حرف جر

مكتبة لطفي الخولي: هيكل ونجيب محفوظ وسارتر.. أشخاصًا وإهداءات

لطفي الخولي أمام مكتبته - الصورة: منشور

عندما طرقت القوة الأمنية الشقة لتلقي القبض على الشاب المتهم بالانتماء إلى إحدى الجماعات التكفيرية اندهشت الأم، قالت لهم: إن «من اعتدتم القبض عليه دائمًا يسكن في الطابق الأسفل». لم تكن تدرك أن ابنها المقصود هذه المرة، لكن جارهم «المعتاد القبض عليه» هذا نزيل عموم سجون مصر هو الكاتب لطفي الخولي (1928-1999). لم تكن نكتة رغم أن ليليان الخولي زوجة لطفي كانت تضحك وهي تقودنا إلى غرفة مكتبه.

الغرفة بجدار واحد، وتحتل المكتبة بقية الجدران، يفصل بين مكتبتين باب صغير يقود إلى شرفة واسعة.

بين الشرفة وغرفة المكتبة حكايات يختلط فيها الفن والأدب بالسياسة والتاريخ، على هذه المقاعد جلس ساسة ومثقفون وفنانون، كانت هذه الغرفة ملاذهم.

«على هذا المقعد جلس ياسر عرفات عشرات المرات. في كل زياراته كان بيت لطفي الخولي أحد الأماكن التي يحرص على زيارتها». تقول ليليان،  وتضيف: «هنا جلس الرئيس الجزائري علي كافي قبل أن يصبح رئيسًا».

تستخرج زوجة لطفي الخولي رسائله العاطفية التي يشرح فيها عذابات السجن غير المحتمَلة، تضحك الزوجة: «في السجن يتحول لطفي إلى شخص رومانسي».

في هذا البيت أيضًا تناول المفكر الفرنسي جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار عشاءهما في أثناء زيارتهما القاهرة عام 1967. يومها قالت دي بوفوار لابنة لطفى (دينا) التي لم تكن قد تجاوزت السادسة إنها ستجيد الفرنسية مثل العربية تمامًا، وهو ما حدث.

زار المنزل كذلك شخصيات أخرى لكل منهم حكايته: الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وإميل حبيبي، والصحفي الفرنسي الشهير إيريك رولو، والأخضر الإبراهيمي، والمهدي بن بركة، وتوفيق الحكيم، ومحمد حسنين هيكل، وفاتن حمامة، ويوسف شاهين. وبالطبع أحمد فؤاد نجم، والشيخ إمام... وعشرات الشخصيات الأدبية والسياسية من جنسيات مختلفة.

لكن الكتب ليس كل ما في المكتبة. أمام مكتب الخولي خريطتان: الأولى للقاهرة من القرن الـ19، والثانية لفلسطين. هناك تمثال صغير من منحوتات الفنان حسن فؤاد احتفظ به الخولي تذكارًا من سجن الواحات، وأوراق شخصية، ومشروعات أفلام لم تكتمل، وتذكارات من مختلف بلدان العالم، ومئات الصور تجمعه برموز جيله من كُتَّاب ومفكرين وسياسيين.

من أحد الأدراج تستخرج الزوجة ليليان (التي تشبه إيزيس المصرية) أوراقًا مهترئة تحفظها بعناية، أطالعها بحرص شديد، إنها رسائله إليها من سجن الفيوم، رسائل عاطفية يشرح فيها عذابات السجن غير المحتمَلة، تضحك الزوجة: «في السجن يتحول لطفي إلى شخص رومانسي».

في المكتبة نكتشف رسائل وإهداءات وقصص مثيرة لصاحب العبارة الشهيرة: «نفتح الشباك ولا نقفله» التي لخص فيها تناقضات نظام يوليو.

قد يهمك أيضًا: مكتبات أدباء مصر الراحلين: الحياة الثانية للكتب

الخولي وهيكل..صداقة وخلاف سياسي

إهداء من محمد حسنين هيكل إلى لطفي الخولي - الصورة: منشور

ضرب لطفي الطاولة بيده في أثناء المناقشة مع عبد الناصر وهذا الموقف لم ينسه عبد الناصر، وأخبر به هيكل عندما طلب منه الإفراج عن لطفي.

تحتل مؤلفات محمد حسنين هيكل رفًّا كاملًا في المكتبة، كل الكتب تقريبًا تحمل إهداءً من هيكل. تعود العلاقة بين الاثنين إلى نهاية الأربعينيات. قليل من الإهداءات موجه إلى لطفي منفردًا، وأغلب المرات إلى «لطفي وليليان ودينا»، ما يعني أن العلاقة امتدت الى العائلة. توثقت أواصر العلاقة بين الرجلين عندما سُجِنَ لطفي عام 1959، ومن هناك أرسل إلى هيكل رسائل يطلب منه التدخل لحل التناقض الثانوي بين الشيوعيين وعبد الناصر حول قضية الديمقراطية.

بعدها بشهور تم الإفراج عن لطفي وعدد من المثقفين ليبدأ في مارس 1961 إشرافه على صفحة «الرأي» في جريدة الأهرام بمناقشة موضوع «أزمة المثقفين»، شارك في الكتابة بالموضوع  الخولي وعدد من مثقفي اليسار ليختتم هيكل النقاش بست مقالات تحت هذا العنوان: «أزمة المثقفين»، مؤكدًا أن قيادة عبد الناصر حققت للمثقفين اليساريين أكثر مما حلموا به.

في 1965 اختار هيكل لطفي الخولي رئيسًا لتحرير مجلة «الطليعة». كانت السلطة تهدف في البداية إلى أن تكون المجلة «لسان حال التنظيم الطليعي للنظام»، ولكن الخولي استطاع أن يجعلها مجلة أخرى غير التي يريدها النظام.

عندما زار عبد الناصر الأهرام التقى بمحرري الطليعة، قال لهم إن عليهم الاكتفاء بدور التبشير والتثقيف للثورة فقط، أما العمل السياسي، فلا. وفي إطار الصراع بين أجنحة السلطة أُلقِيَ القبض على الخولي وزوجته، ونوال المحلاوي، سكرتيرة هيكل، بعد سهرة جرت في بيت الخولي.

تحكي ليليان الخولي: «في لقاء عبد الناصر بمحرري الطليعة أشعل لطفي سيجارة، وفي أثناء المناقشة مع عبد الناصر ضرب الطاولة بيده، كان هيكل يضربه في قدمه لكي يتوقف، ولكنه لم يفعل، هذا الموقف لم ينسه عبد الناصر، وأخبر به هيكل عندما طلب منه الإفراج عن لطفي».

رفض عبد الناصر بإصرار طلب هيكل، وذات مرة في لقاء مع عبد الناصر سأله: ماذا تريد يا محمد في عيد ميلادك؟ فأجابه: الإفراج عن لطفي. ولكن عبد الناصر أصر على موقفه: «دا كان بيدخن في اجتماعي مع محرري الطليعة، وبيضرب الترابيزة بإيده».

وتضيف ليليان أسبابًا أخرى لغضب عبد الناصر من لطفي، فـ«زوجها هو الذي صاغ الرسالة التي أرسلها توفيق الحكيم يطالب فيها الرئيس بالإبقاء على هيكل رئيسًا لتحرير الأهرام، وعدم تعيينه وزيرًا للإعلام، تلك الرسالة التي طلبها هيكل من الحكيم بعد شعوره بأن تعينه وزيرًا للإعلام (إبريل 1970) سيكون ضربة لنفوذه تُضعِف من قدرته على المناورة، وتضعه تحت سلطة الرقابة الشعبية في مجلس الشعب، وتمهد في ما بعد لفقده منصبه العتيد في الأهرام على الرغم من أن عبد الناصر كان قد سمح له بالجمع بين المنصبين».

ظلت العلاقة قوية بين الاثنين (هيكل والخولي) حتى منتصف التسعينيات، عندما شارك لطفي في مباحثات مؤتمر مدريد. وعندما اختار أن يسافر إلى الأرض المحتلة. في تلك الفترة أرسل هيكل رسالة إلى لطفي في إبريل 1996 مصحوبة بنسخة من كتابه الجديد «المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل»:

«لطفي. صباح الخير. سلامتك. لا تقرأ الآن. أرسلت إليك الكتاب (الجزء الثاني منه)، فإني لا أريدك الآن أن تجهد عينيك أو تجهد أعصابك إذا وجدت بيننا خلافًا في الرأى أو الرؤية».

ترك لطفي الرسالة في قلب الكتاب. ولكن يبدو أن العلاقة القديمة لم تعد كما كانت بسبب الخلاف في الرأي والرؤية.

بعد عامين من رحيل لطفي كتب هيكل في الأهرام ما أسماه «خطاب شوق لا خطاب وداع»: إن «لطفي كما خبرته، طوال صداقة عزيزة وزمالة قريبة، كان مستكشفًا باحثًا باستمرار عن مستجد يجعله أكثر قربًا من حركة التاريخ، وأكثر اتصالًا بمطالب التطور، وقد راح يطارد رؤاه، أو أن رؤاه راحت تطارده، ولم يهدأ، ولم يهجع على طول سنين أرهقته وأرهقت أسرته، وأرهقت أصدقاءه أيضًا. كان تعلقه بالبحث المستمر عن مستجدات في التاريخ والتطور أشبه ما يكون بقَدَر يلاحقه، وقد أخذه هذا القدر معه وعاد به، من معارك كثيرة قاتل فيها بنفس الحرارة ونفس الجسارة».

وفي أوراقها الخاصة تحتفظ ليليان برسالة أرسلها هيكل إليها يطلب فيها ألا تغضب من أي نقد يُوجَّه إلى لطفي، وبخاصة أنها غضبت من هيكل رغم علاقة الصداقة العائلية التي تربطهما معًا. كتب هيكل في 2002:  

«عزيزتي ليليان

أنت تعرفين أن قلبي كان دائمًا معك ومع لطفي، ولم يؤثر في ذلك أن فكرنا السياسي اختلف أحيانًا لأن تلك طبائع الأمور. وكان هو يفهم ذلك، فلم يضغط خلافنا السياسي على علاقتنا الإنسانية الحميمة في حياته، وكذلك استمرت صداقتنا قائمة بالنسبة لي في غيابه. أنا أستطيع تفهم ما تشعرين به، حتى وإن تحفظت أحيانًا على بعض تعبيرك عنه، ولكننا في علاقتنا بمن نحب نستطيع أن نفهم، ونستطيع أن نعذر، لكن علينا في نفس الوقت أن نحافظ على قيم الأشياء ومعانيها بما فيها ذلك الفصل بين العام والخاص...».

الخولي والسينما ومحفوظ وشاهين

إهداء من نجيب محفوظ إلى لطفي الخولي - الصورة: منشور

تحتل أعمال نجيب محفوظ ركنًا خاصًّا في مكتبة لطفي الخولي، وجميعها تقريبًَا بإهداء خاص له، إهداءات محفوظ تبدو ثابتة: «إلى الأستاذ لطفي.. إعجابًا ومودة»، أو «مودة وتقدير». المرة الوحيدة التي تخلى محفوظ فيها عن إهداءاته التقليدية كانت في رواية «ثرثرة فوق النيل» التي كتب عليها: «الأستاذ الكبير أحمد لطفي الخولي.. تحية للصديق والفنان والثائر».

العلاقة بين محفوظ والخولي قديمة، فقد تعاونا سينمائيًّا مرتين: الأولى عندما كتب الخولي الحوار الذكي لفيلم «القاهرة 30» المأخوذ عن رواية محفوظ «القاهرة الجديدة». وقد حقق الفيلم وقت عرضه (1966) نجاحًا جماهيريًّا ونقديًّا. احتفى به الجميع، وأكد النقاد أنه «أروع وثيقة عن فترة من أشد فترات تاريخنا سوءًا». وقالت صافيناز كاظم إن حوار الفيلم «يزيد نماذج محفوظ وواقعه الأدبي عمقًا كتجربة اشتراكية رائدة». وكتب الخولي أيضًا حوار فيلم «ثمن الحرية» المأخوذ عن قصة سينمائية لنجيب محفوظ، ومن إخراج نور الدمرداش، وعُرِضَ الفيلم عام 1967.

كتب الخولي إطار فيلم «وداعًا بونابرت» ومجموعة الأحداث والشخصيات، ولكن يوسف شاهين راح يدلي بتصريحات صحفية بأنه صاحب الفكرة والسيناريو.

سينمائيًّا شارك الخولي في كتابة سيناريو وحوار فيلم «القضية 68» عن مسرحية له بالعنوان ذاته، وكتب أيضًا «العصفور» ليوسف شاهين (1974). وكان من المتوقع أن يكون الفيلم بداية تعاون مثمر مع شاهين، وبخاصة أنه وصف الخولي أكثر من مرة بأن «له الفضل في تكويني الفكري، وهو الذى جعلني مشاكسًا، وخرب بيتي بأفكاره الهدامة». كان لطفي يضحك عندما يسمع ذلك من المخرج المشاكس، ويقول له: «لا يا عم. أنت لديك بذرة الخير وحب مصر».

في أوراق الخولي معالجات سينمائية كثيرة لم تنفد، وكان من المفترض أن يخرجها شاهين. من بينها المعالجة السينمائية لقصة «الرجل الذي رأى بطن قدمه اليسرى في مرآة مشروخة»، وهناك أيضًا معالجة سينمائية لفيلم «الشجرة» أو «قصة حياة وداد التي زرعت شجرة».  

وكان خلاف شديد وقع بين الخولي وشاهين بسبب فيلم «وداعًا بونابرت» الذي كان فكرة لطفي الخولي، وقدمها إلى شاهين بعنوان «نابليون وزينب» أو «نابليون فى مصر». وقد امتد الخلاف بين الاثنين إلى المحاكم، بحسب أوراق القضية.

فقد كتب لطفي الخولي الإطار العام للفيلم، ومجموعة الأحداث والشخصيات والمواقع المختارة تاريخيًّا ودراميًّا، والتي تكون على أساسها صياغة سيناريو الفليم، ولكن شاهين راح يدلي بتصريحات صحفية بأنه صاحب الفكرة والسيناريو.

وعندما واجهه الخولي تحجج باضطراره إلى الإدلاء بهذه التصريحات على هذا النحو «تحت ضغط وزير الثقافة المصري عبد الحميد رضوان لأنه لا يرتاح إلى إسهام الخولي باعتباره من معارضي سياسة الحكومة، وأن هذه التصريحات للتمويه». استمرت القضية في التداول داخل المحاكم لسنوات قبل أن يحدث الصلح بين الاثنين في نهاية علاقة الخولي بالسينما.

اقرأ أيضًا: المشير والروائي وبينهما «برلنتي»: نكتة نجيب محفوظ المريرة

المسرح وتوفيق الحكيم

كتب توفيق الحكيم عن قصة رسالته إلى عبد الناصر بشأن تعيين هيكل وزيرًا للإعلام، إنهم لم يسجنوه بسبب سنه، وإنما سجنوا لطفي بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن الحكيم.

لم تكن السينما الأساس في عمل لطفي الخولي. كان يرى نفسه زائرًا، فالمسرح هو أساس حياته، وقد كتب في شهادة عن تكوينه الفكري:

«كان والدي أستاذي في تاريخ الوطن الذي سلمني إلى رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك ومحمد مظهر. كان من الحزب الوطني. وعمي البهي الخولي من الإخوان، وأخوالي من الوفد، وكان غالبية أصدقائي من الاشتراكيين، عرفت التعددية دائمًا، واحترمتها صحفيًّا وسياسيًّا وأدبيًّا. الصحافة والسياسة مع معركة الحياة، والأدب في السجن… أنا عامل وكاتب سياسي محترف، وفي الأدب هاو، وإذا خُيِّرت كنت رجل مسرح، كاتبًا».

لذلك تحتل المسرحيات الجانب الأكبر من المكتبة: أرثر ميللر، وميخائيل رومان، وتوفيق الحكيم الذي ربطته بالخولي علاقة متميزة، لكنه لم يُهدِه أيًّا من أعماله، ربما لم يتعوَّد الحكيم على إهداء مسرحياته إلى أحد. باستثناء سارتر كما تحكي لنا ليليان الخولي: «في أثناء زيارة سارتر لمصر أهداه الحكيم مجموعة مسرحياته المترجمة إلى الفرنسية، ولأنني كنت المترجمة له ولسيمون دي بفوار في أثناء الزيارة، كان الحكيم حريصًا على أن يسأل هل قرأ سارتر الأعمال أم لا؟ هل تابعها على أيٍّ من مسارح فرنسا؟».

الحكيم بالنسبة إلى لطفي أستاذ الجميع، ومن جرَّب الكتابة للمسرح خرج من عباءته، وقد كتب الحكيم عن قصة رسالته إلى عبد الناصر بشأن تعيين هيكل وزيرًا للإعلام إنهم لم يسجنوه بسبب سنه، وإنما سجنوا لطفي بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن الحكيم.

وأدار الخولي حوارًا مطولًا مع الحكيم لمجلة الطليعة استمر تسعة أشهر كاملة بعد صدور كتاب الحكيم «عودة الوعي» الذي يهاجم فيه الناصرية.

مهَّد الخولي للحوار برسالة يدعو فيها الحكيم إلى الحوار: «ليس عندك أو عندنا تجربة مقدسة أو شخص مقدس. وليس عندك أيضًا أو عندنا هدف سوى مواصلة حركة التقدم، ماديًّا وروحيًّا، لجماهير شعبنا، نحو اشتراكية حقيقية. إذن لماذا لا نتحاور يا سيدي حوارًا جادًّا منظمًا ومسؤولًا بهدف الوصول إلى تشخيص موضوعي للتجربة والواقع، وفرز الإيجابيات عن السلبيات، واستشراف طريق المستقبل: معطياته، احتمالاته، مخاطره، ضماناته. لقد طالبت، أنت شخصيًّا، أكثر من مرة، بفتح ملف التجربة جماعيًّا وبحرية.

وقد هالك أن يُتَّخَذ كتيب (عودة الوعي) قميص عثمان بين المتصارعين. بعضهم يتدثر به ليخفي عوراته. وبعضهم الآخر يقع في خطأ اعتباره الكلمة الأخيرة لتوفيق الحكيم تَجُبُّ كل كلام سبقه أو كلام يلحقه».

حُمَّى اسمها سارتر

لطفي الخولي وسيمون دي بفوار وجان بول سارتر في جامعة القاهرة - الصورة: منشور

في المكتبة أيضًا أعمال «برتراند راسل» بإهدائه، وجان بول سارتر وكلاهما حاوره لطفي حوارات مطولة صدرت في كتابه «حوار مع برتراند رسل وجان بول سارتر» . وقد وجه الأهرام الدعوة إلى الكاتبين لزيارة مصر، ولكن راسل اعتذر بسبب ظروفه الصحية، وعدم قدرته على السفر، وجاء سارتر بصحبة سيمون دي بفوار في مارس 1967، ‬ضيفَيْن على الأهرام. ‬الدعوة ذهبت باسمي محمد حسنين هيكل وتوفيق الحكيم، ‬وحملها إليهما في باريس لطفي الخولي.

‬نظم الخولي برنامج الزيارة بما يتيح للضيفين الكبيرين الاطلاع على «‬التجربة العربية التقدمية في مصر». ‬سارتر وسيمون اشترطا أن يصحبا معهما «كلود لانسمان»، مدير تحرير مجلتهما «‬العصور الجديدة»، ‬والمعروف بميوله الصهيونية، ‬وتعاطفه مع إسرائيل. اشترط سارتر أيضًا أن يزور إسرائيل بعد زيارته لمصر. ‬جاء سارتر وسيمون على طائرة مصرية خاصة.

«‬كانت أشبه بحُمَّى اسمها سارتر». ‬تضحك السيدة ليليان ‬وهي تتذكر تفاصيل ما جرى في الرحلة. ‬كانت مرافقتهما في الرحلة ‬بحكم عملها في ذلك الوقت في «‬السياحة»‬، ‬فضلًا عن إجادتها الفرنسية إجادة تامة. ‬أسالها: لماذا «‬حُمَّى» ‬سارتر؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ تجيب: «‬لموقفه المناصر للجزائر، ‬ولرفضه جائزة نوبل. ‬هو مثقف، وسياسي، وله تأثير عالمي في الأحداث، ‬لذلك كان الناس، وليس فقط المثقفون متشوقين لزيارته إلى القاهرة، ‬لرؤيته يتحدث (على الطبيعة)، ‬كان لطفي يخطط أن تكون الزيارة كاشفة لطبيعة التجربة المصرية، ‬أن يلتقي بالحضارة القديمة، ‬وواقع العمل الثوري في مصر».

أسألها: ‬لم يكن هناك توقُّع بما سيحدث بعد أشهر قليلة في يونيو 67؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ تجيب: ‬كان هناك توتر، ‬سارتر نفسه كان متوترًا، ‬لذلك بذل لطفي مجهودًا كبيرًا لإقناعه بالزيارة، فجاء محصنًا بـ«‬لانسمان». (‬لا تحب السيدة ليليان ذكر اسمه، ‬طوال حواري معها كان تشير إليه بـ«‬اللي ما يتسماشي»).

‬وتضيف: «أعلن سارتر أنه سيزور إسرائيل، ‬وكان ذلك أشبه برسالة إلى الكيان الصهيوني: ‬سأزور مصر لأرى وأسمع، ولكن لن تصبح القضية الفلسطينية قضيتي».

‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬تتذكر ليليان أيضًا حكايات أخرى: «في ‬أثناء زيارتنا مديرية التحرير، ‬كلما خطونا خطوة يستوقف أحد المارة علي السمان ويصافحه، ‬ويقول السمان: ‬هذا من أقاربي. ‬وفجأة استوقف أحد المواطنين لطفي الخولي. ‬وقال له: ‬مش فاكرني يا أستاذ لطفي؟ قال لطفي: ‬لا والله. ‬طيب افتكر. ‬وطال الموقف، ما أدى إلى ‬غضب لطفي. ‬قبل أن يقول له الرجل: ‬هايكستب ‬48. ‬سأل سارتر: ‬ماذا قال الرجل للطفي. ‬حكيت له. ‬فقال ساخرًا: ‬مش معقول. ‬كل ما لطفي يقابل حد يطلع زميله في السجن، ‬وكل ما علي السمان يقابل حد يطلع قريبه».

سياسي لا يحب السياسة

إهداء من أنور عبد الملك إلى لطفي الخولي - الصورة: منشور

كان لطفي يرى أن كتب السياسة تُقرَأ مرة واحدة، وقد نعود إليها في ما بعد كمراجع، بعكس الأدب الذي نكتشف في كل قراءة له أبعادًا جديدة.

في المكتبة أيضًا مجلدات مجلة الطليعة، وكتابات غوركي ودستويفسكي، والأغاني للأصفهاني، وشخصية مصر لجمال حمدان، وكتابات سلامة موسى، وحوليات مصر السياسية، وأعمال عبد الرحمن الرافعي، وعشرات الأعمال السياسية عن العالم العربي.

يهديه خالد محيي الدين كتابه «الآن أتكلم»: «الأخ والصديق لطفي الخولي. بمجهودك معي تحقق الحلم».

ويكتب له إسماعيل صبري عبد الله: «تعبيرًا عن ود مقيم». ويكتب أنور عبد الملك: «إلى المفكر السياسي العربي المبدع الصديق لطفي الخولي. مع خالص الود والتقدير». ويكتب له عبد الوهاب المسيري إهداءً على كتابه «الموسوعة الصهيونية»: «إلى الأستاذ لطفي الخولي، وإلى الأساتذة أعضاء أسرة الطليعة العزيزة. المجلة التي وُلِدَت الموسوعة على صفحاتها».

كان لطفي يرى أن كتب السياسة تُقرَأ مرة واحدة، وقد نعود إليها في ما بعد كمراجع، بعكس الأدب الذي نكتشف في كل قراءة له أبعادًا جديدة.

كان لطفي سياسيًّا بارعًا لا يحب القراءة في السياسة، ولكنه رغم ذلك خاض عشرات المعارك في كل العهود السياسية. في أوراقه الخاصة رسالة من رئيس الأركان المصري سعد الدين الشاذلي أرسلها يشكره لنشره مقالًا يدافع عن حقه في أن يحمل جواز سفر مصري.

كتب لطفي في جريدة «الأنباء» الكويتية في إبريل عام 1984 قائلًا: «أيًّا كانت المبررات الأمنية والسياسية التي يمكن أن يُستَنَد إليها رسميًّا في حجب جواز سفر عن مواطن، فإنها غير مقبولة، ديمقراطيًّا وإنسانيًّا. والفريق سعد الدين الشاذلي لم يرتكب يومًا جريمة مخلة بالشرف، ولم يصدر ضده حكم في هذا الشأن، وإنما هو مواطن على درجة عالية من الاحترام ذاتيًّا، فهو على الأقل بطل من أبرز الاستراتيجيين العسكريين.

فما الذي فعله الشاذلي حتى يُمنَع عنه جواز سفره؟ هل لأنه رفض اتفاقيات كامب ديفيد وسياسة السادات في الصلح المنفرد مع إسرائيل؟ وهو في هذا الموقف يشارك جميع الوطنيين في مصر في رفضهم اختيارات السادات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أهدرت طاقة الوطن، وكبَّلته بالقيود، فالرجل لم يتآمر في الظلام، بل كان صريحًا شجاعًا عاملًا في النور. عارض السادات واستقال من منصبه كسفير. من هنا، فإن القوى الوطنية في مصر تساند الشاذلي في قضية جواز سفره».

كتب الشاذلي في رسالته التي أرسلها إلى الجريدة الكويتية، وإلى لطفي أيضًا: اطَّلعت على ما كتبه الأخ لطفي الخولي فى جريدتكم بتاريخ 14/إبريل/1984 تحت عنوان «سعد الدين الشاذلي.. مرحبًا بك في مصر». وإنني أشكر لكم وللأخ لطفي الخولي ما ورد في هذه الكلمة، وأود أن أوضح الملاحظات التالية:

  1. هذه هي أول كلمة منصفة تُكتَب عن قضيتي مع النظام المصري في أي دولة عربية خارج الجزائر، وسوريا، وليبيا، واليمن الجنوبي.
  2. إن ألف باء الديمقراطية هي حرية التعبير، وحرية الدفاع عن النفس. فإذا كان هناك دولة ديمقراطية في مصر كما يدَّعي النظام المصري لاستطاع لطفي الخولي أن ينشر هذه الكلمة في الصحف المصرية لكي يقرأها الملايين من المصريين كردٍّ على ما نشرته صحف الحكومة المصرية ضدي من افتراءات. وإذا كان هناك ديمقراطية، فليقبل النظام المصري طلبي بالعودة إلى مصر على أن تتم محاكمتي أمام محكمة علنية، وهذه أبسط حقوق الإنسان.
  3. لقد حوكمت غيابيًّا على ادعاءات لم أُخطَر بها، ولم يُسمَح لي بالدفاع عن نفسي بواسطة محامٍ، بل لم يُسمح للمحامي الذي وكلته بأن يحضر تلك المحاكمة، ولو بصفة مراقب، وأصدرت المحكمة حكمًا غيابيًّا لم أُخطَر به حتى الآن، ولم يُسمَح لأي صحيفة مصرية أن تنشر كلمة واحدة عن هذا الموضوع، فأين تلك الديمقراطية التي يتحدثون عنها؟
  4. بالرغم من أنني لم أشعر بالغربة وأنا أعيش في الجزائر منذ ست سنوات، فإنني أتمنى أن أعود إلى مصر. ولكني لست مستعدًّا أن يكون الصمت عن ذكر كلمة الحق هو ثمن هذه العودة. إنني أريد العودة إلى مصر لكي أناضل ضد معاهدة كامب ديفيد، وضد القوانين القمعية، والعمل على إرساء الديمقراطية، وكفالة حقوق الإنسان، وإني على يقين بأن عدالة السماء سوف تُظهِر الحق بإذن الله.

خارطة فلسطين كانت أمام مكتب لطفي دائمًا، وكانت في قلبه أيضًا، ومعها مئات الكتب عن القضية الفلسطينية، ومئات الأوراق والمستندات أيضًا في مكتبته. قاد لطفي حملة معارضة اتفاقات كامب ديفيد، ثم تولى منصب أمين عام «لجنة مقاطعة التطبيع»، وأسس «اللجنة المصرية لمناصرة الشعب اللبناني والفلسطيني» وقت الاجتياح الاسرائيلي للبنان في 1982، وكان أحد المقربين من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.

لكن لطفي في السنوات الأخيرة استجاب لطلب من السلطة الفلسطينية، وبإلحاح من وزير الخارجية، عمرو موسى، للانضمام إلى الوفد المصري المشارك في عملية السلام، ثم شارك في إعلان كوبنهاغن الذي رآه بعض المحللين «تعميدًا لحركة تطبيع شعبي مع إسرائيل».

كانت فلسطين نقطة ضعفه. ظل السؤال يؤرقه، يسأله لكل من يلتقي بهم من فلسطينيين: هل ما أفعله في صالح القضية الفلسطينية أم لا؟

سأل السؤال، وأجابه فيصل الحسيني: «عندما تذهب لزيارة سجين… فإنك تذهب لزيارة السجين لا السجان».


وإليكم بعضًا من الصور التي حصل عليها «منشور» من أسرة الكاتب الكبير: