الهوية الجنسية

الاعتراف بالمثلية في الهند: سيرة 30 عامًا من المحاولات

الصورة: Getty/Barcroft Media

«التاريخ يدين باعتذار إلى مجتمع المثليين والمثليات في الهند بسبب النبذ والتمييز». لو كان «سيدهارتا غوتام» لا يزال على قيد الحياة، لكان هو تحديدًا من وجب أن يتلقى هذا الاعتذار، الصادر على لسان قضاة المحكمة العليا في نيودلهي، في سبتمبر 2018.

غوتام شاب أسمر، يعود إلى بلاده الهند سنة 1989 بشهادة المحاماة من جامعة يال المرموقة، وبرؤية واضحة: وقف التمييز ضد المثليين في الهند.

الذي بدأه غوتام سنة 1989 وصل إلى نهايته السعيدة الخميس السادس من سبتمبر 2018، عندما ألغت المحكمة العليا مفاعيل المادة 377 من القانون الهندي، التي تجرِّم «كل ممارسة جنسية خارج عن إطار الطبيعة»، وكانت تنطبق على العلاقات الجنسية المثلية.

لكن الوصول إلى هذا الانتصار الحقوقي للمثليين والمثليات ومغايري الهوية الجنسية، لم يكن ليحصل لولا النضال الذي بدأه سيدهارتا غوتام.

بعد أسابيع من عودته إلى الهند، أسس غوتام مع مجموعة من الناشطين الحقوقيين والمحامين حركة «ABVA»، وهي أول حركة حقوقية في الهند تهدف إلى وقف التمييز ضد المصابين بفيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز). بعدها بعامين كانت ثمار العمل تظهر. فنشر أول كتاب يقارب موضوع المثلية الجنسية في الهند: «أقل من مثليين: تقرير عن أحوال المثلية الجنسية في الهند».

لأول مرة، قرأ الهنديون قصصًا وحكايات عن مواطنين اعتُبروا لسنوات غير مرئيين. قصص وحكايات مأساوية لمثليين ومثليات أُجبروا على العمل في بيع الجنس، بعدما اكتشفوا إصابتهم بالإيدز. قصص أخرى لمتحولين جنسيًّا ومتغيري النوع الجنسي، تعرضوا لكل أنواع العنف الجسدي والجنسي. قصص مؤلمة عن الحب والجنس والهوية الجنسية انتهت غالبيتها بمأساة: انتحار أو قتل أو خروج على القانون.

الكتاب ذو اللون الزهري بصفحاته السبعين، جعل لمجتمع الميم (مثليين، مثليات، متحولين، مزدوجين، متسائلين) في الهند أسماء ووجودًا وحكايات ونهايات.

لم يعش بعدها سيدهارتا غوتام طويلًا، وتوفي بسرطان الغدد اللمفاوية بعد صدور الكتاب بأشهر. لكن طيفه بقي يخيِّم على الحراك المثلي في الهند حتى قرار منع تجريم المثلية.

ما الذي حصل بعد وفاة غوتام؟ وكيف وصلنا إلى إلغاء المادة 377؟

محاولات التسعينيات: فشل، ثم نجاح، لكن..

الصورة: Getty/ARUN SANKAR

الحدوتة بدأت تأخذ شكلًا أكثر تعقيدًا بعد العام 1991 مع رحيل غوتام، وتحول موضوع المثلية الجنسية إلى نقاش علني. كلما ارتفع صوت يطالب بوقف التمييز ضد مجتمع الميم وإلغاء تجريم العلاقات المثلية، علت في المقابل أصوات دينية واجتماعية ترفض المثلية الجنسية وتراها «صنيعة الغرب».

لكن هذه الضغوط الاجتماعية لم تمنع حركة «ABVA»، في 11 أغسطس 1992، من تنظيم أول اعتصام للمثليين، أمام مقر الشرطة في نيودلهي، احتجاجًا على اعتقال مجموعة من المثليين في العاصمة الهندية.

الحركة، التي باتت الواجهة الرئيسية للدفاع عن حقوق المثليين، سبَّبت إزعاجًا حقيقيًّا للسلطات المحلية. وبعد حملة استمرت لثلاث سنوات، طالبت فيها الحركة بتوزيع الواقي الذكري على المثليين من نزلاء سجن تيهار في نيودلهي لمنع انتشار الإيدز بينهم، بدأ التوقيع على عريضة رسمية تهدف إلى المطالبة بإسقاط مفاعيل المادة 377 التي تجرم الممارسة المثلية.

العريضة لم تصل إلى المحكمة، وانحلَّت حركة «ABVA» نهاية التسعينيات نتيجة عوامل عدة، منها الضغوط السياسية والاجتماعية. وقتها بدا أن العمل على وقف التمييز ضد المثليين يعيش مرحلة ركود وخوف.

لكن النضال لم يتوقف. في 1999، كان أول نشاط علني: مسيرة لمجتمع الميم في كُلكَتا. تحدَّت المسيرة حظرًا اجتماعيًّا مارسه القانون على المثليين منذ سنة 1860، عندما أدخل الاستعمار البريطاني المادة 377 على القانون الهندي مانعًا الممارسة المثلية.

منذ تلك المسيرة، تحتضن 15 مدينة هندية مسيرات الفخر المثلية (Gay pride) في مختلف أنحاء البلاد، وفق ما يقول «سوخديب سينغ» لـ«منشور».

سوخديب ناشط مثلي، ومؤسس مجلة «غايلاكسي» الهندية التي تسعى لخلق مساحة تعبير آمنة لمجتمع الميم في الهند.

قد يهمك أيضًا: عندما كانت المثلية واجبًا اجتماعيًّا

محاولات الألفينات: عراك الناشطين والمحافظين

مع مطلع الألفية الجديدة، بدا أن الحراك المثلي عاد إلى نشاطه. ففي 2001، رفعت مؤسسة «ناز» (تُعنى بمصابي الإيدز، وغالبيتهم من المثليين) عريضة أمام المحكمة العليا، تطالب فيها القضاء باستثناء الممارسة الجنسية المثلية التي تحدث بالتراضي بين راشدين من المادة 377.

وقتها كانت «غارات» الشرطة على المثليين تتكثف، حتى وصلت إلى توقيف عاملين صحيين كانوا يوزعون واقيات جنسية على المثليين، وسجنهم 47 يومًا بتهمة الحض على ممارسة الجنس «المخالف للطبيعة»، أي المادة 377 إياها.

تعرضت «كوكيلا» المتحولة جنسيًّا للاغتصاب الجماعي. وعندما طلبت المساعدة اعتُقلت وأُجبرت على الوقوف عارية لساعات في مركز الشرطة.

حكايات كثيرة وحزينة، تجارب شخصية حوَّلت المثلية إلى تهمة وليس هوية. سنين من الرعب عاشها المثليون، وإلى جانبها سنين ألم وحياة مزدوجة.

تقرير مفصل لمنظمة «أورينام»، المعنية بحقوق المثليين في الهند، رصد عشرات الحالات للاعتداء على مثليين ومثليات في مراكز الشرطة بين 2001 و2013 فقط، تحت المادة 377. تلك الاعتداءات أدت إلى انتحار كثيرين بسبب ما حدث لهم من اغتصاب أو تعذيب.

بين هذه القصص، ما حدث مع «كوكيلا»، وهي متحولة جنسيًّا تعرضت للاغتصاب الجماعي عام 2004 في مدينة بانغالور. وعندما طلبت المساعدة من الشرطة، اعتُقلت وتعرضت للتعذيب والسخرية، ثم أُجبرت على الوقوف عارية لساعات في مركز الشرطة وتحمُّل الإهانات.

القصص التي لا تنتهي تشمل أيضًا «بانداي». شاب مثلي ألقي القبض عليه عام 2006 بتهمة السرقة. بعد اكتشاف هويته الجنسية في مركز الشرطة، عُذِّب عن طريق حشر عصا خشبية في مؤخرته، وأُجبر على ممارسة الجنس الفموي.

بالطبع، بعد إطلاق سراحه، أقدم بانداي على الانتحار.

اقرأ أيضًا: صراع الموت والحياة: الانتحار بوصفه هجومًا لا استسلامًا

لم تجد عريضة «ناز» طريقها إلى التطبيق بسبب تدخلات سياسية واجتماعية رأت أن القانون ضروري لمنع انتشار الإيدز.

استمرت لعبة القط والفأر، بين الجمعيات الناشطة في مجال حقوق المثليين والجمعيات الأهلية المحافظة حتى عام 2009. فتحْتَ ضغط حقوقي محلي ودولي، أقرت المحكمة العليا في نيودلهي أن الجنس المثلي بالتراضي بين الراشدين ليس جُرمًا، ولذلك أُسقِط من المادة 377.

لكن الفرحة تنغَّصت سريعًا. عشرات الدعاوى رفعتها جمعيات دينية واجتماعية لإبطال القرار، وهو ما حدث بالفعل في 2013، عندما ألغت المحكمة الوطنية العليا قرار محكمة دلهي، وأعادت إدانة الجنس المثلي باعتباره جُرمًا تُطبَّق عليه المادة 377، التي تؤدي بفاعله إلى السجن المؤبد أو لمدة 10 سنوات أو دفع غرامة مالية.

سرعان ما استأنفت ناز الحكم الذي مر بمراحل عدة، ثم أحالت المحكمة العليا القضية إلى هيئة دستورية خاصة، تضم خمسة من كبار قضاة المحكمة العليا.

المثلية في الهند: حكم تاريخي، نهاية سعيدة

الصورة: Gettty/Arun Sharma

«هناك مثليون ومتحولون يتعرضون للعنف الجنسي والاغتصاب داخل عائلاتهم، على أمل أن تتغير ميولهم الجنسية».

في 10 يوليو 2018، بدأت الهيئة الدستورية الاستماع إلى حجج المستأنفين من جمعية ناز، كما تشرح ريشا «سيلاكاري» من منطمة «كريا» الحقوقية الهندية.

النظر في هذا الاستئناف هو الذي قاد إلى الحكم التاريخي الصادر في السادس من سبتمبر 2018، الذي أسقط صفة التجريم عن المثلية الجنسية في الهند، بعدما أحالت الهيئة الدستورية القضية كلها، إثر الاستماع إلى الحجج والأدلة، إلى المحكمة الوطنية العليا التي أصدرت قرارها.

لكن هل إيقاف التجريم يغير الواقع؟

الناشط المثلي سوخديب سينغ يدرك جيدًا أن إلغاء المادة 377 جزء من الحل، لكنه جزء صغير: «يجب أولًا أن يتقبل المجتمع المثلية الجنسية. لكن في ظل حماية القانون، على الأقل لن يعيش المثليون في خوف من التعرض للاعتقال أو الإجبار على ممارسة الجنس ثم ابتزازهم بالقانون. الطريق طويل، لكن هذه بداية مبشرة».

قصة سينغ واحدة من قصص المثليين في الهند، يتذكرها بتفاصيلها، ويروي لـ«منشور» كيف أعلن هويته الجنسية في 2009 لعدد قليل من رفاقه في الجامعة عبر تدوينة إلكترونية، لكن التدوينة انتشرت، وعلم الناس أنه مثلي.

في 2013، تحدث سينغ إلى والدته: «لن أتمكن من الزواج لأني أحب الرجال». بكت كثيرًا، لكنها اليوم «تعيش في نكران تام هي وكل أفراد عائلتي».

يرى سينغ نفسه محظوظًا لأنه لم يتعرض لما تعرض له آخرون. يروي حكايات سمعها من رفاقه: «هناك مثليون ومثليات ومتحولون يتعرضون للعنف الجنسي والاغتصاب داخل عائلاتهم، على أمل أن تتغير ميولهم الجنسية. هناك من يتعرضون للضرب العنيف».

لكنه يتحدث عن ما هو أكثر تعقيدًا من كل هذا العنف المباشر: الإجبار على الزواج من الجنس الآخر، لأن «الهندي منذ ولادته يتربى على احترام القيم الاجتماعية: الصبي عليه أن يكون ذكوريًّا، والفتاة عليها أن تتجهز للزاوج عاجلًا أم آجلًا. وبالفعل يرضخ كثيرون للضغوط، ويتزوجون ويعيشون حياة مزدوجة: واحدة في البيت وأخرى خارجه».

قد يعجبك أيضًا: ما الهوموفوبيا؟ ولماذا يخاف البعض من المثليين؟

«ريشا سيلاكاري»، الناشطة الهندية في حقوق المثليين، تتفق مع ما يقول سينغ: «انتقلت المعركة الآن من المحاكم إلى الشوارع إلى داخل الأُسر والعائلات الهندية».

لكن ريشا متفائلة، وتضيف: «من المشجع أن نرى عددًا من المشاهير والشخصيات العامة يتحدثون عن دعم القرار، لكن المسائل الأكبر، المتعلقة بالتمثيل السياسي ومقاعد السلطة وغيرها من هيئات صنع القرار لمجتمع الميم، ستظل أمورًا مفتوحة للنقاش والقلق، خصوصًا أن المؤسسات الاجتماعية والدينية الرئيسية في البلاد لا تعترف بحقوق المثليين، وتصر على ممارسة التمييز ضدهم».