عيب يا لولو عيب

ثورة دون ثوار: كيف غير الجنس العالم؟

الصورة: Getty/Caiaimage/Paul Bradbury

تقول شيرين الفقي، الباحثة البريطانية في الشؤون الجنسية، إن «ما يحدث في العلاقة الحميمة ينعكس بشكل ما على مسرح أكبر في السياسة والاقتصاد والدين والعادات، لذ إذا أردت أن تعرف الناس انظر إلى غرف نومهم».

من جيل إلى آخر، تغيرت نظرتنا إلى الجنس، متبوعةً بما أُطلق عليه «ثورات جنسية»، التي تسللت إلى الأفكار والثقافات دون مظاهرات جماهيرية حاشدة أو مَشاهد عاصفة.

ظهر مصطلح «ثورة جنسية» لأول مرة عام 1936، على يد أحد أنجب تلاميذ فرويد، العالِم «فيلهلم رايخ» (1897-1957)، ولم يكن يعني وقتها التحرر الجنسي أو الإباحية كما فُسِّر لاحقًا.

فسَّر رايخ الثورة الجنسية بأنها توفير الشروط الضرورية التي يمكن فيها تلبية الجنس بصورة طبيعية، معتقدًا أنها يمكن أن تخلق المقدمات الضرورية للحرية الحقيقة، ومن ثَم تحقيق ثورة إنسانية حقيقية، كما يذكر في كتابه «The Sexual Revolution».

سكس: من أين نبدأ؟

اللوحة: Joachim Beuckelaer

بينما كانت نيران الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) تستعِر، كانت المطبوعات البورنوغرافية تغزو جيوب المجندين، قادمة بشكل خاص من إنجلترا ومنها إلى سائر أوروبا، لينتهي بها المطاف في أمريكا، بحسب ما يذكره الطبيب النفسي الفرنسي «شارل كورنريخ» في كتابه «تطور المتع البشرية».

ينقل الكتاب أيضًا أنه خلال مرحلة إعادة الإعمار التي تلت الحرب الأهلية الأمريكية (1865-1877)، صدر قانون عام 1873 بتفتيش طرود البريد، وكان هذا القانون الاحترازي سببًا في مصادرة نحو 194 ألف صورة إباحية، و60 طنًّا من الكتب الإيروتيكية، كانت تُنقل خفية.

في بداية القرن العشرين، باتت الملابس أكثر قصرًا وابتعادًا عن المألوف.

مع بداية الثورة الصناعية الثانية (1867-1914)، بدأت بوادر التحرر الجنسي تأخذ شكلًا أقوى، نتيجةً طبيعيةً لمساحة الاختلاط الواسعة بين الجنسين، الناتج عن زيادة حجم التصنيع، وتطور المركبات التي سهلت حركة التنقل بين القرى والمدن.

سمحت حياة المدينة بمزيد من الحرية، الأمر الذي مهَّد لظهور الأدب البورنوغرافي، وسمح بفرص أكبر لانتشار الدعارة من أجل خدمة العمال ورجال الطبقة الوسطى.

يوضح كورنريخ أنه بنهاية القرن التاسع عشر كان أكثر من 50% من سكان مدينة مثل نيويورك يترددون على بيوت المتعة، وربما تكون تلك النسبة مماثلة لباريس أيضًا، التي شهدت نشاطًا مميزًا.

بحلول عام 1905، تسارعت الجماهير لتشاهد أول عرض للرقص العاري في أوروبا، تتجرد فيه الراقصة من كامل ملابسها قطعة تلو الأخرى.

العلاقات الجنسية في مرحلة ما قبل الزواج، وفقًا لكورنريخ، زادت حدتها مع بداية القرن العشرين، وباتت الملابس أكثر قصرًا وأكثر ابتعادًا عن المألوف، وانتشر الأدب البورنوغرافي بشكل أكبر وأكثر استعانةً بالصور، وظهر في بعض مدن العالم مصطلح «Red Light Districts» (مناطق الضوء الأحمر)، التي يتعذر فيها الوصول إلى احتشام تام.

شباب العشرينيات: الجنس يبيع

الصورة: Lucien Lévy

بدأ الجنس والحديث عنه يأخذ حيزًا أوسع في العالم عام 1920، عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى. وعُدَّ ذلك انتصارًا على مخلفات العصر الفيكتوري، الذي يُفسَّر هو الآخر كرد فعل ضد أول بوادر ثورة جنسية تزامنت مع الثورة الصناعية الأولى.

يرى «دانيال رودجز»، أستاذ التاريخ في جامعة برنستون الأمريكية، أنه في فترة العشرينيات بلغ السماح بالتعبير الجنسي مستوى لم يتوقعه أحد قبل عقد من الزمان.

يتابع رودجز، في مقال كتبه لمعهد غيلدر ليرمان الأمريكي، أن أكثر الأشياء التي جعلت الجنسانية واضحة في هذا الوقت كانت ظهور صناعة الإعلان، التي ربطت الجاذبية الجنسية بالسلع التي تحتاج إلى تسويق. من هنا جاءت الحقيقة البديهية: «الجنس يبيع».

قد يهمك أيضًا: لماذا ينظر الرجال إلى النساء كأشياء؟

تسامح النازيون مع العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج، بشرط أن يكون الاثنان من عِرق آري.

عندما ظهر الحزب النازي في ألمانيا خلال فترة الثلاثينيات، حدث تحول مفاجئ في الثقافة الألمانية، بما في ذلك مجالات الجنس والنوع.

ظهر الحزب النازي فأحدث تحولًا ثقافيًّا ملحوظًا، شمل ثقافة الجنس، خصوصًا أن تركيز النازيين الأساسي كان على الإنجاب من عِرق آري نقي.

ابتداءً من عام 1941، احتاج الزوجان الألمانيان قبل الارتباط إلى شهادة تثبت أنهما ينتميان إلى العرق الآري. مع ذلك، كان الرايخ الثالث متسامحًا مع العلاقات خارج نطاق الزواج، شريطة أن تكون ضمن حدود الطهارة العرقية (أن يكون الاثنان من عِرق آري).

إضافة إلى ذلك، حصلت النساء على حريات جديدة خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى في ألمانيا، ووجدت الجنسانية انتشارًا أكبر بكثير من ذي قبل، وكان تركيز النازيين الأساسي على إنجاب مزيد من العرق الآري النقي.

في الوقت ذاته، أعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية سلام وازدهار وأجواء احتفالية صاخبة، إلى جانب مطالبات كثيرة بحق المرأة في التصويت والخروج إلى الشوارع.

الستينيات المجنونة: أول مجلة جنسية

مارلين مونرو على غلاف أول عدد من مجلة «Playboy» - الصورة: presspasscollectibles

خلال الخمسينيات، بدأ إقحام الجنس في الثقافة، من خلال أفلام سينمائية تُظهِر أشخاصًا يمارسون الجنس علانية، أو أنهم يمارسونه فعلًا، وصولًا إلى ظهور الأدب الإيروتيكي بقوة.

منذ بداية السينما، كانت الأفلام الإباحية تنتَج تحت مصطلح «Stag Film» لتُعرض في بيوت المتعة، وفي الستينيات كانت تُصنع في الخفاء لتُعرض تحت عنوان «أفلام الراشدين».

الستينيات شهدت الثورة الجنسية الأقوى، فقد أصبحت العروض الجنسية أكثر علانية، وأدخلت موسيقى الروك تلميحات جنسية صريحة، وهو نفسه الجيل الذي نشأت منه النسوية المعاصرة.

قبل أن تجتاح موضة «الميني جيب» العالم في بداية الستينيات، كان «هيو هيفنر» يؤسس أول مجلة إباحية عام 1953: «Playboy»، التي كان ظهورها بمثابة صدمة أخلاقية، لكنها سرعان ما وجدت جمهورًا عريضًا.

مصطلح الثورة الجنسية أو التحرر الجنسي لعب دورًا كبيرًا في تغيير كثير من المفاهيم التقليدية في الغرب منذ خمسينيات القرن العشرين، فبدأ يتكون حراك اجتماعي قوي، يهدف في الأساس إلى تحدي القوالب الاجتماعية والدينية، مثل حق الزواج وطبيعة العلاقة بين الجنسين.

إلى جانب ذلك، لعبت النسوية دورًا مهمًّا في ذلك، إذ كان يُنظر إلى التحرر الجنسي باعتباره نتيجة ضرورية لتحرير المرأة من القوالب الاجتماعية، الأمر الذي جعل عالم الاجتماع الأمريكي من أصل روسي «بيتريم سوروكين» يحذر من زيادة الأمراض النفسية، بفعل ما أسماه «الفوضى الجنسية» وانتشار «أسلوب اللذة».

ضربت حبوب منع الحمل الأسواق في عام 1960، وكان لها قدر كبير من الأهمية.

مع بداية السبعينيات، ظهر لأول مرة مصطلح «Porno Chic» أو عصر الإباحية الذهبي، في الوقت الذي تسللت فيه الأفلام الإباحية بشكل علني. وفي 1972 حقق أول فيلم إباحي نجاحًا كبيرًا في شباك التذاكر بعد عرضه. مَهَّد الفيلم لمزيد من أفلام الإباحية، قبل أن يصبح موضوعًا لعدة قضايا في المحاكم، ويُمنع من العرض في أكثر من دولة.

في الثمانينيات، انتقلت الأفلام الإباحية إلى أشرطة الفيديو كبديل أفضل من السينما وأكثر خصوصية، بحسب «ديف طومسون» في كتابه «Black and White and Blue».

منذ ذلك التاريخ، بدأ المؤرخون يستقصون أسباب التغيير في الأفكار والمفاهيم التي تتعلق بالجسد، متأثرين بأفكار «ميشيل فوكو».

قد يعجبك أيضًا: تاريخ موجِز للحشمة الإسلامية

السبعينيات والثمانينيات: حبوب منع الحمل

شاب وفتاة من أمريكا الثمانينيات - الصورة: Derek Key

خلال فترة الستينيات طالب الشباب في أوروبا وأمريكا بتغيير تحفظ الآباء حول الجنس وتحدي المحرمات السلوكية. حرية الحب والثورة الشبابية هي الصورة التي عادةً ما تذكرها الثورة الجنسية المشتعلة في الستينيات، إضافةً إلى التغيرات التكنولوجية الجديدة لحبوب منع الحمل، التي ضربت السوق في عام 1960، وكان لها نفس القدر من الأهمية.

«لارا ماركس»، الأكاديمية المهتمة بتاريخ الطب، تقول في كتابها «Sexual Chemistry» إن اختراع حبوب منع الحمل (التي ظهرت كحل لمشكلة الاكتظاظ السكاني) كانت أحد أكبر المحفزات للثورة الجنسية من جانب آخر.

ترى لارا أن اختراع حبوب منع الحمل أدى إلى مزيد من العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج، فلم يكن الأمر مجرد دواء، بل غيَّر حياة ملايين النساء، وخلق دافعًا لمراقبة العقاقير وتنظيمها في دول العالم.

في عام 1979، وضعت الصين برنامجًا للسيطرة على ارتفاع عدد المواليد، ومعالجة الأعباء الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وتطلَّب ذلك مزيدًا من الدراية بالجنس ووسائل منع الحمل، وكان ذلك مهمة ليست سهلة.

بدايةً من عام 1980، بدأت الكتب حول الجنس تُنشَر في الصين لأول مرة، بل أصبح بعضها ضمن الأكثر مبيعًا.

ولأن السيطرة على السكان كانت أكثر المشكلات المُلحة في الصين، بدأت الحكومة في إدخال برنامج التثقيف للمدارس الثانوية. وبحلول 1988، كانت التربية الجنسية منهجًا دراسيًّا للمدارس المتوسطة.

اقرأ أيضًا: لماذا تخشى المجتمعات العربية تدريس الجنس؟

عصر صناعة الجنس

في حلقة من السلسلة الوثائقية «Uncensored» بعنوان «Paparazzi!» (ملاحقو المشاهير)، يقول «رون غاليلا»، مصور الفضائح الأشهر خلال فترة الستينيات والسبعينيات: «أشعر بأننا فقدنا جزءًا كبيرًا من الرومانسية القديمة. لم يعد هناك غموض، أصبح كل شيء مكشوفًا أكثر من اللازم».

تعليق غاليلا يتفق مع رأي «ستيف غارلك»، عالم الاجتماع في جامعة فيكتوريا، لكن بصيغة أخرى، إذ يرى غارلك أن الثورة الجنسية مثلما كانت عنصرًا مركزيًّا في بعض الثقافات خلال الستينيات والسبعينيات، فإنها تحولت إلى ثقافة مركزية سائدة في العالم كله بحلول القرن الحادي والعشرين، وذلك بفضل الإنترنت.

يتابع غارلك: «منذ بداية التسعينيات حتى الآن، ظهر تقاطع بين الجنس والتكنولوجيا والاقتصاد، وفي الوقت ذاته تحول الجنس إلى سلعة ومصدر مهم للضرائب في عدة دول. اليوم، بين كل 10 مواقع هناك واحد يعرض موادًا إباحية».

يوضح الرسم البياني التالي تطور البحث عن كلمة «sex» منذ 2004 حتى اليوم:

بسبب موجات التغيرات الاجتماعية والثقافية التي أحدثتها ثورة الجنس، تغيرت نظرتنا إلى الحب والجنس والزواج بشكل أسرع من أي وقت. لا أحد يمكنه التنبؤ بشكل الثورة الجنسية القادمة، لكن المؤكد أن التغيير انطلق، ولن يتوقف.


هذا الموضوع اقترحه أحد قُراء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويره، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.

, , ,