يهمني الإنسان

«مبابي»: وقائع ما حدث في الرحلة بين إفريقيا وفرنسا

الصورة: Getty/ Dan Mullan

عندما خلق الله آدم اختار الأسود لونًا لبشرته كي لا تراه الوحوش إذا دمس الليل، وعندما صنع له أنفًا جعله أفطس ذا قصبة منخفضة إلى الأرض كي يعلِّمه التواضع. أما شفتا آدم، فكانتا ممتلئتين لأنهما قليلتا الحركة، إذ لم يتعلما النطق بعد. شَعْر آدم كان أجعد. سيعرف ذلك لاحقًا عندما يجد صعوبة في تهذيبه بمشط سيخترعه أبناؤه.

نعم، كان آدم زنجيًّا من إفريقيا.

من إفريقيا بدأ كل شيء: أول صوت وأول هدوء بعد الصوت الأول، أول صلاة رهبة من الهدوء وأول رقصة للتمرد عليه، أول مغازلة بين رجل وامرأة وأول منافسة بين رجل ورجل، أول أداة يخترعها الإنسان، أول شرارة تكشط بفعل الأداة، أول نار تستعر بفعل الشرار.

ولأن الرجل رجل سيستخدم النار في الحرق، ولأن المرأة امرأة ستستعمل النار في الطهو. وبعد النار لا يصبح الليل ليلًا، يخرج حينها بعض الأفارقة، يودعون الزرافات والفيلة، يهاجرون إلى باقي العالم كي يبدأ التاريخ.

1955: البليدة، الجزائر

دفن رفات جنرال فرنسي متهم بالإشراف على تعذيب الجزائريين في مقبرة كبار الشخصيات العسكرية الفرنسية

- لافاي، لم يبق أحد منهم على قيد الحياة سوى ذلك الصبي. هل ينبغي أن نقتله؟

لا بد من أن «لافاي» نظر إلى الجثث الطازجة: أكوام من البشر لا تتحرك، فوقها أكوام من الذباب لا تكف عن التحرك. ربما ازدرد ريقه مستاءً من رائحة التل الآدمي العطن، وأطال النظر إلى الفتى الأسود الذي نجا من المجزرة واستلقى موازيًا بيادة العسكري الفرنسي. على خلاف بشرته، كان شعر الجزائري يكسوه البياض. لم يكن البياض بفعل الشيبة، كان رماد الأكواخ التي نسفت.

ربما سأله:

- ما اسمك؟

- جمال الدين، جمال الدين العماري.

- عربي وزنجي في وقت واحد؟ ما هذه الخلطة الملعونة؟

صاح لوك:

- لافاي، سيجلدنا العقيد «مونتنياك» إذا أحضرنا إليه عربيًّا يتنفس.

- من قال إننا سنأخذه معنا؟ سنترك ابن العاهرة هنا كي يخبر أهالي القرى المجاورة للبليدة بما فعلناه في قريته، لعلهم يتخلون عن فكرة المقاومة السخيفة. ثم إننا أحرقنا قريته بالكامل، بقاؤه حيّا بعد ما رَآه، أكثر إيلامًا. لا أدري يا لوك، شيء ما يمنعني أن أقتل ذلك الصبي.

هكذا نجا الصبي من المذبحة وكبر، وعندما قرر الزواج يبدو أنه صمم على الإنجاب كثيرًا، أربعة أبناء: مروان وفايزة ووليد وياسين.

ربما كان مروان نبيهًا. إذ يقرر أن يتعلم حرفة، ولاحقًا يساعد في العمل عندما يشتد ساعده ويخور ساعد والده. أما فايزة الطموحة، فتسافر إلى فرنسا، تحقق هناك حلمها بحياة هادئة، ومن فرنسا ترسل الأموال إلى الأسرة التي تقاتل فرنسا. وليد قد لا يطيق البعد عن البليدة، لذا يمكث في الجزائر، يتزوج وهيبة بنت عمه كي ينجب مزيدًا من الجزائريين. ياسين؟ ياسين غالبًا سيستشهد.

1980: ياوندي، الكاميرون

«حين تدمر المكان، لا بد أن نرحل»، وفرنسا دمرت المكان، فأجبرت الكاميرونيين على الرحيل، ربما إلى فرنسا ذاتها

إذا لم تكن فرنسيًّا ذا عيون فيروزية، فأغلب الظن أنك تحمل سلاحًا. وحتى إذا كنت تحمل مصحفًا، فأنت تخبئ سكينًا في قلبه.

مطار ياوندي تعيس. لا يعرف إلا رحيل المسافرين والطائرات كلها متجهة إلى باريس. ترحل حبة الكاكاو، وهناك في فرنسا تصبح لوح شوكولاته فخمًا. تهاجر شجرة البن، وهناك في فرنسا تنتهي في فنجان كبير. تسافر بذرة القطن، وهناك في فرنسا تلقى مصيرها كوسادة وثيرة أو أريكة لينة. وربما يصادفها الحظ، وينتهي بها الأمر تنورةً تبدأ من الخصر، ولا تصل إلى رُكَب الفرنسيات.

يرحل الذهب الكاميروني، ويوُدَع في بنك باريس بالأطنان سبائك نقدية فرنسية. ترحل أخشاب الغابات لتصنع أثاثًا فخمًا. يرحل كل شيء، ثم بعد هجرة المادة من الكاميرون إلى فرنسا، يرحل الانسان نفسه، المادة البشرية بذاتها، عمالة رخيصة سوداء تقبل العيش في غيتوهات مدقعة على شفا باريس وأطراف مارسيليا.

عضلات إفريقية ربما يرهق أنسجتها العمل الشاق المضني. لكن لا يجرح كرامتها توزيع الجرائد أو جمع القمامة. من الكاميرون يهاجر كاميروني يُدعى «ويلفريد مبابي».

2005: باريس، فرنسا

اصطحب ويلفريد مبابي زوجته وابنهما كيليان في المظاهرة وحين همت الشرطة بالركض خلف المتظاهرين، ركض كيليان أسرع من رصاصة.

مراهقان في الخامسة عشرة يركضان من الشرطة الفرنسية التي واظبت على الانقضاض على الضاحية الباريسية التي يعيشان بها، والسبب الذي كانا يركضان من أجله غير معلوم حتى الآن. لكن ربما لأن المراهقين أحدهما كانت عيناه الحادتان يشيان بملامح عربية، والآخر يوحي طوله السامق بأنه إفريقي.

ربما من أجل ذلك ركضا، لأنه إذا لم تكن فرنسيًّا، وأعني بالفرنسية أن تكون ذا عيون فيروزية، فأغلب الظن أنك تحمل سلاحًا. وحتى إذا كنت تحمل مصحفًا، فأنت تخبئ سكينًا في قلبه. لذا، في الحالتين ينبغي في حال رؤيتك الشرطة أن تركض، فقط اركض بسرعة ودون سبب.

خلال هروب زياد البنا و«بونا تراوري» من شرطة دو باري، صُعقا بالكهرباء، وجثتا الصبيين المحروقتان أحرقت باريس بأكملها.

خلال 19 ليلة، بدءًا من 27 أكتوبر 2005، كان معتادًا أن ترى في شوارع باريس الأنيقة: سيارات محروقة، فوارغ رصاص مطاطي، نوافذ مهشمة، صدور عارية، وجوه مقنعة، ضابط شرطة يركض ليلحق بمتظاهر ملثم بعلم جزائري، متظاهر ملثم بعلم جزائري يركض ليلحق بضابط شرطة.

فوضى، فوضى كاملة، والسبب أن التحريات أثبتت براءة الصبيين اللذين قتلتهما الشرطة.

في المظاهرة التي خرجت من بولفارد سان ميشيل، اصطحب الشاب الكاميروني صاحب الاسم ويلفريد مبابي زوجته الجزائرية فايزة العماري، وكذلك ابنهما كيليان ذو الستة أعوام.

حين همت الشرطة بالركض خلف المتظاهرين، لا بد من أن كيليان ركض أسرع من رصاصة. وعندما انتهت المظاهرات، وانتهى عمال النظافة من كنس آخر قنبلة مسيلة للدموع، اقترحت والدته التي تلعب كرة اليد أن يبدأ الصبي لعب كرة القدم في فريق «إف سي بوندي» الذي كان يدربه ويلفريد.

بعد 13 عامًا من هذا الاقتراح، أحرز كيليان مبابي هدف فرنسا الرابع في نهائي كأس العالم.

اقرأ أيضًا: كاريزما وثقة وذكاء، وأقل من 19 عامًا: لهذا راهنَّا على مبابي

2018: واشنطن، أمريكا

«بالنسبة إلينا لا توجد هوية، فالأصول حقيقة فردية. لا ينبغي أن تصفوهم بأنهم فريق إفريقي، لأن معنى ذلك أنكم تنكرون عليهم هويتهم الفرنسية». «جيرار أرو»، السفير الفرنسي في أمريكا، متحدثًا عن منتخب فرنسا الفائز بكأس العالم 2018.