

 يلعب الماضي في التحليل النفسي دورًا أساسيًّا، لا لأنه يخلق الحاضر فحسب، بل لأنه مصدر لكل محتويات الوعي والشعور.

يرى فرويد أنه أحدث ما أسماه هو «الجرح الثالث» الذي يلحق نرجسية الإنسان. فإذا كان «كوبرنيكوس» أرغم الإنسان على الإقرار بأن كوكبه الصغير لم يعد مركزًا للعالم، وإذا كان «داروين» أسهم في تعميق ذلك الجرح عبر الإقرار بأنه ليس إلا سليل تاريخ طويل من الحياة، شاركت في تكوينه أشكال مختلفة، فإن فرويد نفسه قد بيَّن أن «الأنا ليست سيدة بيتها الخاص».

يتابع فرويد مبدأ أن الماضي حاضر في الحاضر، الذي نجده كذلك عند كل من ماركس ونيتشه، لكن بشكل يختلف تمام الاختلاف عن الاثنين. يقوم التحليل النفسي الفرويدي على نظرية مفادها أن كل ما قد يبدو تافهًا وسخيفًا، إلى درجة لا نعيره معها أي اهتمام، قد يكون في حقيقة الأمر ذا معنى، بل ربما الشطر الأعظم من المعنى أحيانًا، وقد يكون له الإسهام الأكبر في علاج الأمراض النفسية والحالات الهستيرية. ينطبق ذلك في سياق التحليل الفرويدي على جميع أشكال زلَّات اللسان والإيماءات، والأحلام بشكل خاص.

يلعب الماضي في التحليل النفسي دورًا أساسيًّا، لا لأنه يخلق الحاضر فحسب، بل لأنه مصدر لكل محتويات الوعي والشعور. فإذا راجعنا التشريح الفرويدي للحياة النفسية عند الإنسان، نرى أن فرويد قسَّم الجهاز النفسي إلى ثلاثة أجزاء أساسية: الهو والأنا والأنا الأعلى.

يحتوي الهو على جميع رغبات الإنسانية البدائية في صورتها الحقة، ويخضع باستمرار للتقنين والمراقبة من الأنا العليا، التي تمثل ضمير الإنسان الذي تشكل اجتماعيًّا عن طريق السلطة الخارجية للواقع، والتي تمنع التعبير الحر عن هذا الهو. والنتيجة النهائية لهذا التقنين هو الأنا، أي حالات الوعي والشعور الظاهرة، أو نفس الإنسان كما يدركها ويقدمها للآخرين، وهي بالضرورة زائفة، بما هي مشتقة من غيرها.

لاختبار فعالية التحليل النفسي وصدق نظرياته، ينبغي علينا متابعة فرويد في تقسيماته هذه، وفرضيته القائلة بأن مادة اللاشعور تندفع دومًا، تشق طريقها ناحية الأنا والشعور في أقرب فرصة ممكنة، لتظهر على مسرح الوعي، ويكون النوم حالة مناسبة لهذا النوع من الاندفاع. لهذا، فإن دراسة الأحلام وتفسيرها لها مكانة أولية في نظريات التحليل النفسي.

ما يحدث في النوم، بحسب فرويد، اندفاع لاشعوري لسيل من الرغبات المكبوتة اللاشعورية، الجنسية تحديدًا، في شكل رمزيات تمثل مكونات الحلم، ووظيفة المحلل النفسي تحليل رموز هذه الأحلام، للوقوف على ما تنطوي عليه من معانٍ.

كذلك تحليل كل ما يبدو ظاهرًا للعيان في شخصية المريض، ليصل إلى المعنى الباطن، وهذا المعنى الباطن عادةً ما يكون عبارة عن رغبات الهو التي قوبلت بالقمع في غالبية الأحيان منذ الطفولة، ما يجعلها طاقة أو مادة نفسية هائلة مخبأة ومكبوتة، عالقة في اللاوعي، وتشكل مجمل المشكلات والعُقَد النفسية التي تلازم الإنسان في مراحل بلوغه وتكوينه.

وفي حالة الأحلام تكون تلك المادة النفسية في انتظار أقرب فرصة تنتهزها للظهور على ساحة الوعي في شكل رموز، فيما الأنا، المغلوبة على أمرها، نائمة، وقد استسلمت تمامًا لإغواءات الهُو.

يقول فرويد: «الأحلام كما يعرف كل إنسان، قد تكون مشوشة غير مفهومة، ولا معنى لها إطلاقًا، وقد يكون مضمونها مناقضًا للواقع الذي نعرفه، وقد نتصرف فيها كما يتصرف المجانين»، ذلك أن اللاشعور يمثل مملكة اللامنطق عند فرويد.

لهذا تبدو غالبية الأحلام مشوبة بالفوضى والتشوش، وعقب استيقاظنا من النوم لا ندري، تُرى ما كان ذلك بالضبط؟ فهي تبدو وكأنها عبثية، غير منطقية، ولا تحوي أي معنى. لكن فرويد لديه رأي آخر، كل هذه الظواهر التي تعج بالفوضى تعبر عن آليات داخلية يسلكها الجهاز النفسي، ونظام من المعاني المكبوتة داخل النفس الإنسانية، ومهمة التحليل النفسي كشف تلك المعاني المباطنة التي تتوارى وراء الوعي، وغير الواضحة، على الرغم من أن لها نشاط شديد الوضوح يتعلق بالوعي، وهو أنها تخلقه.

لا يتسع تأثير تلك الرغبات الجنسية المكبوتة على شكل شحنات نفسية لاشعورية، في نطاق الأحلام وتفسيراتها فحسب، بل إنها تتسع لكل أشكال النشاط الإنساني الذي نسميه «الواعي»، فيعمد فرويد إلى أن ينظر إلى ظواهر وممارسات إنسانية على أنها تجليات لتلك الشحنات النفسية، والدين لا يشذ عن تلك الممارسات.

إنه بالنسبة إلى فرويد وهمٌ كبير من أوهام الإنسانيّة، وحقيقة المقدس أنه تعبير نفساني عن حاجة الإنسان إلى أب-إله. الوعي، إذًا، يلعب دورًا ثانويًّا مقابل اللاوعي، يكون الوعي زائفًا، مشتقًّا، مدفوعًا، وغافلًا عن نفسه، ويرد بكل محتواه إلى المحتوى الحقيقي، الباطن، الخفي، القابع في اللاشعور.

هكذا تكتمل ثلاثية الوهم في الفلسفة الحديثة، فترتد الذات الإنسانية بكل ما تحوي من مشاعر وأفكار وأحلام إلى موضوعات غريبة عن هذه الذات، من نظام وعلاقات للإنتاج أو صراع لإرادات القوى أو غرائز جنسية مكبوتة. تشمل هذه الأفكار جميع الأنساق النظرية الكبيرة التي تشكل عالم الإنسان، من فلسفة ودين وعلم، إذ تختزل كلها كذلك إلى عالم خفي أو تاريخي، وتفقد أي وجاهة ممكنة باعتبارها «حقيقة».

ثالوث الفلسفة الأهم في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين غير مقدس لهذا السبب بالذات، لأنه اهتم أكثر من أي وقت مضى بإثارة الشكوك حول أفكار أساسية طالما شكلت النظام الذي عاش الإنسان مستظلًّا به، سواء كان هذا النظام علميًّا أو دينيًّا.

نستطيع القول إن كل ما كان يشغل بال ماركس ونيتشه وفرويد، هو الاستدلال ومعرفة الباطن الحقيقي من الظاهر السطحي.

وعلى الرغم من أن كثيرًا من أفكار الماركسية والنيتشوية والفرويدية، لم تعد تلقى قبولًا واسعًا، عكس ما كان عليه الحال في النصف الأول من القرن العشرين، فإنها تظل أفكارًا ثورية في زمانها، وقد امتدت أصداؤها نحو الحركة الفلسفية التالية الأهم، وهي حركة ما بعد الحداثة، التي أخذت من أفكار الارتيابيين نقطة ارتكاز نقدي وانطلاق وترقيع وتحسين، وأخذت على عاتقها استكمال مسيرة المشروع النقدي للحداثة ومقولاتها.