يهمني الإنسان

شايفني مصري: هل يدعم الإعلام الأردني كراهية العمالة الوافدة؟

الصورة: Getty/Jeff J Mitchell

هناك مثل شعبي في بلاد الشام يقول: «اللي بيطلع من داره، بقل مقداره»، أي من يخرج من منزله يتعرض للإهانة. وهناك مقولة لعلي بن أبي طالب تقول: «ليس ببلد أحق عليك من بلدك. خير البلاد ما حملك».

ربما هذان المثلان أكثر ما يعبر عن حالة اللاجئين السوريين والعمال الوافدين في الأردن، الذين يتعرضون كل يوم لخطاب كراهية، سواء من وسائل إعلام محلية أو حتى في الخطاب السياسي.

ليس من الغريب، وأنت في الأردن، أن تتصفح عناوين الأخبار في الصباح لتجد مانشيتًّا صحفيًّا يُحمِّل اللاجئين السوريين مسؤولية ارتفاع الأسعار والبطالة، بل وارتفاع نسبة الجريمة كذلك، وربما تجد دراسة «تحليلية» ترصد كمية الخبز الذي يستهلكه العمال المصريون في الأردن.

كل ذلك وأكثر هو خطاب شبه يومي يكشف الغطاء عن وجود كراهية ممنهجة كانت أم غير ممنهجة، يتعرض لها اللاجئون السوريون والعمال الوافدون إلى الأردن.

وفق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، استقبل الأردن خلال سبع سنوات منذ بدء الأزمة السورية قرابة مليون و800 ألف لاجئ، سجلت المفوضية 747,360 ألفًا منهم في سجلاتها الرسمية.

وبحسب الإحصائيات الرسمية أيضًا، يقدر عدد العمال المهاجرين في سوق العمل الأردنية بمليون ونصف المليون عامل، بينما يبلغ عدد العمال المسجلين رسميًّا في سجلات وزارة العمل نحو 300 ألف عامل وافد.

تشكل العمالة المصرية الجزء الأكبر، تليها العمالة السورية. ورغم عدم مصادقة الأردن على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمالة المهاجرة وأفراد أسرهم الصادرة في العام 1990، فإن التشريعات ذات العلاقة بأوضاع العمالة المهاجرة تتضمن حماية حقوق العمال المهاجرين، لكن ذلك لا ينعكس بشكل كامل على أوضاع العمالة المصرية والسورية.

«شايفني مصري؟»

الصورة: DFID

تلعب الحكومة دورًا بارزًا في تعزيز خطاب الكراهية ضد الأجانب، بإعلانها أن الأزمة السورية كلفت الدولة مليارات، وإغفالها ذكر ما تلقَّته من مِنَح لأجل اللاجئين.

«شايفني مصري؟»، واحد من التعبيرات التي يستخدمها أردنيون بداعي السخرية واستعراض قوتهم، حتى أن كثيرًا من الأردنيين لا ينادون العمال المصريين بأسمائهم، بل يستخدمون صيغة «إنت يا مصري». يكشف هذا أن الكراهية المنتشرة في الخطاب السياسي الأردني لا تقتصر على ما هو حكومي وإعلامي فقط، بل تمتد إلى بعض أفراد المجتمع، الذين تشبعوا بتلك الخطابات وصارت جزءًا من سلوكهم.

ممدوح شاب مصري يعمل حارسًا في إحدى العمارات السكنية في العاصمة عمَّان، يقول إنه منذ مجيئه إلى الأردن تقريبًا يتعرض كل يوم لإهانات، سواء من سكان الحي أو من أجهزة الأمن، وصار يشعر بأن هناك «استقصادًا» من الشرطة في ملاحقة العمال المصريين للتأكد من شرعية وجودهم في الأردن: «في أغلب الأحيان، يكون التعامل معنا بطريقة مهينة ومختلفة عما تُمَارس بحق المواطنين الأردنيين».

«تعالَ يا مصري»، نداء يسمعه ممدوح يوميًّا، إذ لا يناديه سكان العمارة التي يعمل فيها باسمه، حتى بات يشعر بأن «مصري» هو اسمه الجديد، وبدأ ينسى اسمه الحقيقي شيئًا فشيئًا، بحسب ما يوضحه لـ«منشور».

اقرأ أيضًا: مهاجراتٌ إلى الأردن: من جحيم الوطن إلى جحيم الغربة

ليندا كلش، مديرة مركز «تمكين» للدفاع عن العمال المهاجرين، تذكر أن الحكومة تلعب دورًا بارزًا في تعزيز خطاب الكراهية ضد الأجانب، سواءً كان ذلك عن قصد أو دون قصد: «على سبيل المثال، تعلن الحكومة أن الأزمة السورية كلفت الدولة مليارات، لكنها في نفس الوقت تُغفل ذكر ما تلقَّته من مِنَح لأجل اللاجئين».

تحكي ليندا لـ«منشور» مثالًا آخر لتعزيز خطاب الكراهية: «عندما أرادت الحكومة رفع سعر الخبز كان من ضمن التبريرات أن الوافدين، وخصوصًا العمال المصريين، يأكلون الخبز».

لكن هناك في الإعلام من يردد تصريحات المسؤولين دون متابعة أو بحث، ويستخدم بعض المصطلحات التي تؤدي إلى تأجيج خطاب الكراهية، إضافةً إلى إبراز الجرائم التي قد تُرتَكب من غير الأردنيين في العناوين، والتركيز على الجرائم الجنسية منها.

سامي (اسم مستعار) لاجئ سوري، يحكي لـ«منشور» أنه يتعرض لخطاب الكراهية بشكل شبه يومي، سواء خلال التنقلات أو في العمل: «كنت أحضر دورة بدعم من الاتحاد الأوروبي مع زملاء سوريين آخرين، وخلال استراحة الغداء وجدنا أن الطعام لم يكن جيدًا فرفضنا تناوله، فكان الرد: «أنتم سوريون، اشكروا الله أننا وفرنا لكم طعامًا».

يستطرد سامي: «مرة تقدمت بفكرة تحقيق استقصائي، رفضوه لأنني سوري، وتعرضت لاستنكار وتساؤلات عن كيف تجرأت على أن أقدم عملًا صحفيًّا»، موضحًا أن هناك اتجاهًا لدى بعض وسائل إعلام ومستخدمي مواقع تواصل يُسهم في تعزيز خطاب الكراهية: «تجد تعليقات تضع اللوم على اللاجئين السوريين بسبب رفع أسعار الخبز، ومطالبات بإعادتنا إلى بلادنا. والحكومة تُحمِّل اللاجئين مسؤولية ارتفاع نسبة بطالة الأردنيين وتدهور البنية التحتية».

يختم اللاجئ السوري بأنه «إذا كنا نشكل عبئًا على الأردن، افتحوا لنا الحدود حتى نعود إلى بلادنا».

الإعلام لسان مموليه: لماذا لا نحب الوافدين؟

الصورة: DFID

لا توجد معايير مهنية تحدد خطاب الكراهية أو النقاط الأخلاقية، وتضع ضوابط وعقوبات لمن يتبنى خطابًا عنصريًّا أو إقصائيًّا.

هبة عبيدات صحفية متخصصة في قضايا اللاجئين السوريين، تقول إن معايير محددة وُضِعَت عالميًّا لتغطية الأخبار المتعلقة بالأزمات أو اللجوء، وأهمية أنسنة المواضيع والقضايا، لكن ما يحدث في بعض وسائل الإعلام هو خطاب كراهية تجاه اللاجئين، يجعلهم «شماعة» لفشل السياسات الاقتصادية والسياسية أحيانًا.

بحسب عبيدات، كثيرًا ما تُنشَر الخطابات الرسمية والبيانات المتعلقة بقضايا اللجوء دون أي تغطية صحفية للرأي الآخر.

قد يهمك أيضًا: كيف تعني «الوطنية» كُره الآخَر؟

يرى الصحفي الحقوقي مصعب الشوابكة أنه من الطبيعي أن يحدث هذا في ظل وجود إعلام غير مستقل، فالإعلام المملوك للسلطة أو رجال المال والأعمال سيعبر بالتأكيد عن مصالح مموليه، هذه المصالح ربما يكون خطابها متطرفًا لتحقيق غايات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

يوضح الشوابكة أن هناك سببان لخطاب الكراهية ضد اللاجئين والعمال الوافدين الذي ينقله الإعلام الرسمي أو شبه الرسمي الذي يدور في فلك الحكومة:

  1. استجداء الحكومة الأردنية للمانحين بذريعة أن اللاجئين السوريين يشكلون ضغطًا كبيرًا على البنية التحتية
  2. عدم وجود معايير ومواثيق مهنية تحدد خطاب الكراهية أو النقاط الأخلاقية، وتضع ضوابط وعقوبات لمن يتبنى خطابًا عنصريًّا أو إقصائيًّا

في معادلة الإعلام الأردني ما زال هناك طرف غائب، هو «الناس» الذين لا يمارسون الرقابة على وسائل الإعلام، فالمجتمعات غير المتصالحة مع نفسها تكون أكثر استعدادًا لخطابات الكراهية ضد اللاجئين، أو حتى غيرهم.