يهمني الإنسان

شهادات الإجهاض: ماذا لو تعارضت الرغبة في الحياة بين الأم وجنينها؟

فتاة تنتظر إجراء عملية الإجهاض - الصورة: Getty/Mint

ملاحظة: جميع الأسماء المذكورة في الموضوع مستعارة حفاظًا على خصوصية المشاركين.


«ارتحتُ نفسيًّا». هكذا علقت السعودية مريم (32 عامًا) على حكاية إجهاضها. مريم متزوجة ولديها من الأبناء ثلاثة، لكنها كانت تعاني اكتئابًا شديدًا ومرضًا عصبيًّا تتعاطى بسببه الكثير من الأدوية، وخشية تشوه الجنين قررت إنهاء الحمل. تضيف: «لم أكن مستعدة للإنجاب، ولم أتردد لحظة في اتخاذ هذا القرار. كانت لي أسبابي المقنعة، خصوصًا أن الحمل لم يتجاوز أربعة أشهر».

خاطرت الفتاة بحياتها، بحسب تعبيرها، إذ حصلت على عقاقير الإجهاض مهربةً من البحرين عن طريق إعلان مجهول على الإنترنت، واستدانت مبلغًا كبيرًا تدفعه كمقابل، وكان زوجها رافضًا لخوفه على حياتها. كل ذلك غير آلام الإجهاض الشديدة التي شبّهتها بـ«الولادة الطبيعية الكاملة»، ووجع التقلصات والنزيف، ومعاناة المرور بالأمر كله وحدها دون معاونة أحد.

ربما تكون ممن يلعنون مريم بسبب فعلتها، وربما تكون ممن يرونه حقها في حماية جنينها من التشوه والإعاقة، وحقها في التصرف في جسدها، لكنك لست «مريم» بأي حال.

في المنطقة العربية، تدور نقاشات الإجهاض أساسًا حول «الحلال والحرام» بسبب الطابع الإسلامي الغالب، وحول العلاقات الجنسية المحرمة ووصمة العار للطفل وأمه بسبب التقاليد المجتمعية، أما النقاشات الغربية فلم تتجاوز مسألة الدين كذلك، لكنها تمحورت أكثر حول أخلاقية الفعل، وإجراء عمليات الإجهاض من أموال دافعي الضرائب المعارضين، والتخلص من الطفل أم عرضه للتبني.

هذه الموجة العالمية من النقاشات لها أساسات مشتركة، كحق الجنين في الحياة، والأخلاق الطبية، والأسباب التي قد تؤدي إلى هذه العملية، والقيود على الإجهاض، والفائدة التي ربما تعود على المجتمع والنساء من تقنينه، وبالطبع حق المرأة في تملُّك جسدها. من يحدد هذا الحق؟ القانون؟ عادات المجتمع؟ ربما المرأة ذاتها؟

هذه شهادات تلقاها «منشور» إلكترونيًّا من نساء، ورجال كذلك، كانوا في قلب العاصفة، نساء خضعن لعمليات إجهاض برغبتهن، اتّخذن القرار ونفذنه، وبعضهن ندم على القرار أيضًا، ورجال ساعدوا بطريقة أو بأخرى في التنفيذ.

«قرار الإجهاض صعب عاطفيًّا، لكنه محسوم منطقيًّا»

تحقيق عن الإجهاض ومخاطره في مصر

«كان الأمر مخيفًا، لكن إنجاب الطفل مخيف أكثر». تروي الكويتية سارة (35 عامًا) حكايتها، فتقول إنها متزوجة ولديها بنتان، لكنها صارت ترى أن العالم مكان سيئ لإنجاب أطفال.

لم تجهَض سارة فعليًّا، لكنها كانت تشك في أنها حامل، فحجزت لنفسها موعدًا في مدينة أمستردام الهولندية، التي تُقنن الإجهاض وتكفُل رعاية صحية للأم: «لم أكن لأغامر بالإجهاض بطريقة غير قانونية، فقد أتحمل بعدها تبعات أي خطأ طبي»، لكنها اكتشفت بعد ذلك عدم حملها.

تتشابه قضية حق الإجهاض وسابقتها قضية القتل الرحيم في النقاش الأخلاقي، إذ لا يمكن إنكار أن المسألة دقيقة جدًّا لتعلقها بحق الحياة.

أما نور، الكويتية الأخرى التي تبلغ 41 عامًا، فقد حبلت في عام 2005 خارج إطار الزواج، لكنها كانت قد أنهت علاقتها بوالد الجنين، لم يكن هناك حب بينهما ولا استعداد للزواج أو الأمومة، فاتخذت القرار بشكل فردي دون إشراك الرجل، الذي حضر رغم ذلك ساعات الألم الأولى.

حصلت نور على أدوية الإجهاض من طبيبة صديقة لها، واستمرت آلامها الشديدة لساعات طويلة، والتف حولها المقربون: «كان القرار صعبًا عاطفيًّا، لكنه محسوم عقليًّا ومنطقيًّا، لذا لم أتردد، ولم أخف».

ربما تتشابه قضية حق الإجهاض وسابقتها قضية القتل الرحيم في النقاش الأخلاقي، إذ لا يمكن إنكار أن المسألة دقيقة جدًّا لتعلقها بحق الحياة، لكن النزاع يكمُن في سؤال: هل هذه حقوق مطلقة؟ وهل تعلُّقها بإرادة من لهم الحق يعطيهم صلاحية تقرير مصيرها كاملًا وتحييد دور الدولة؟

في الجانب الآخر هناك أزمة أخلاقية تقع على الطبيب الذي يُجري عملية الإجهاض، بينما وظيفته وقَسَمه يجبرانه على إنقاذ الحيوات لا إنهائها.

اقرأ أيضًا: أسطورة غشاء البكارة: مغالطة طبية تسوِّد حياة المرأة العربية

«فخور بأني أساعد صديقاتي على الإجهاض»

الصورة: Scott

تامر مصري في العقد الرابع من عمره، يقول بثبات: «ساعدت كثيرًا من صديقاتي على الإجهاض محافظةً على حياتهن من المجتمع، وأنا فخور بذلك».

يتحفظ تامر على ذكر أي معلومات بشأن وظيفته، لكنه يرى أنه يؤدي عملًا جليلًا حين ينقذ حياة فتاة من عائلتها التي قد تقتلها. لجأت إليه إحدى صديقاته من عائلة محافظة في ريف مصر، كانت قد حملت خارج إطار الزواج وهربت من أهلها خشية القتل، فساعدها على الإجهاض عند طبيب صديق، صرف لها مجموعة من الأدوية وأجرى عملية ترقيع لغشاء البكارة.

«الجنين ليس إنسانًا مكتملًا، وإذا تحدثنا عن حق الحياة، فحياة الأم أَولى»، هكذا علق تامر مبررًا مساعدته للفتيات، إذ جاء هو الآخر من عائلة محافظة، ويعرف جيدًا كيف تمارس هذه العوائل سلطتها على الفتيات. تحدث عن أخته بشجن، وثم تحولت لهجته إلى الفخر حين روى كيف دخل في معارك لحمايتها من الختان.

ساعد تامر صديقة له من السعودية من عائلة متشددة، كانت في علاقة مع سائق المنزل. فور أن وصلت مصر سهّل لها إجراء عملية الإجهاض بمساعدة طبيب صديق: «قرار الطبيب ليس طبيًّا فقط، بل تدخل فيه أخلاقيات المجتمع والسلطة، وبمساعدته يدفع ضررًا وخطرًا أكبر».

يحكي تامر حال صديقاته اللاتي يلجأن إليه: خوف ورعب من المجتمع، هلع من وصمة العار أو الموت الذي سيلاحقهن. يؤكد أنه يدلهن على أطباء جيدين ولديهم عقلية منفتحة ورغبة في المساعدة، حتى أنهم لا يأخذون إلا مبالغ رمزية مقابل عملهم.

«إحدى الفتيات عرف أهلها بحملها من علاقة، لجأت إليَّ، تزوجتها لأحميها من عائلتها حتى أجهضت ثم تطلقنا. هذه خدمة أفخر بها طوال حياتي»، هكذا يوضح.

يقول مؤيدو الإجهاض إن المرأة الحامل تعاني كثيرًا خلال الحمل والولادة، والجنين لا يتشكل إلا من لحمها وجسدها، الذي من حقها وحدها التصرف فيه.

يقف حق الجنين في الحياة كمعضلة أخلاقية أساسية في مسألة الإجهاض، يعتمد عليها المعارضون في رفضهم لتقنين العملية، إذ يرون عدم أحقية أحد في قتل جنين ضعيف، وأن له الحق في الحياة التي دبت أو ستدب فيه، بالاستناد إلى الأسس الدينية الرافضة لإيقاف الحمل بعد نفخ الروح في الجنين.

المسيحيون يعتبرون الإجهاض قتلًا لابنٍ من أبناء الله، وهي خطيئة تحرمها الديداكية (وثيقة تعليم الرب للأمم، وهي أقدم من إنجيل يوحنا)، التي تنص على أنه «لا تقتل طفلًا بالإجهاض، ولا تقتل طفلًا حديث الميلاد». وسبق أن أعلن البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، أن «الإجهاض خطيئة كبيرة، لأنه يضع حدًّا لحياة بريئة، إلا أن بوسعي وعليَّ أن أؤكد بالقوة نفسها أن ما من خطيئة لا يمكن أن تحصل على رحمة الآب».

أما فقهاء المسلمين فأجمعوا على حرمة الإجهاض بعد نفخ الروح، مستشهدين بآية «وإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأيِّ ذَنْبٍ قُتلَتْ»، لكنهم اختلفوا في الإجهاض قبل نفخ الروح، فمنهم من أجازه كالحنفية، ومنهم من قال بالتحريم مثل الحنابلة والمالكية والشافعية، وآخرون اشترطوا أن يكون نطفة زنا، كالرملي.

لكن هل فعلًا للجنين شخصية مستقلة تؤخذ في الاعتبار بشكل مستقل عن جسد الأم؟ هل نستطيع الفصل بين حق الجنين في الحياة والحقوق الإنجابية للمرأة؟

يذهب بعض المؤيدين للإجهاض إلى أن ادعاء الحق في الحياة ما هو إلا رومانسية حالمة، فالواقع أن المرأة تعاني كثيرًا خلال الحمل والولادة، والجنين لا يتشكل إلا من لحمها وجسدها، الذي من حقها وحدها التصرف فيه، فهو ليس كيانًا مستقلًّا عنها، وحياته ليست مؤكدة في مقابل حياتها المؤكدة.

«جربت الإجهاض.. أنا ضده»

الصورة: Leval

الإجهاض الآمن ليس متاحًا للنساء، واللجوء إلى الإجهاض الشعبي غير الآمن يؤدي إلى أوضاع صحية خطيرة، واستغلال من الأطباء الذين يؤدون العملية بشكل غير قانوني.

السعودية لمياء (40 عامًا) كانت تتحدث بتأثر، وتردد بإصرار: «بعد أن جربت الإجهاض، أنا ضده تمامًا».

لم تكن لمياء، التي أَجهضت حين كان عمرها 32 عامًا، سوى امرأة خائفة، خوفٌ قبل الحمل وفي أثنائه وبعده: «خفت أن أنجب بنتًا في السعودية وتتورط في الحياة هنا»، فأجهضت بالطريقة الصعبة: ركبت مع سائق تاكسي لأربع ساعات في طرق وعرة، لكن هذا لم يُفلح، فدخلت الملاهي وجربت ألعابًا خطرة حتى توقف نبض حتى توقف نبض جنينها ابن الثلاثة أشهر ومات.

أجرت لمياء عملية تنظيف للرحم في المستشفى بعد الإجهاض، ورفض زوجها دفع تكاليف العملية لعدم موافقته على ما فعلته من الأساس، لكنه وافق في النهاية.

«الحياة هنا ليست مناسبة للنساء، أبي كان شخصًا سيئًا، ورغم أن زوجي أقل سوءًا منه، فإني كنت أعرف مسبقًا أنه لن يكون أبًا جيدًا». أنجبت لمياء بعد هذا الإجهاض فتاتين، وتقول إنهم سعداء الآن، لكن هذا يزيد شعورها بالندم والوجع على إسقاط جنينها الأول، الذي «لم يعد لإجهاضه معنى».

اضطرت لمياء للإنجاب خوفًا من أن يطلقها زوجها، ولعدم رغبتها في العودة إلى حياتها السيئة مع عائلتها، لكن هاجس الجنين المجهَض لا يزال يلاحقها: «كان كائنًا حيًّا ومات داخلي، سمعت نبضه ورأيت قلبه على جهاز السونار، ومات، هذه الصورة لا تفارقني».

اقرأ أيضًا: الإجهاض في العالم العربي: «لا أحد يرغب في الحديث عن الأطفال الميتين»

يدافع مؤيدو الإجهاض عنه من منطلق أن المرأة الحامل التي ترغب في إيقاف حملها لديها بالتأكيد أسبابها الوجيهة، فقد يكون الحمل قد وقع نتيجة اغتصاب، أو قد يكون حملًا غير مرغوب فيه بسبب سوء الأحوال المادية للزوجين، أو قد يكون قد حدث خارج إطار الزواج أو خارج خطة الزوجين الحياتية، إضافةً إلى أن مجرد عدم رغبتها في الجنين سيشكل عائقًا في تربيته والعناية به.

الإجهاض الآمن ليس متاحًا للنساء، بينما يمكن أن يؤدي الإجهاض الشعبي غير الآمن إلى أوضاع صحية خطيرة، واستغلال من الأطباء الذين يؤدون العملية بشكل غير قانوني. فبحسب المؤيدين، إذا كانت المطالبة بحق الحياة للجنين مشروعة وواجبة، فمن باب أَولى المطالبة بحق الحياة للأم، التي قد تتعرض للموت حال الإنجاب المرفوض اجتماعيًّا أو الإجهاض غير الآمن.

يرفض المعارضون هذا المنطق، ويبررون رفضهم بأن الحل ليس القتل، بل بتفكيك جذور المشكلات الاقتصادية والاجتماعية لا نتائجها، غير أنه لا ذنب للطفل الناتج عن عملية اغتصاب أو زنا محارم، فلماذا نعاقبه بقتله في جريمة لم يرتكبها؟

يرى بعض النسويات أن الدفع بتقنين الإجهاض «صنيعة ذكورية»، هدفها أن يتمكن الرجل من ممارسة الجنس دون تحمل مسؤولياته.

تذهب بعض المجاميع النسوية إلى أن الأنظمة الأبوية تفرض قيودًا على جسد المرأة، فلذكور العائلة سلطة عليه، وللدولة التحكم فيه، وتقرير ما تفعله بجسدها وما لا تفعله، ولذلك يؤيد هؤلاء الإجهاض كجزء من نضال المرأة في ملكية جسدها.

تعارضهم المجاميع اليمينية، التي ترى أن كل هذه الادعاءات ما هي إلا في سبيل فتح المجال لكل أشكال العلاقات الجنسية المحرمة خارج إطار الزواج، ويعارض آخرون بالقول إن المرأة التي تريد أن تكون لها سلطة على جسدها عليها أن تتحمل ذلك بشكل كامل، فتمنع وقوع الحمل من البداية باستخدام الوسائل المتاحة.

لكن هل يعني هذا أن الصراع أساسه بين التيارات النسوية والتيارات المناهضة لها؟

العكس، فليست كل التيارات النسوية مؤيدة للإجهاض، وبعضها يرفضه، إذ ترى بعض النسويات أن الدفع بتقنين الإجهاض وإقناع المرأة بحقها في إنهاء الحمل ما هو إلا «صنيعة ذكورية»، هدفها أن يتمكن الرجل من ممارسة الجنس دون تحمل مسؤولياته، فتخاطر المرأة بحياتها في الإجهاض وما قد تتعرض له من آثار صحية بعيدة المدى، أو تقرر الاحتفاظ بالطفل (رغم طلبه إيقاف الحمل) وتتحمل وحدها المسؤولية.

«هذا جسدي، وهذه حياتي، وأنا من يقرر»

الصورة: Rachel Martinez

هل للأب حق في الموافقة على إجهاض الجنين؟ هل موافقته سلطة على جسد المرأة، أم حقًّا طبيعيًّا كملقح لتكوين الجنين؟

«لو كنت أنجبته كنت سأظلمه، هذا الطفل فوق طاقتي، لن أستطيع تربيته، متأكدة أن الله سيسامحني». هذا ما قالته ريم (25 عامًا) من الكويت، التي أَجهَضت مرتين، مرة كان جنينها في شهره الثاني، والآخر كان في الشهر الأول.

تتحدث ريم ببساطة وثقة، تعرف ما تريد ومتأكدة من قرارها، تقول إن الأمومة أتعبتها، لم يكن باستطاعتها تحمل طفل جديد: «أنجبت طفلي الأول وأنا في التاسعة عشرة من عمري، الأمومة متعبة، والقرار الذي أخذته، رغم معارضة أهلي وترديد كلمة حرام، أراحني جدًّا».

زوج ريم كان يخونها، مما دفعه إلى الموافقة على إجهاض الأجنّة، فلجأت إلى شخص على الإنترنت يبيع أدوية للمعدة تؤدي آثارها الجانبية إلى إسقاط الجنين، وحين قابلته «رمى عليَّ الأدوية، ورميت عليه المبلغ، وفر هاربًا».

لم يكتشف طبيبها الخاص سبب إسقاط الجنين، وأجرى لها عملية تنظيف رحم: «هذا جسدي، وهذه حياتي، وأنا من يقرر فيهما».

ينقسم مؤيدو الإجهاض بين تأييد مطلق دون قيود، أو تقييده بعمر معين للجنين، مثلما حدث في تونس، البلد العربي الوحيد الذي قنن الإجهاض، بشرط أن لا يتجاوز عمر الجنين ثمانية أسابيع.

قيدٌ آخر قد يرُدُّ على الحق في الإجهاض هو حقوق الأبوة، فهل للأب حق في الموافقة على إجهاض الجنين؟ هل موافقته سلطة على جسد المرأة، أم حقًّا طبيعيًّا له كملقح لتكوين الجنين؟

هذا النقاش يأخذنا إلى سؤال أكبر: هل من حق المرأة أن تحرم الرجل من أن يكون أبًا؟ ربما ترى أن أعباء الإنجاب والتربية تقع في معظمها على المرأة، لذلك فموافقة الرجل ليست أساسية، وربما ترى أن في هذا حرمان لحق الأبوة وعزل كامل للرجل عن مشاركته في الإنجاب، وبالتالي تُشترط موافقة الأب.

لكن هذا يُحيلنا إلى سؤال آخر: هل من حق الرجل، في حال عدم رغبته في الطفل، أن يطلب من المرأة إجهاضه؟ إجابة هذا السؤال ستكون شائكة بالطبع وتعيدنا إلى نقطة الصفر: هل من حق الرجل أن تكون له سلطة على جسد المرأة؟

 

«لا أريد أن أكون أمًّا»

17 ألف حالة إجهاض سنويًّا في تونس

تحصل نساء الطبقات الغنية على أكبر قدر من العناية الصحية، بينما تخضع النساء الفقيرات لمعاناة في سبيل إنهاء الحمل، لكن الظروف المادية لا يجب أن تكون حاجزًا أمام حصول أي إنسان على رعاية صحية جيدة.

«لا أريد أن أكون أمًّا»، هذا ما قالته إباء، الفتاة المصرية ذات الثلاثين عامًا، التي أجهضت عام 2016 بعد أن حملت من حبيبها.

ترى إباء أنها محظوظة، إذ حظيت بما لم يحظَ به كثير من الفتيات: أخٌ وقف بجانبها، وأصدقاء التفوا حولها، وحبيبٌ كان داعمًا لها في أي قرار كانت ستتخذه، سواءً الاحتفاظ بالطفل أو إجهاضه.

كانت المسألة صعبة، إذ وصل جنينها إلى شهره الخامس. رفض عدة أطباء إجراء العملية لصعوبتها في هذه المرحلة، وخوفًا من حدوث أي مضاعفات. فكرت إباء كثيرًا في التراجع، ترددت، وعاصفة الهرمونات التي اجتاحتها كانت قد سببت لها اكتئابًا شديدًا.

عن طريق بعض المعارف، وصلت إلى طبيب يُدعى شعبيًّا «دكتور تحت السلم»، كناية عن الأعمال الطبية غير القانونية التي قد يمارسها مبالغ المال. أجهضت وأجرت عملية لتنظيف الرحم، تبعتها آثار نفسية سيئة وإحساس بالذنب لتخليها عن هذا الكائن الحي.

تُجرى عمليات الإجهاض شئنا أم أبينا، قنناها أو جرمناها، فهل يُفترض في الدولة أن تحمي النساء من الاستغلال والظروف الصحية السيئة بتنظيم عمليات الإجهاض؟ أم تمنعها بتاتًا فتتحول إلى سوق سوداء لبعض الأطباء، الذين لا يكتفي كثير منهم بالحصول على مبالغ كبيرة مقابل عناية صحية سيئة للمجهَضة، بل قد يتمادى إلى الاستغلال الجنسي أيضًا؟

وبينما تحصل النساء من الطبقات الغنية على أكبر قدر ممكن من العناية الصحية خلال الإجهاض، أو تسافر إلى دولة تقدمها بشكل قانوني، تخضع النساء الفقيرات لمعاناة كاملة وصعوبات كبيرة في سبيل إنهاء الحمل، لكن الظروف المادية لا يجب أن تكون حاجزًا أمام حصول أي إنسان على رعاية صحية جيدة.