كالنقش على الحجر

قبل التورط في علاج النتائج: تعرف إلى اضطراب القلق المزمن عند الأطفال

الصورة: Getty/Elva Etienne

يبدو القلق مرضًا عصريًّا بامتياز، يعززه نمط الحياة التي نعيشها. يعاني كثيرون القلق والخوف من المستقبل. لكن هناك نمطًا متكررًا يرى أن هذه الاضطرابات بدأت في الظهور على الأطفال أيضًا، وفي مراحل عمرية مبكرة.

الاضطرابات العقلية مثل القلق المزمن، لا تعترف بالعمر. فهذه الاضطرابات يمكنها أن تظهر في مختلف المراحل العمرية.

يمكن لهذه الأعراض أن تظهر بطريقة صادمة وصعبة لكلٍّ من الأطفال الذين يختبرونها ولآبائهم كذلك. إضافة إلى أنه من الصعب معرفة ما إذا كان الطفل يعاني من القلق تحديدًا أو من أمرٍ آخر. كثيرًا ما تتداخل أعراض اضطرابات الصحة العقلية مع بعضها عند الأطفال.

في مقالها على جريدة «The New York Times»، ترى الطبيبة والكاتبة «بيري كلاس»، أن اضطرابات القلق التي تعد أكثر مشكلات الصحة العقلية شيوعًا بين الأطفال والمراهقين، لا تحظى بالاهتمام الذي يقتضيه حجمها وتأثيرها في الأطفال والأُسَر. فغالبًا يعاني منها الأطفال، على الرغم من وجود علاجات فعالة ومتاحة، مستشهدة بتقرير جديد حول القلق المزمن لدى الأطفال والمراهقين، صدر من معهد تشايلد مايند في نيويورك.

ليس القلق أمرًا يسهل ملاحظته

الصورة: Stephany Miller

يحتاج الأطفال إلى تعلم كيفية حماية أنفسهم وتوقع أنواع معينة من الأخطار المحتملة.

عادةً، لا يلاحظ الآباء معاناة أطفالهم مع القلق المزمن، لأنه لا يظهر بالضرورة في صورة سلوكيات مثيرة للانتباه، وإنما قد تظهر الأعراض أحيانًا لدى الأطفال بأن يكونوا هادئين جدًّا مثلًا، أو منطوين على أنفسهم، وفي حالة الأطفال الآخرين ممن يُظهرون سلوكيات تخريبية، فمن الممكن أن يساء فهم القلق المزمن باعتباره سلوكًا اعتراضيًّا وحسب.

على سبيل المثال، قد يعتقد طفلك أنه ليس جيدًا في الرياضيات: يشتكي يوميًّا عندما يحين وقت درس الرياضيات من آلام في المعدة. وقد يطلب الذهاب إلى ممرضة المدرسة رغبةً في تفويت الحصة كلها.

يظهر القلق كما لو كان الطفل يعاني بسبب مادة دراسية معينة، ولكن فكرة الطفل بأنه لا يستطيع حل المسائل الرياضية هي التي تفعل به ذلك، وليس أنه يعاني من صعوبة في التعلم.

وبدلًا من التركيز على القلق نفسه ومحاولة علاجه، يكون التركيز على تشخيصٍ خطأ تمامًا.

الافتراض السائد بأن القلق المزمن عند الأطفال مجرد مرحلة، يتخطونها مع مرور الوقت، وأن وجود قدر معين من القلق قد يكون جانبًا طبيعيًّا لعملية النمو، ويمكن أن يلعب دورًا وقائيًّا كذلك.

فبالطبع يحتاج الأطفال إلى تعلم كيفية حماية أنفسهم، وتوقع أنواع معينة من الأخطار المحتملة.

لكن عندما يصبح القلق تهديدًا لآداء الطفل ومؤثرًا سلبيًا فيه، فإن هذه هي الإشارة الأولى للآباء بضرورة طلب المساعدة، وليس مجرد المشاهدة والانتظار، ولا إعادة ترتيب حياة الطفل لتجنب ما قد يسبب مزيدًا من القلق.

قد يهمك أيضًا: لماذا نزداد قلقًا يومًا بعد يوم؟

كيف يبدو القلق المزمن عند طفل يعاني منه؟

من الصعب تحديد هذه المشكلة أحيانًا لأن الأعراض قد تختلف من طفل إلى آخر، لكن هناك مجموعة من العلامات التي يمكن من خلالها تمييز القلق المزمن عند الأطفال، من بينها الأرق والاهتياج، وكذلك تدهور الأداء الدراسي، أو حتى بعض الأعراض الجسدية، مثل الصداع وآلام المعدة.

يظهر القلق المزمن لدى الأطفال السلوكيات السلبية بشكل كبير، وبطريقة مكثفة ومستمرة. وبمرور الوقت تصبح هذه السلوكيات محبِطة للآباء لأنهم يشعرون بالعجز عن التعامل مع هذه المواقف الجديدة، ولا يعرفون كيف يتعاملون مع الأطفال الذين لا يتأثرون بالعقاب أو الصراخ أو أي أساليب أخرى.

تجاهُل علاج اضطرابات القلق المزمن لدى الأطفال، تُمكِّن القلق من السيطرة على حياتهم.

ترى «كاثلين ميريكانغاس»، الباحثة في المعهد الوطني للصحة العقلية، أن الأطفال والمراهقين ممن يختبرون القلق المزمن قد يبدو أداؤهم طبيعيًّا تمامًا، فلا يوجد مشكلات في النمو أو في الانتباه، والتي قد تلفت النظر إليهم في المدرسة، وإن ظهرت، فتبدو في سياق من الاعتراض أو حتى سوء التربية.

تشير كاثلين كذلك إلى دراسة تحليلية صدرت في سبتمبر 2018، وكانت نتيجتها الأساسية أن مزاجية الطفل يمكنها أن تتنبأ بالأنماط السلوكية التي قد يسببها القلق المزمن في ما بعد.

قد يعجبك أيضًا: كيف يستفيد الأطفال من تسامح آبائهم مع الفشل؟

الأطفال الصغار الذين يُظهرون ما يسمى بالسلوك المكبوت، وهو ما يصفه الآباء بأنه خجل شديد أو قلق من الأشخاص الجدد، هم أكثر عرضة لأن يظهر لديهم قلق اجتماعي مزمن في ما بعد.

يرى الدكتور «هارولد كوبليوفز»، رئيس معهد تشايلد مايند، أن تجاهُل علاج اضطرابات القلق المزمن لدى الأطفال، تُمكِّن القلق من السيطرة على حياتهم، وتسمح بدخول مشكلات صحية عقلية كثيرة أخرى لحياة هذا الطفل. فالطفل الذي يعاني من القلق المزمن غير المُعالَج يكون أكثر عرضة للاكتئاب. ويوضح كوبليوفر أنه في المتوسط هناك تأخر لمدة عامين بين بداية شعور الأطفال بالقلق المزمن والوقت الذي يتلقون فيه المساعدة. وهو أمر سيئ للغاية بالنسبة إلى أدمغة هؤلاء الأطفال.

كيف نتعامل مع الأطفال المصابين بالقلق؟

الصورة: Stephany Miller

لا ينبغي تجنيب الطفل التجارب الحياتية المختلفة لمجرد أنها تجعله قلقًا.

يقترح معهد تشايلد مايند وكثير من المختصين بصحة الطفل النفسية، ضرورة طلب المساعدة الطبية. إذ يمكن للآباء من خلالها أن يتعاملوا مع طفلهم القلِق بشكل صحيح من شأنه أن يقلل من قلقه ويشجعه على الانخراط في الحياة أكثر.

أول هذه الأمور هو استيعاب حقيقة أن القضاء على القلق المزمن ليس الهدف، وإنما مساعدة الطفل على التحكم به وفهمه للتمكن من عيش طفولته بشكل طبيعي، وبهذا مع الوقت، سيقل القلق المزمن أو يختفي تمامًا.

لا ينبغي كذلك تجنيب الطفل التجارب الحياتية المختلفة لمجرد أنها تجعله قلقًا. فمساعدة الطفل على تجنب الأشياء التي تسبب لهم القلق المزمن، ربما تجعله أفضل لمدة قصيرة. لكن هذا التصرف يعزز القلق على المدى الطويل.

مثلًا، لو كان طفلك في وضعٍ غير مريح وبدأ في البكاء والصراخ، وأخرجته من هذا الموقف في الحال أو أزلت ما يُشعره بالضيق، فإنه سيرى تدخلك الآلية المثلى للمواجهة، وسيبدأ الأمر في تكرار نفسه دائمًا.

يمثل التعبير عن التوقعات الإيجابية الواقعية أمرًا محوريًّا في تعزيز علاقة الطفل بالعالم. لا يمكنك أن تؤكد لطفلك أن مخاوفه ليست حقيقية، وأنه لن يفشل في الاختبار، أو أن طفلًا آخر لن يسخر منه في أثناء الأنشطة المدرسية المختلفة. لكن يمكنك أن تعبِّر عن ثقتك به وبنشاطه، وبأنه سيكون بخير، وسيكون قادراً على التصرف في تلك المواقف، وأن قلقه سيقل بمرور الوقت، ما يعطيه ثقة بأن توقعاتك واقعية وليست حالمة، وأنك لا تقول هذه الأمور لأنك أبوه أو أمه، وأنه يمكنه تحقيقها فعلًا.

من المهم كذلك أن ندرب أنفسنا على احترام مشاعر أطفالنا، لكن الحذر من تعزيز تلك المشاعر واجب. إذا كان الطفل خائفًا جدًّا من الذهاب للطبيب رعبًا من الحقنة، فلا يجب عليك التقليل من مخاوفه أو الكذب عليه، ولا يجب عليك أيضًا أن تضخم هذه المخاوف.

ما ينبغي فعله أن تسمع لطفلك وتتعاطف مع مخاوفه وتساعده على فهم ما يُشعِره بالقلق تحديدًا، وتشجعه على مواجهة هذه المخاوف. فالرسالة التي يجب إيصالها للطفل هي: «أعلم أنك خائف، وهذا ليس أمرًا سيئًا. لكني بجوارك، وسأساعدك في تجاوز هذا الأمر».

تشجيع الطفل على التسامح مع قلقه المزمن أمر محوري هنا. يجب أن تدع طفلك يعرف أنك تُقدِّر ما يتطلبه الأمر منه لتحمل القلق. ومن المهم أن تدعه ينخرط في الحياة وتسمح للقلق بأن يأخذ مجراه الطبيعي.

تشير دراسة «تشايلد مايند» إلى أن قِصَر الفترة الاستباقية تؤثر في درجة القلق وحِدَّته. بمعنى أنه عندما نكون خائفين من شيء ما، فإن أصعب وقت بالنسبة إلينا هو الوقت الذي يسبق هذا الشيء وانتظاره. لذلك يجب على الآباء أن يحاولوا القضاء على الفترة الاستباقية أو تقليلها. فإذا كان الطفل متوترًا بشأن الذهاب إلى طبيب الأسنان، فلا يجب أن تناقشه في هذا الأمر قبل يومين من الذهاب، لأن هذا يجعل الطفل قلقًا لفترة أطول.